ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


رواية : يد الوزير


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 949 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



عزيزي حليم ..
لا شك أني أزعجتك و أزعجت الأصدقاء هناك.. أنا آسف.. رسالتك الأخيرة كانت بليغة و بينت مدى متانة الروابط بيننا. لا شك أن الطريق التي عبرناها معا من الاجتماعات السرية إلى السجون إلى الحرية/ السجن نحتت في كل منا الآخر ..
قديما كنا نحلم و نفكر في غد على مقاس أحلامنا .. و كانت أحلامنا تسع الوطن ..
اليوم أنا أحلم على مقاسي و أجدني عاجزا عن تحقيق هذا الحلم ..
و اليوم ها أنا أزج بأصدقائي في الكابوس. مرحبا بك أنت و دافيدوف .. لا حاجة لأن أكررها. أنت تعلم أن البيت بيتك. و أن من يراك يراني و من يراني يرانا ..
كل ما في الأمر أني أبحث عن التوازن المفقود في بيتي و في نفسي ..
لقد أحالنا معاليه إلى غريبين يضمهما سقف واحد
لقد وقع ما وقع .. و قضي الأمر .
ما أسعى إليه الآن هو البحث عن كيفية الحصول عن لحظة فرح .. فقط
أريدها بأي ثمن ..
ليكن بالانتقام حتى ..
و أنا أنتظركما لنتدارس الأمر جيدا.. أنا أتوفر على خطة, إلا أني كلما أمعنت التفكير فيها أجدها أضعف من أن تصيب.. إلا إذا أسعفتنا الصدفة أو القدر بعملية تشفي غليل الكثيرين.
قبل أيام كنت أنا و أحد الأصدقاء في مقصف فندق النعيم.. و هو فندق يرتاده معاليه ليرفه عن نفسه
ثم عدنا مرة أخرى إلى نفس المقصف.. لم يكن الوزير هناك .. ما إن دخلنا حتى اقترب منا نادل .. و قال :
- أنتما اللذان كنتما تطيلان التحديق في السيد الوزير
كيف عرف ؟ نظرت إلى صديقي .. أضاف النادل
- لقد بعث وراءكما حارسه الشخصي.. و استطاع بعد ذلك الوصول إلى سائق سيارة الأجرة الذي حملكما و يبدو أنه لم يستطع سوى معرفة أين هبطتما من السيارة ..
و منذ ذلك اليوم و هو يأتي بأربعة حراس. لذا أثير انتباهكما أنكما معرضان لخطر حراسه ..
اندهاش!. و انبعاث شعور بالتحدي. قرأت ذلك في نظرة صديقي و قرأ ذلك صديقي في نظرتي..
و قرأنا معا في نظرة النادل شيئا كالرغبة في القتل
قال النادل :
- الآن اذهبا .. و إذا أردتما أن نلتقي في مقهى ما لنتحدث بتفصيل أكثر..
و ذهبنا ..
لست أدري لم اخترت. و لست أدري لم وافق صديقي على أن نلتقي في مقهى" السقيفة " الكائن بشارع الحسن الثاني القريب من العمارة ذات المصعد الذي رسم منعطفا في حياتنا..
كان النادل في الموعد.
تحدثنا .. للنادل حكاية بدوره مع معاليه. رجانا أن لا نسأله عن تفاصيلها و قال إنه على أتم الاستعداد للدخول معنا في أي مخطط يهدف إلى جر أذن معاليه ليعلم أن الإنسان يرفض أن يهان من طرف أي كان ..
نريد أن نعطيه درسا عمليا في كيفية التعامل مع الآخر ..
هذا الرجل سيفيدنا كثيرا. فهو يعرف الكثير عن عادات معاليه. و يعرف طقوسه.. و إذا جئتما أنت ودافيدوف سنكون مجموعة .. و سنخطط كما كنا نفعل في الأيام الجميلة ..
لن يهنأ لي بال حتى يصاب الرجل بشرخ في اعتداده بنفسه, حتى ينهار الجدار الذي يشيده حوله. و كلما سعيت إلى جس النبض اكتشفت بأن الحاقدين عليه يزداد عددهم يوما بعد يوم لأسباب شخصية.. بعيدا عن الرؤى السياسية..
و مع ذلك فأنا خائف مرتعب. و أعي أن الشخص عندما يخاف يصبح خطيرا و لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما قد يصدر عنه.. هو نفسه لا يستطيع ذلك.. أعي ذلك عزيزي حليم. و أحاول أن أحتوي خوفي. أسعى إلى عدم الدخول في حماقة تمتد عقباها إلى غير المعنيين بالأمر.. و أعي أن في داخلي.. كما في داخل كل منا قاتلا.. يكفي أن نعثر على الزناد لتنطلق الرصاصة.
أنا في انتظارك عزيزي حليم. في انتظارك أنت و دافيدوف لنتحدث. لنتبادل الأفكار.. لنحدد الهدف. و بعد أن نحدده تحديدا لا يدعو للجدال, ننساه تماما و نركز على وسائل تحقيقه.. أتذكر ؟ لقد كنا نردد ذلك في اجتماعاتنا القديمة ..
و من يدري لعل هذا الرجل يجمعنا بعد أن فرقت بيننا الأيام.. لعله بفعلته تلك يقدم لنا خدمة قد نجني ثمارها لاحقا..
عندئـذ سنشكره على ما قام به.























XII

يخططون .. منهم من يفكر في المنجل على غرار رجل تازة الذي يحكى أنه كان يرسم علامة على مؤخرة الأعيان بمنجله فيتحملون و يصمتون.. كان يفعل ذلك كلما اختلى أحد بخليلته داخل سيارته في منطقة خالية كان يعتبرها منطقته.
منهم من يفكر في استعمال السلاح على الطريقة الأمريكية. و منهم من يفكر في شيء آخر لإلحاق الإهانة بالرجل. كأن يغتصبوه جماعة و يأخذوا له صورا يشترون بها صمته..
منهم من يفكر في وسائل أخرى ..
يفكرون و يجهلون أن الأمر قد قضي. و أن الواقعة آتية لا ريب فيها. المسألة مسألة وقت فقط لا غير..
لن أقول ذلك لخديجة ..
و لا يجب أن تعلم. و لا يجب أن يعلم غيرها ما لن يصدقه أحد..
أنا الآن .. في هذه الغرفة الصغيرة الفسيحة, أستطيع أن أرفرف إلى أي مكان .
أستطيع أن أدخل إلى بيت معاليه دون أن يراني .. أستطيع أن أراه دون أن أراه .. أتفرج على نزواته أسمع لغوه. حديثه مع صديقه المدعو داني مثلا .. لقاءه بعد ذلك بسكرتيرة جديدة في شقته, أستطيع أن أخلع بدني جانبا. و أرى بعين هي غير العين. ثم أرجع إلى ذاتي..
و عندما أعود إلي أجدني أقتعد الأرض.. متعبا كمن قضى اليوم في الركض. و أغفو قليلا.. لا .. لا أغفو قليلا بل أذهب في نوم عميق .. و عندما أفتح عيني يكون ميعاد العمل قد أزف..
أرتدي بذلتي البيضاء و أخرج إلى المقهى. أفطر وأتوجه إلى عملي ..
و عندما أنهي عملي أمارس الرياضة و أجاهد أنا دائما أجاهد.. و لأني أجاهد أصل إلى الذوق و من ثمة إلى الكشف..
هو قول غامض لن تدرك خديجة فحواه.. و لن يدرك سلمان فحواه.. و لا دافيدوف.. بدوري لا أستطيع شرحه لغيري. فما أعيشه حالات لا يد لي فيها ..
أراني. لا أراني.. بل أحسني.. لا أحسني بل.. ياه كم تضيق العبارة ! أعيش لحظة هروب الصوت من الرجل .. يحدث ذلك في جمع غفير حيث يأمر أحدهم بأن يفسح له المجال ليلقي خطابا, أراه يأمر أحدهم أن يقدمه و يلح عليه في أن تكون الديباجة في مستوى اللحظة .يبدأ الإطراء . يبدأ منح الوزير صفات لا وجود لها في غير الخطاب .. وعند كل صفة تتعالى الهتافات و التصفيقات و بعد التصفيق يتقدم معاليه . يقف أمام الميكرفون ويصفق الحشد .يصفق. يصفق. يصفق يشير بيده لهم أن توقفوا عن التصفيق.
يحدق في الحشد . يرتجف قليلا.لعل إحساسا بأن هناك من يتربص به الدوائر.. يرتجف أكثر. يسعل و يصمت الجميع.
كلهم يعلمون أن من عادته الدخول في الموضوع فورا و يعلمون أن من عادته أن يبدأ القول قبل أن ينهي الحشد التصفيق.. و ها هو يأمرهم بالصمت فيصمتون.. و ها هم ينتظرون أن يقول .. لا أن يرتجف .. ينتظرون ..
أمام الميكروفون يحاول أن يتكلم .. يصدر عنه صوت .. ما يصدر عنه ليس كلاما. لا يشكل حرفا واحدا. من حروف الأبجدية غير الألف . ألف ممدودة .. الألف الممدودة تتمدد أكثر.. تصبح كصرخة ألم و ما هي بصرخة ألم.. تتمدد الألف أكثر فأكثر. لا يفهم الحشد. و تنبعث الهتافات لمداراة الوضع.. و تلي الهتافات تصفيقات.. ثم تتوقف الهتافات. و تتوقف التصفيقات و الرجل لا يتوقف عن مد ألفه.. لا .. إنها صرخة .. لا . هي ليست صرخة.. لا أحد يعلم ما يحدث.. يهمس البعض أن الوزير أصابه مس من الجنون. أحدهم يفكر أن الرجل لم يعد يتحكم في صوته.. و آخر يفكر في إخراس الميكروفون.. و آخر يفكر في سحب الرجل من المنصة. و آخر يفكر دون أن يفكر..
يحتارون في أمرهم.. لكنهم في النهاية يهتدون إلى قرار. يخرسون صوت الميكروفون. يجذبون معاليه من الحفل الخطابي.. و يهرع أحدهم إلى طبيب يطلب مساعدته فالرجل لا يتوقف عن مد ألفه الصوتية.
يطل رجل يحمل محفظة. يفتحها. يخرج حقنة.. يغرسها في ذراع الرجل اليمنى.
تواصل الألف امتدادها وسط حيرة الجميع. يخفت الصوت و تمتد الألف.. يبح الصوت و تتمدد الألف.. يتلاشى الصوت.. و يغمض معاليه جفونه..
و ينفض الجمع ..
أعود إلي. و أشعر بالتعب.. و أغفو. أنام.. و لا أرى فيما يراه النائم شيئا ..
هل أقص حكايتي هذه لخديجة ؟
لا. لا أستطيع.. بل أكثر من ذلك. عندما أكون في حضرتها تغيب عني كل الأحداث التي أعيش في حالاتي الخاصة جدا..






















XIII

تتوقف الحافلة في محطة أولاد زيان.. المحطة كتلة من ضجيج, و صراخ و محركات تزأر و حافلات تزمر .. و الناس. الناس. الناس ..
يهمس حليم لدافيدوف ..
- هل تصدق أني هكذا أتصور الحشر..
ينظر إليه صديقه بابتسامة غامضة ..
يقول لسائق التاكسي
خذنا إلى مقهى السقيفة بشارع الحسن الثاني.
يتذمر السائق من حركة المرور. يلعن العابرين. يمتعض من سائقي الدراجات هوائية كانت أم نارية و من عدم احترامهم لعلامات المرور.. يشتم امرأة. لم يدر حليم و دافيدوف ماذا فعلت المسكينة
يقول السائق :
- يحق لأولي الأمر أن يعفوا الميزانية العامة من هذه العلامات و الإشارات الضوئية فلا أحد يحترمها.. لا أحد.. و يقولون حوادث السير كثيرة في بلادنا ..
أمام مقهى يتوقف. و يشير إليها قائلا :
- ها هي مقهاكما ..
يطلبان قهوة سوداء ..
ينظر دافيدوف إلى ساعته ..
قبل عودة النادل إليهما بالقهوتين يطل سلمان و معه ابتسامة تقول مرحبا بأهل الجنوب..
عناق ..
سؤال عن الأحوال.. عن الصحة. عن الأسرة. عن الرحلة. عن الطريق..
تعبير عن الفرحة باللقاء. استعادة للذكريات الخالية. دغدغة لما مضى من المقالب. تذكر ضاحك لأيام زوار الفجر و الزنازن.. دعابات عن عدم فهم رجال الشرطة آنذاك لمفاهيم الحتمية التاريخية و المادية الجدلية إلخ إلخ إلخ إلخ …
ثم …
يطل صديق سالم صاحب فكرة المنجل.. مصافحة. تقديم. تبادل العبارات الأولى لجس النبض و تلمس الخطى نحو علاقة أعمق..
ثم …
يطل نادل المقصف.. تقديم. تبادل العبارات الأولى لجس النبض و تلمس الخطى نحو علاقة أعمق ..
ثم …
يقترح دافيدوف مكانا أرحب للحديث. دافيدوف لا ينسى أن للحيطان آذانا.. كلهم يقبلون اقتراحاته.. ويعرض النادل على الجميع شقته. النادل عازب. و النادل سعيد باللقاء بهذه الفصيلة من الناس. هذه الفصيلة من الناس سعيدة بعثورها على مكان تتحدث فيه بكل اطمئنان..

لا يرى دافيدوف ذاك الشخص القابع في الزاوية اليسرى من المقهى.. الشخص القابع في تلك الزاوية يرى دافيدوف . يذكره جيدا. صحيح أن الزمن فعل فعلته. لكن ملامح الرجل لا تزال أمينة لشبابها..
الشخص القابع في تلك الزاوية يعرف سلمان.. ويعرف حليم, صديق سلمان و دافيدوف منذ زمن بعيد.. لا يعرف صديق سلمان و لا يعرف النادل.
دفقة من شيء مجهول تقول له إن ما يشغلهم هو الموضوع الذي حدثته عنه كثيرا خديجة.. يعرف أنهم يتدبرون أمراً.
يعرف أن من هؤلاء من يسعى إلى إطفاء نار تقضم داخله و يعرف أن من هؤلاء من يسعى إلى تلبية نداء داخلي يرفض الظلم و يتطلع إلى جزاء كل من يعتقده ظالما.
يرى في هؤلاء غضبا ينضج على نار هادئة..
الشخص القابع في تلك الزاوية اسمه يزيد.
لا أحد منهم يعرف أنه معهم الآن.. و أنه الوحيد الذي يعرف نواياهم.. فهل إذا التقت نظرته بنظرة دافيدوف سيعرفه ؟
يرفع دافيدوف بصره إليه.. هكذا دفعة واحدة.. لكن النظرة تعبره كما تعبر وجوها عديدة في مقهى السقيفة. يراهم يزيد يقفون. يتسابقون على الأداء و يخرجون تباعا..
يراهم. و يبتسم.
لا يرونه .
في شقة النادل مجال للحديث طولا وعرضا عن معالي الوزير.. يبدأون بالحديث عن طرائفه .. عن بهلوانياته أحيانا.. عن تعامله مع البسطاء.. يتحدثون عن شهريارياته.. وعن قراقوشياته . القراقوشيات مربط الفرس.
- كيف سنتدبر أمورنا ؟
يقول دافيدوف
و تأتي الأجوبة تباعا. المنجل.. صاحب المنجل لا يريد الموت لغريمه.. يقول :
- أريد أن يعيش بالأثر على مؤخرته.. أريده أن يقاسي جزءا مما يقاسيه ضحاياه..
تأتي الأجوبة تباعا. القتل. يقول حليم..
- قد يعيش برسم على مؤخرته و يزداد طغيانه تحتد رغبته في الانتقام و يكثر عدد ضحاياه و لن نملك أن نعيد الكرة مرة ثانية.. يجب أن نضع نقطة لحياته ثم نتدبر أمرنا ليعرف الخلائق أن هذا الرجل لم يلق سوى جزائه.
تتوالى المناقشة.. ينبغي أولا أن يتفقوا على الوسيلة قبل أن يشرعوا في مناقشة كيفية التنفيذ..
تنتظرهم لقاءات متعددة لضبط أمورهم. هم يعلمون ذلك.. حتى لا يكون قرارهم سريعا. يقررون تحديد موعد لاحق لمتابعة النقاش.
















XIV

زينب تضغط على الزر.. يأتي صوت من الآنترفون
- من ؟
- أنا زينب ..
- ياه ..
تكررها خديجة مرات و مرات.. و تفتح الباب
ترتمي زينب في حضن خديجة,,
- ها قد فعلتها و جئت ..
- منذ أن توصلت برسالتك و أنا أنتظرك. كنت أعلم أنك ستفعلينها..
حديث الصديقتين ذو شجون ..
و خديجة ..
- لأن قلبك من الطراز الرفيع. تختلفين عن الأخريات. لأنك تملكين القدرة على رؤية الحقيقة تستطيعين أن تفهميني.
و زينب:
- و لأن قلبك من طراز خاص.. لأنك تختلفين عن الأخريات لأنك تملكين القدرة على رؤية الحقيقة تستطيعين أن تفهميني..
كلام من هذا القبيل.
بعده تأتي صينية الشاي و الاستراحة و مشاهدة التلفزيون و انتظار سلمان.
يصافح زينب. يسأل عن أحوالها.. يرحب بها. تلمس الصدق في ترحيبه بها و تلمس نوعا من الارتياح.. و تقرأ في عيني الرجل بريق الفرح بلحظة خلاص قد تمنحها زيارة زينب.
لعله في حاجة إلى زيارتها أكثر من خديجة. هكذا تفكر زينب..
ينسحب سلمان إلى غرفة النوم. و تجلس الصديقتان و أمامهما شاشة التلفزيون.
الأخبار ..
الأحجار الأساس. الأسابيع الثقافية حيث تزدهر التبوريدة و العيطة و معارض لبيع السلع.. أي سلع.. ومباريات كرة القدم. و سباق مئات الأمتار. فقط لا غير.. والاجتماعات و الاستقبالات.
تخشى زينب أن يظهر الوزير و ترتبك جلستهما. ثم تتمنى أن يظهر لتقرأ على سحنة صديقتها ما قد يساعدها على مساعدتها.
و تبرز فكرة..
تدعو خديجة صديقتها إلى مرسمها.. منذ أن حدث ما حدث و هي تصارع لوحة ترفض أن تنصاع لريشتها..
تقف زينب أمام اللوحة العنيدة تتأملها و تدخل في صمت متحرك.. تتحدث إلى نفسها و كأن الرسامة غير موجودة.. تدخل في مناجاة مع العمل الذي ينتظر أن تهتدي إليه يد مبدعته و تنهيه..
طزاجة الضوء. طزاجة اللون. ضربة الفرشاة. عمق. رصانة. رقة. صدق. لمسة احتجاج. ياه!! خديجة تفكك الألوان على اللوحة و تعيد تركيبها في العين. و هذا التداخل بين الذات و الموضوع.. أفكار خديجة تدور حول ذاتها.. هذه الفوضى. هذه الأحاسيس الشخصية.. وعناصر عدم الرضى..
زينب لا تعلم أن صوتها يتسرب إلى سمع صديقتها.. يبدو على خديجة التأثر و يلمع في عينيها مشروع دمعة..
- أنا ؟ .. تريدين أن تقولي إن هذه اللوحة تحفل بكل هذه الأشياء..
تنتبه زينب إلى أن رحلتها عبر اللوحة لم تكن صامتة .. و ترد :
- نعم. هذا ما بدا لي.. لا تقولي لي إنك لم تشعري بشيء من ذلك
- لست أدري.. كنت أتبع يدي و هي تخلط الألوان و هي تخط هذه الطلاسم على اللوح ..
- كأني بك تنتفضين ضد عجزك عن مواجهة موقف ما.. سلطة ما.. عن غربة ظالمة وسط ترسانة من القوانين و الشعارات و الدعوات المتتالية إلى الحق و العدالة.. كأني بك تصرخين ضد الجالسين فوق .. كأني بالرعدة في أوصالك.. و كأني بالمخاوف تحيط بك و تهربين إلى هذه اللوحة و تدعين ما يختلج داخلك يأخذ أشكالا متمازجة..
كأني بك يائسة ..
و تصمتين.. و تنشغلين بسلمان و تدارين عدم حقدك على اليد التي امتدت إليك. و أحيانا تنشغلين بانجذابك إلى صاحبها. لوحتك يا عزيزتي أناك.
لعل سلمان يعاني أقل مما تعانين.. و صاحبكما في عليائه .. لقد كنت بالنسبة له نزوة انتهت و انتهى أمرها بمجرد خروجك من المصعد.. ما يحدث ينذر بكارثة. ليست القضية قضية شخص متجبر.. إنها صورة لمعيش منحل.. متهتك.. إنها تدعو إلى القلق. لم يعد في الدنيا ما يستحق العيش من أجله.. لا يسود سوى الغباء و الشر. إياك أن تتصوري لحظة واحدة أن معاليه ذكي. إنه غبي غباء بلا ضفاف.. يعتقد أن الحق بجانبه ما دامت القوة بجانبه.. و لأن القوة بجانبه فهو لا يحتاج حتى إلى تبرير سلوكه تجاه الآخرين. لكن لا عليك. فكما أن للولادة وقتا و للموت وقتا. و كما أن للبكاء وقتا و للضحك وقتا. كما أن للزرع وقتا و للجني وقتا.. كما أن للنواح وقتا و للرقص وقتا.. كما أن للقاء وقتا و للفراق وقتا.. كما أن للكلام وقتا و للصمت وقتا.. فلطغيان معاليه وقت و للجزاء وقت..
ثم يفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة و تقول :
- فضيلة هذه المعاناة أنها أنتجت هذه اللوحة الفريدة














XV

المقصف كبير.. المرايا تكسو جدرانه . تزيد من حجمه.. الأرائك الحمراء و المناضد الرخامية و المقاعد الصغيرة من القطيفة الحمراء. داني و صديقه يحدقان معا دون سابق اتفاق في فتاة تعبر القاعة و تقذف بردفيها ذات اليمين و ذات الشمال ..
يهمس داني لصديقه :
- سيظل الجمال دائما يدهشنا.. سيظل دائما يزرع الارتباك في الشيخوخة الزاحفة علينا ..
يقبل نحوها رئيس المقصف و ينزع بنفسه السدادة عن زجاجة الويسكي..
تقترب الفتاة منهما تجلس إلى مائدة قربهما. صديقها رجل في أواخر العقد الثالث.. أسود الشعر.. أبيض البشرة. يرتدي قميصا حريريا.
داني ينظر بازدراء إلى الرجل. صديقه يحدق في الفتاة. صديقه يشعر بأن المكان حوله يدور. يهمس
- ياه ..
يلقي عليه نظرة بطرف عينه.. و يبتسم ..
- ما بك يا معالي الوزير ؟
يهمس معاليه ..
- أرأيت هذه التحفة ؟
- نعم رأيت ..
- إذن سأتصرف ..
بإشارة من يده يقبل نحوه أحد حراسه.. ينحني .. يسمع ..
- قل لها إني بانتظارها ..
يقول الحارس ..
- لكن ..
يقاطعه معاليه ..
- نفذ ما قلت لك
خارج المقصف و داخل سيارة تتكدس الجماعة النادل يقول :
- قد يخرج الآن ثملا .. و قد يخرج صاحيا أو كالصاحي.. و سنعرف إلى أين يذهب..
- داخل المقصف.. ينحني الحارس على الفتاة يهمس لها ..
- معالي الوزير معجب بك ..
ترفع الفتاة نظرة إلى الرجل.. و تقول :
- مرسي
بصوت أكثر خفوتا ..
- و هو بانتظارك ..
لا تفهم الفتاة شيئا. يلاحظ صديقها الأنيق حيرتها و يتدخل ..
- يمكنك أن ترفع صوتك قليلا ..
يعتدل الحارس .. و يجيب
- هي المعنية بالأمر .. لا أنت ..
خارج المقصف. داخل السيارة.. يقول دافيدوف :
- لنفرض جدلا أنه سيذهب إلى الشقة في العمارة قرب مقهى السقيفة.. ماذا سنفعل؟
يرد حليم :
- لا شيء .. نحن فقط نتحرى.. نريد أن نعرف هل سيذهب وحيدا أم معه مرافقوه.. و هل و هل.. أفهمت ؟
يتدخل سلمان ..
- لنفرض جدلا أنه ذهب وحيدا ..
يرد دافيدوف ..
- ستسهل مهمتنا ..
داخل المقصف ..
يقول صديق الفتاة :
- ما دامت معي فأنا أيضا معني بالأمر
يجلس الحارس ..
- آسف ليس لدي ما أقوله لك ..
تظل الفتاة داخل حيرتها و لا تحير جوابا. تلتفت نحو مائدة الوزير و صديقه.. و تقول :
- بلغ معاليه اعتذاري.. و قل له إنه أخطأ التقدير..
يضحك الحارس الشخصي ..
- لا أستطيع أن أبلغ معاليه اعتذارك لأن معاليه لا يحب الاعتذارات ..
يقف الشاب الأنيق .. و يهمس بدوره للحارس :
- هذا سلوك غير حضاري.. قل لسيدك أن يحترم نفسه و مركزه ..
يبتسم الحارس الشخصي و يلتفت حوله ..
خارج المقصف. داخل السيارة. تتكدس الجماعة داخل السيارة و ترى ..
شخصان يخرجان يحملان شخصا ثالثا و يقذفان به خارج المقصف..
يقول سلمان :
- يحدث هذا أيضا في فندق من هذه الدرجة ..
يرد النادل ..
- ليسا من حراس المقصف.. إنهما من حراس معاليه.. لا شك أن مع الرجل امرأة جميلة أعجب بها معاليه.. و لا شك أن الرجل رفض أن يستولي معاليه على صديقته..
داخل المقصف .. يهمس الحارس للفتاة ..
- معاليه في انتظارك .. أرجوك أن تدركي أن ما ينتظرك يمكن أن يكون ضربا من النعيم أو ..
بعد هنيهة ..
- أنت لبيبة و بالإشارة تفهمين
تسري القشعريرة في كل جسد الفتاة ..
تكاد أنفاسها تختنق.. تنهض و تتوجه نحو معاليه.. يبتسم لها و يقول :
-اجلسي .. مرحبا ..
تجلس دون أن تبوح بكلمة ..
يصب لها كأسا ..
لا ترد. لا تستجيب للكأس الممدودة لها .. تبحث عن صوتها.. و بصوت أجش تقول :
- أنت تصيبني بالغثيان يا معالي الوزير
يظل الوزير صامتا
تتلعثم الفتاة .. و تضيف :
- أنا منذ اللحظة أجهل مصيري. لكن اعلم بأنك لن تنالني.. و اعلم أن استنجادك بهذه الفصيلة من البشر و استعراضك لعضلاتهم لن تزيدني إلا تقززا منك يا معالي ال.. ..
يتدخل داني ..
- أنت لا تعين ما تقولين ..
تتجاهله ..
- أرفض نعيمك و جحيمك لن ينال مني شيئا
يضحك معاليه ..
ثم يطرق برأسه ..
- أنت لذيذة.. و عنادك يجعلك ألذ..
خارج المقصف.. ينهض الشاب.. ينفض ثيابه . يقف أمام مدخل المقصف.. يتأهب للدخول من جديد و يتصدى له أحد حراس الوزير ..
تلاحظ الجماعة من داخل السيارة أن الرجلين يتحدثان و ترى الرجل الأنيق يحرك يديه في عصبية..
ترى الحارس يحمل الرجل و يذهب به إلى ركن قصي.. و يسدد له لكمة توقعه أرضا .
ترى الجماعة الرجل يسقط. و لا ينهض و ترى الحارس يعود إلى مدخل المقصف و يقف و كأنه ينتظر أن ينهض الرجل من جديد.
ينتفض صديق سلمان ..
- من الصعب أن يتحكم المرء في أعصابه أمام هذا المشهد.. ألا تشعرون بالغضب؟
- بلى .
يقول حليم ..
- هدفنا يتطلب أن نتخلى عن عواطفنا الآن..
- صبرك يا رجل
يقول سلمان
- صحيح أننا نعيش في غابة .
يقول :
- مسكينة المرأة التي من أجلها قذف بالرجل خارج المقصف..شيء يغلي داخل السيارة و إذا استمر يغلي فعلى الخطة السلام ..
داخل المقصف يقول داني ..
- أنا معجب بك أيتها الجميلة ..
دون أن تنظر إليه ترد :
- قل لوزيرك إني لا أخشى سلطته. قل له إنه ضعيف لأنه يعتمد على زبانيته و نفوذه.. قل له إنه لا يفهم قيد أنملة في الحياة.. قل له إنه متسلط. عبد لنزواته.. قل له إنه شخص تحركه أنانيته و تحوله إلى ذئب لا يستطيع غير مهاجمة الحملان.. قل له إن وجود أمثاله يعزى إلى الجهل السائد في هذه البلاد و فساد الجهاز الذي ينتمي إليه.. قل له إنه أصغر من أن يضبط نفسه.. إنه يسمح لنفسه أن يحقق ما يحلم به في منامه, لذا فالجانب الحيواني فيه لا ينام .
ثم تصمت.. ينظر الرجلان إلى بعضهما البعض.. تختفي ابتسامة معاليه بينما يطلق داني ضحكة عالية .تقاطع ضحكته..
- ثم قل لي أنت.. لم يفضل صحبتك على صحبة غيرك ؟ لأنك غريب شئت أم أبيت.. و لا خطر منك يهدده.. فأنت لا تناقشه و لا تزاحمه و لا تمتعض حتى من سلوكه لأن الأمر لا يعنيك ..
ثم تصمت الفتاة ..
خارج المقصف تراقب الجماعة الرجل الممدد في الزاوية.. تنتظر.. و لا تدري ماذا تنتظر.



































XVI

تقف خديجة قرب النافذة تنظر إلى الأشجار تؤرجح الريح أعاليها.. تقترب منها زينب.
- ألا نذهب إلى السقيفة لرؤية يزيد..
تلقي عليها نظرة عجلى.. و تحرك رأسها بالإيجاب
يجلس يزيد قرب الواجهة الزجاجية. باسما ينظر إلى الريح تداعب رؤوس الأشجار.. تقول زينب..
- دعيني أتعرف عليه بمفردي و اختبري فراستي..
تجول ببصرها عبر المقهى .. ترى رجلا نحيلا رشيقا و تقرأ نظرته إلى فعل الريح في الأشجار.. و تشير نحوه بإصبعها ..
- هو ..
تومئ خديجة برأسها و تزحفان نحوه.. تلاحظ أن مقهى السقيفة نظيف و واسع و أن بلاطه براق وطلاء الموائد لامع. و تحاول أن تصف الرجل فتدرك إدراكا زئبقيا أن ملامحه و سحنته تتملص منها.. فقط تستطيع أن تحاول تحديد عمره في الأربعين.. على أبعد تقدير ..
يصافحها باسما.. و يقول:
-اخرجي من محاولة رسم صورة لي في ذهنك في الحياة . ما هو أهم
و تجلس خديجة. بعدها تجلس زينب. ثم يجلس هو و بحركة تكاد تكون خفية يشير للنادل بالقدوم إليه
في الخارج يبدأ مطر خفيف في تبليل الإسفلت . من الخارج يبدو الإسفلت لزجا. و يزيد يبدو لزينب رجلا يمتلك من الهدوء و رباطة الجأش ما قد يحسده عليه الكثيرون.. و تشعر برغبة في تأبط ذراعه و السير معه تحت المطر.. تبتسم لهذه الصورة.. و في هذه اللحظة يأتي النادل و يملأ المائدة بطلباتهم..
و يشرع الثلاثة في الحديث.. و بين الفينة والأخرى يسود الصمت لدقائق..
تتحدث زينب عن عودة سلمان إلى البيت متأخرا في الليلة الماضية.. و تذكر أنها لاحظته يفقد شيئا من هدوئه المعتاد.. و لاحظته أحيانا يحدث نفسه. طبعا لم تسمع ما كان يقول, و لكن شفتيه كانتا تتحركان. لاحظت أنه أمام التلفزيون, قام أحيانا بحركات عصبية من يده..
و تكرر خديجة حديثا أصبح مألوفا لدى يزيد ..
و يزيد ينصت.. و في ذات الوقت تهطل عليه صور متتالية متحركة لمجموعة من الرجال يتزاحمون داخل سيارة أمام فندق كبير و ينتظرون دون أن يعلموا ماذا ينتظرون.. و لم ينتظرون. يبدون له مجرد هواة تأثروا بما يرون في الأشرطة و يعتقدون أن قبوعهم داخل سيارة في الظلام سيهديهم إلى حل..
تسر إليه خديجة بشكها في كون الزوج يدبر أمرا. تؤيدها زينب. تؤكد المرأتان أن الرجل غير متعود على مثل هذه المناورات, لذلك, فهو كالصب تفضحه عيونه..
يرد يزيد بابتسامة على هذا التخمين الذي يراه صحيحا. و يمتزج تخمين المرأتين بالصور التي تتوالى عليه. المجموعة, تترقب أن ينهض رجل اعتدى عليه أحد حراس معالي الوزير.. لا شك أن الرجل مغمى عليه.. و لا شك أنه سينهض بعد أن يعود إلى وعيه.
تبدو له الجماعة و قد تعبت من الانتظار.. يقترح عليهم أحدهم أن ينصرفوا إذ لا يرجى من هذا الترصد غير وجع القلب. و قد يفقد أحدهم أعصابه و تنكشف الخطة.
كل ما يقوله يزيد أن لا أحد سيصيب معاليه بسوء لسبب بسيط هو أنه نفسه قد فعل ذلك.. لقد عاقب نفسه بنفسه و انتهى الأمر. ما سنرى لاحقا هو تجسيد للعقاب فقط.. ستكبر وحدته. هو الآن وحيد. لا أصدقاء له.. قد يفضي بما في دواخله لشخص ما إذ لا مفر من الإفضاء.. لذلك اختار شخصا لا مصلحة له إطلاقا في استعمال أسراره ضده. إضافة إلى كون هذا الصديق يؤنبه دوما بالقول و يبارك أفعاله. و كأنه بذلك يشهد له بأن ما عليه حساب و لا عقاب.
و هو محتاج لسماع ذلك. لذلك يدع صاحبه يقول ما يشاء و يظل هو يفعل ما يشاء.. يمارس حريته بكل حرية إلى حد التطرف.. و لا من يقول له إن ذلك أفظع أنواع الطغيان..
ثم يتنهد .. و يضيف :
- لعله قدره .
يستمر الحديث,. يتوقف المطر في الخارج. تشعر زينب أنها أمام شخص حشر خطأ في هذا المكان. يشرب شايه بتأن. تشربان قهوتهما.. و تأتي لحظة الفراق.
تودعان الرجل ..
-بدا لي في البداية شحيحا في القول كقطرات الدواء
تقول زينب. و تضيف :
-إنه شخص بعيد عن الامتلاء بالذات. صافي الذهن. هادئ الأعصاب. لعله بعيش بالعمق.. أتذكرين ما قال عنك.. المرأة التي ترسم هي حتما فوق الشبهات.. ياه كم كان مصيبا حين قال ابحثا عن القذارة حيث لا يوجد الفن..
- و نبوءاته ؟ ما رأيك في نبوءاته ؟
ترد وينب :
- لست أدري لماذا يخامرني إحساس بأننا قريبا سنسمع عن معالي الوزير.. و أن هذا الخبز الملوث الذي يأكل منه سيتوقف يوما في حلقومه.. و .. هات يا تأبين و هات يا قصائد رثاء.. ستسمع روحه حماقات ردد مثلها كثيرا في حفلات تأبين أمثاله.
- أتظنين أن أمثاله موجودون ؟
تضحك زينب .. و أنت أتعتقدين أنه عملة نادرة ؟












































XVII

الليلة مظلمة و أنت تجثو على ركبتيك و لا تدري لماذا. تغرق في تفكير عميق و لعلك لا تدري لماذا. تقف. تمشي من الردهة إلى الصالون. تحملق في رف كتب لم تفتح منها كتابا واحد قط. تتحسس حاشية المكتبة. و تشرد. تشرد. الشرود إحساس جديد عليك. تذهب إلى غرفة النوم. الغرفة فارغة. يسودها جو رهيب. لأول مرة تصاب بذهول.. تحشر يديك في جيب بنطالك ثم تخرجهما معا. هذه العتمة تلفك. كأنك تتألم. لا شك أن فتاة المقصف صعقتك بشدة. ذهبت إلى أبعد من الرفض.
قالت لك ..
- انظر إلى نفسك في المرآة و تأكد من أنك بعيد كل البعد عن أن تكون فتى أحلام أي غانية من غواني الليل اللواتي يبعن لحظاتهن لمن يدفع..
تقف كتمثال تشعر بأنك لا تصلح لشيء .. تشعر بأنك لم تصلح لشيء قط.. تزحف نحو النافذة. يبدو لك زجاجها أكثر شحوبا منك, تتأمل أغصان أشجار الشارع ويتبادر إلى ذهنك أنها عارية من الأوراق.. تراك تشبهها.
و تصطدم نظرتك بنظرتك كليلة فاترة خشنة .
ها هي ملامحك تتدلى. و ها هو ألم لم تعهده يطل من عينيك. لم تتصور يوما أنك ستسمع خطابا كهذا الذي سمعت أمس. هل ما قالته لك حقيقة. فهل كنت أعمى و لم تلاحظ نفسك أم أن الابتسامات التي ظلت تحيط بك أعمت منك البصر و البصيرة؟. لقد تركتك ترتعد من أعلاك إلى أدناك. أصابتك بالمرارة. بالحنق على نفسك. لماذا تتألم ؟ أ لأنك أهنت في عز سطوتك أم لأن ما قالته تلك الفتاة عراك و كشف لك عن حقيقة كنت تتجاهلها.. نجحت دائما في فرض تفاهاتك على الآخرين إلا عليها.. اعتبرت الجميع خدما لك و ظللت تفعل ما شئت إلى أن جاءت هي. و كأن قدرها قادها إليك
و كأن قدرك رماها في طريقك لتحدث فيك رجة..
تتقدم مرة أخرى نحو المرآة الكبيرة و تنظر إلى نفسك بغير قليل من الاحتقار. ثم تخيفك صورتك . تهرع إلى النافذة. تطل على الشارع فترى سحبا أقرب إلى بقع سوداء تحوم حول النجوم..
أينك أيها الرجل ! أين هيبتك و أنت تتنقل بين نظرائك و موظفيك.. أين مجدك الذي بنيته من التصفيقات و الأضواء و العناوين الكبيرة في الجرائد ؟ أين الصمت الذي يسود و أنت تعتلي المنابر و أين الضحكات التي تلي دعاباتك.
ياه !.. لماذا ترتجف يداك و لماذا تشعر اللحظة فقط أن فمك يميل إلى الجانب الأيمن؟ .. فجأة تكتشف أن وجهك حافل بالتجاعيد..
كل هذا من فعل فتاة هددتك بأن تفضح أمرك في الخارج قبل الداخل.. أتذكر ما قالته لك و أنت تواصل دعاباتك و تداري غضبك؟ أتذكر نبرتها وهي تخفض صوتها و تلقي إليك بالكلمة تلو أختها في إيقاع بطيء و تفضي لك بمخاوفك من الفضيحة خاصة إذا انتشرت في الخارج و منه ؟ أتذكر ضحكتها و هي تقول لك إن أمثالك لا يخيفهم هذا البلد المدجن حتى النخاع ؟
أتذكر عندما نهضت من أمامك و همت بالانصراف قائلة :
- إذا منعتني من الذهاب الآن فأنت فعلا رجل ضيق الأفق
- قلت في نفسك ساعتها أن هذه المرأة لا يمكن أن تكون من الغوغاء .. لا شك أن ظهرها محمي … و أن حمايتها قوية ..
ثم أضافت :
- في صالحك أن لا يصاب صديقي بمكروه و إلا فهيئ نفسك لجزاء لم يخطر لك يوما على بال..
و ألقت بابتسامة أقسى من شتيمة. و خرجت.. لم يكن في عقلك ساعتها سوى قولها ينهبه نهبا.. لم تحرك ساكنا..
كل ذلك و صديقك داني يحتفظ بصمت مريب.. صمت صادق مع ذلك.. فالأمر لم يكن يهمه من قريب أو من بعيد..
ذهبت. و شعرت بأنك ضليع في الغباء.. لم يساورك قط إحساس كهذا. تصرفك أمس كان غير تصرفك المعتاد.. من قبل لم يكن حديث من هذا النوع ليحرك شعرة واحدة فيك.. و لم يكن سلوك كهذا ليثنيك عن عزمك..
فماذا حدث ؟
أهي بداية التحول ؟.. لكن شيئا مثل هذا لم يحدث قط من قبل ..
كانت مجادلتك تدخل في باب العبث.. كنت تقول و يوافق الآخرون .. و الآن ؟..ثم خرجت تجر قدميك جرا و تحني رأسك كلاعب مهزوم لا يجرؤ على رفع بصره نحو الجمهور ..
خرجت دون أن تعلم إلى أين أنت ذاهب .. فقدت بوصلتك.. سائقك هو الذي بادر هذه المرة و جاء بك إلى شقتك في شارع الحسن الثاني.. صرفت حراسك.. حتى اللحظة لا تذكر هل ودعت داني أم أنك انصرفت دون أن تلتفت إليه..
تحملق في السقف هذه المرة.. تبحث في جيبك عن منديل فلا تجده.. تستسلم للحظة و تشعر بتعب لذيذ..
ياه ! ..
تجلس.. تشعر بحلقك يجف دون أن تحاول الكلام.. تشعر بالرأس يتأرجح.. تحاول أن تخفي حالتك عنك.. تشعر بالرغبة في التقيؤ .. تتجشأ .. تشعر بغصة .. تبدأ جفونك في الخفقان.. و تعتريك رغبة في الصراخ إلا أن لسعا كلسع البعوض ينتشر في دماغك. و ترى صورة الفتاة أمامك
ترى عينيها تشعان ذكاء و سخرية.. و تتهدل بكاملك .





































XVIII
تتذكر كيف عرفت معاليه و يعتريك شعور يشبه الخواء.. كنت مدعوا لمهرجان للفيلم. و حضرت .. لاحظت الزرابي المبثوثة في مدخل القاعة. لاحظت الورود تحرس المنصة.. و أدركت أن حفل الافتتاح رسمي. و أن مسؤولا ساميا سيترأسه..
و جاء معاليه ..
صحيح أن معاليه وزير لكن السينما لا تدخل في خانته و مع ذلك جاء,, لا بل مع ذلك سيترأس افتتاح مهرجان فني.. و قلت لا بأس..
أخذ الكلمة و اعتقدت أنه سيدخل في العموميات وأنه سيتمنى النجاح للتظاهرة و ينتهي الأمر,, إلا أن الرجل في كلمته أهل نفسه للحكم على السينما. و لاحظت أنه يمزج بين الإنتاج والكتابة وبين السيناريو و الإخراج و يتلفظ بكلمة منتج بينما مضمون حديثه يصب في اختصاص المخرج. لاحظت أنه يعتقد أن الممثل مخرج, و أن المؤلف منتج.
كانت القاعة تغص بابتسامات مكبوتة
و عندما أنهى قوله و أنهى اللقاء التقيت به في حفل الشاي الذي نظم بالمناسبة.. ثمة رأيته عن قرب تبادلتما الحديث.. و ارتاح إليك.. و اختارك صديقا..
و منذ ذلك اليوم و أنتما صديقان ..تعرفه مزاجيا.. قراقوشيا.. متعاليا.. مستبدا وتعرفه متواضعا حتى البساطة. خدوما. كريما. عاطفيا لدرجة أن دمعته قريبة جدا. جدا.
الرجل جواد رغم كونه يبادر إلى الإساءة. الأقوال تتضارب حوله. هناك من يعتبره ماردا رجيما و هناك من يرى فيه رحيما متخلقا..
دائما تقول له ..
- يجب أن تعيد النظر في سلوكك فعدد من يحبونك قليل ..
و دائما يرد :
- إذا أعدت النظر في سلوكي فسأفقدني.. أنا أحبني هكذا. لي نزوات . و أحبها هذه النزوات..
أحيانا يردد ..
-لأفعل ما أشاء ولأدع الناس يقولون ما يشاءون..
أحيانا أخرى يقول :
- إن الإنسان بطبعه شرير. و أنا لست شريرا دائما.. أحيانا أكون بالغ الطيبوبة حتى مع من لا يستحقون نعمة البقاء..
عندما لمته عن حركاته الفارغة من أي حس إنساني في المصعد. قال :
- إني أمارس ذلك على فصيلة من البشر لولا الخوف لتحولت إلى ذئاب كاسرة. إياك أن تخطئ يا داني إنهم أنذل من النذالة.
طبعا لم تتفق معه قط. لكنه يسليك. يرضي فيك شيئا دفينا. أحيانا تجد نفسك معجبا به لسبب بسيط هو أنه يقوم بما لا تسمح لك تربيتك بالقيام به..
و أمس رأيته متخاذلا.. تصورت في البدء أنه ضبط نفسه مع تلك الفتاة و كدت تعجب بقدرته على الصمت لكنك أدركت أن الرجل كان أضعف من أن يجيب. حاولت أن تستعرض ما قالته تلك الفتاة لربما استطاعت دون أن تعلم أن تضع يدها على مكمن الداء فيه.
عبثا ..
كثير ما ضاحكته قائلا :
- لست أدري لم لا أستطيع أن أكبح رأيي فيك..
و أخشى أن يأتي يوم تجبرني فيه على قطع شراييني.. إذا فعلتها يوما فلا تحرق المدينة..
- كان يكتفي بإطلاق ضحكة مجلجلة.
و أمس لم يضحك.. أمس. قد يكون أدرك أن في هذا البلد أناسا يؤمنون بأنهم لم يخلقوا ليجروا عربة معاليه.. قد يكون أدرك أن المرأة قي مقدمة هؤلاء..
و أمس جاءت امرأة و كشفت له عن سوءته.. لم تقل له ما شئت لا ما شاءت الأقدار.. لم تصمت.. عندما رأيتها تبحث بعينيها عن صديقها و عندما رأيتها تهرع إليه و هو مكوم أسفل جدار, و تنحني عليه و تسعى لإعادته إلى وعيه أعجبت بها و قلت في نفسك..
- لعل الخلاص سيأتي من المرأة ..
أمس أمرك صديقك معالي الوزير أن تدعه لوحدته.. و أمر حراسه الغلاظ الشداد أن يفرنقعوا ففعلوا. و فعلت.
تدخل شقتك . تفتح التلفزيون. تصادف مسرحية لا تعرف عنوانها و تحاول أن تشاهدها. تجدها تافهة كالمعتاد. و مع ذلك تقول في نفسك.. تحملها يا داني.. تتحملها و أنت تعي تماما أن من يتحركون أمامك لم يمارسوا المسرح إلا لأنهم عجزوا عن الاشتغال بأي عمل آخر, تماما كما يفعل صديقك في مجال السياسة.. لأنك تؤمن إيمانا عميقا بأن صديقك ليس سياسيا إنه يسمي نفسه سياسيا من باب التبجح..
تضحك لفكرة تراودك الآن. المتبجح لا يجد مكانا إلا بين المتبجحين, تعجبك الصفة فتأتيك صفة أخرى. تافه و التافه لا مكان له إلا وسط التافهين. دساس. و الدساس لا مكان له إلا وسط الدساسين..
هذا البلد الذي أحببت يا داني تعترف لنفسك بأنه ساقط بين أيدي عصابات تكن لها كثيرا من البغض قليلا من التفهم .. تجد أعظمهم يمارسون الابتذال و ينتهزون الفرص لإلقاء دروس في الأخلاق..
داني .. هل رأيت حجم خيبة أملك ؟
تطفئ جهاز التلفزيون و جالسا تغط في نوم عميق.















XIX

تفرق أصدقاؤك. النادل و الزميل إلى بيتيهما وحليم ودافيدوف إلى غرفتيهما بالفندق و أنت تتمهل مترددا على مدخل هذه الحانة الجديدة. تعجز عن قراءة اسمها في هذا الليل البهيم... تدفع الباب بقدمك و تغوص في علبة ضوء. تضع كفيك على عينيك, ثم تزيحهما فترى المرأة تحدق فيك ويموج على فمها المصبوغ مشروع ضحكة.. تشجعك على الاقتراب منها.. فترى خديجة.. تغمض عينيك لبرهة, محاولا أن تبعد وجهها.. أمامها تحمل القدح و تنتظر.. ماذا تنتظر ؟
سؤالك يظل بدون جواب.. المرأة أمامك ميدان أليف مل الوداعة .. تحدق فيك .. تقول لك :
- أنت مهموم .
تتمسك بصمتك.. و تدرك هي بحدس الأنثى أنك لا ترغب في الكلام. تقضم ظفر إبهامها..تبلله بلسانها. في الخارج صقيع من نوع جديد . صمت يعزلك عن العالم و مشروع أرق لم تعد نفسك له..
تنتظر المرأة أن تصب القدح في جوفك تتأمل القدح..و لا تدري كيف تتأرجح الكأس و تسقط عن حافة الفاصل الخشبي و تتحطم على البلاط..
لا يبدو على المرأة اندهاش.. تنظر إليك دون عتاب, بل تنظر إليك بنوع من التعاطف.تقول لك :
-لا شك أن حملك ثقيل.. أنت إما عاشق منبوذ أو مواطن مظلوم. وحدهما العشق العقيم و الظلم ينتجان هذا النوع من السلوك..
تبدو لك دون مساحيق. تراها جميلة.دافئة وتستحق أن تفضي لها بأحزانك..
تبتعد منك إلى زبون آخر. تسقيه ثم تعود إليك.. تقترب منك و تلفح أنفاسها رقبتك في تلك الليلة الباردة.. و تقول :
- أفض ..
تتمسك بصمتك رغم رغبتك في الإفضاء .. تشجعك بنظرتها على البوح ..
- قل ..
تتحرك شفتاك.. تملأ كأسا جديدة, و تأتي بقطعة ثلج. بحركة متعبة من يدك تطلب منها أن تبعد قطعة الثلج..
و تقول :
- أنا جبان!
تنتظر أثر هذا الاعتراف على سحنتها ..
تنظر إليك من جديد. كل نظرة منها تختلف عن سابقتها..
- أين هي المشكلة ؟ من في هذا الكون ليس جبانا ؟ التفت حولك. كل هؤلاء الرواد يحتمون هنا من جبنهم.
يسري في قدميك ارتخاء. و تلقي نظرة في حركة دائرية تمسح الطاولات و القناني و السقف المزخرف و واجهة الزجاج و المرآة و الكؤوس والرواد.
تحدق في الكأس الثانية, و في تذكرة السعر. تضع النقود على الفاصل الخشبي. و تسحب جسدك نحو الخارج. يستقبلك ضوء المدينة الفاجر. تنزلق قي شارع صغير مظلم.
في الطريق إلى بيتك تتوقف في ساحة فارغة وتنظر حولك.. لا تدري لم يأتيك في هذا المكان بالذات صوت دافيدوف من داخل السيارة :
- الآن أدركت أننا هواة.. نتصور أننا سنحقق إنجازا بقبوعنا هنا أمام الفندق. ما نصبو إليه أكبر منا.. الرجل يجب أن يختطف اختطافا والاختطاف عملية لا يمكن أن يقوم بها مثاليون مثلنا. إنها تتطلب محترفين يقومون بعملهم دون تشنج.. نحن لن نفلح لا في التخطيط و لا في التنفيذ.. إما أن نبحث عن محترفين و إما أن نغامر ونهاجم الرجل أمام الملأ و ليكن ساعتها ما يكون.
يعود إليك صوت حليم ..
- لقد تعبنا الآن.. فلنذهب. و لنسترح.. وسنلتقي غدا لنناقش الأمر في هدوء و دون انفعال..
- تحرك قدميك و تزحف ببطء شديد نحو بيتك. لا شك أن خديجة و زينب تنتظران عودتك بوجل.. لا شك أنهما الآن دخلتا في تصور كل الاحتمالات..
ما معنى أن يخرج رجل من البيت مساء و لا يعود حتى مطلع الفجر .
في البيت كانت خديجة تنتظر عودتك.. تهمس وهي تراك..
- الحمد لله على سلامتك ..
و تندس في الفراش و تطبق أجفانها ..
تتنهد بارتياح. هي. لا أنت. تتوجه نحو المرآة وترى أثر ظلال أرق الليالي الماضية في عينيك الضيقتين. تزم شفتيك.. تتفرج على نفسك. و تراك منهارا. تراك مقبلا على مغامرة كنت تريد أن تقودها فإذا بها تقودك.
أنت في بيتك و تشعر بأنك في منفى صقيعي. والضباب يلفك.. تمد يدك إلى الأمام.. تبحث عن شيء تتكئ عليه.

























XX


أنت الآن في اليوم السابع من زيارتك لخديجة. لن يكون هناك يوم ثامن. ستعودين إلى بيتك. المدينة تتدثر بالضباب و تفقد الدفء.. لذلك قضيت معظم أوقاتك أنت و خديجة بين الجدران. أشجار المدينة المتناثرة تشي بهبوب الريح وبطبيعة متوترة. أحيانا تطمئنين و أحيانا تفقدين اطمئنانك . سلمان يحتفظ بصمت تجدينه أحيانا مريبا و أحيانا تردينه إلى طبيعته المقلة من الكلام.
ستخرج خديجة من أزمتها و يخامرك إحساس بأن الفرج آت.. حتى دخول سلمان متأخرا إلى البيت في الأيام الأولى من زيارتك اختفى..
كل شيء أصبح هادئا تقريبا.. حتى الصخب الذي تشعرين به يتفاعل داخل الأسرة الصغيرة. حتى الحديث عن معالي الوزير بدأ يتلاشى من جلساتك مع صديقتك.. تلاحظين أن ظهوره شبه اليومي في نشرات الأخبار قد فتر و أن الحديث عنه في الراديو بدوره قد قل.
انطباع يزحف إليك بالتدريج و يقول لك لعل هذه الحكاية اقتربت من نهايتها..
تقررين في يومك السابع أن تزوري السقيفة لتودعي يزيد ..
رغم الضباب و رغم البرد كان هناك , رأيته تائها في سكونه الشفاف.. قالت لك خديجة ..
- أ رأيت كم هو جميل ! ؟
ألوان ستائر المقهى الخضراء تكاد تنعكس على شروده.. لكنه يقف كعادته و يصافحكما.. تتحدثون عن البرد و الضباب.. و السحب و المطر المرتقب.. يرشقكما بنظرات تحثكما على الدخول في موضوع الزيارة.. يوزع عليكما ابتسامة مشجعة, يرفع فنجان القهوة إلى شفتيه.. و يقول :
-أنا سأبدأ هذه المرة.. يبدو لي أن السيد عامر قد دخل مرحلة الجزاء..
لا تفهمان ..
يقرأ ذلك في أعينكما ..
- ألم تلاحظا غيابه عن ساحة الأخبار و التدشينات و الأحجار الأساسية !
بلى .. برأسيكما أجبتما معا
هادئا ..
- إنه يمهل و لا يهمل.. و يبدو أن الكيل طفح.. كل من يعدون العدة للانتقام سيرتاحون الآن.
كنتما تطلبان المزيد من التوضيحات .. إلا أنه قال
- هذا كل ما عندي.. و ستكتشف الأيام القليلة الآتية أمره..
تتقززين من الضباب الذي يرتفع من البحر ويلف المدينة.. و من الصقيع الذي لم تتعوده أزقتها.. وتتلهفين لمعرفة المزيد عن عامر..
تعودين إلى البيت مع خديجة و تجدان سلمان باسما أكثر من العادة.. على أهبة الضحك من أجل لا شيء تلاحظين انفتاحا غير معتاد لديه. إنه يمزح.. و يروي نكتة. و تقولين لها عندما يخرج هو إلى الفناء لغرض ما ..
- إنه يعرف شيئا عن الرجل ..
تهمس هي
- نبوءة يزيد ..
تلقين نظرة على الشارع عبر نافذة الصالون تلمحين غيمة بنفسجية.. يعتريك إحساس برفض أن يعلن عن نفسه..
تمر الغيمة و تطل شمس خجولة.. تبتسم لك أشعتها. تبتسمين للأشعة..
- أتبتسمين لشيء ما راج ببالك ؟
سؤال تطرحه عليك خديجة ..
- للشمس ..
تجاري صديقتك ابتسامتك.. تقتربين من النافذة فيتساقط الشعاع الخجول على وجنتيك و شعرك.. تقتربين فيزحف على صدرك و قميصك..
ترين عبر النافذة المارة يختارون جهة الطريق التي تسقط عليها الأشعة. يعود إليك انشراح سلمان.. تخطر ببالك أنه الليلة سيستعيد إيقاعا اختفى من حياته مع خديجة..
تقولين لخديجة
-الليلة سيعود إليك سلمان القديم .. سلمان ما قبل حكاية المصعد ..
تشرعين في لم أشيائك متأهبة للمغادرة.. تساعدك خديجة.. تودعين سلمان. و تنزلان معا إلى الشارع..
ترين الشارع حلبة رقص و المارة سعداء يتمايلون على نغمة جديدة..
و في بيتك هذه المرة تتمددين و تراقبين انهزام الضوء و تكاثف العتمة و تشعرين بنسيم لم يخلق من قبل يغمر غرفتك.. تندفع إلى أنفك روائح بساتين التفاح التي تعودت على رؤيتها و على شمها منذ أن جئت هذه المدينة إلا أن روائح الليلة تحفل بطعم خاص. و تشعرين بتعب لذيذ.
فجأة يشق العتمة وجه يزيد .. و يقول لك ..
-جئت من أجلك يا زينب .
يتفجر لحظتها شيء فيك و تنهضين و تشرعين في الرقص. تدعين جسدك الرشيق يتمايل على نغمة لا يسمعها أحد سواك. و في كل انثناءة يلاحقك وجهه.. تلاحقك بسمته.. و تصابين بنوبة أقرب إلى الإغماء. فتتمددين من جديد باسمة..
تفتحين عينيك و تتسللين على رؤوس أصابع قدميك إلى الخارج. ضوء الفجر الرمادي يحييك.. تمنحين وجهك لهواء الصبح و تلتفتين إلى فراشك. تنظرين إليه بحنان جديد. و تذهبين إلى المزهرية القرمزية, تعيدين ترتيب أزهارها.. ثم إلى جهاز التسجيل تطلقين لحنا و تهيمين به.. و.. يغمرك دفء جميل..
و تتنهدين ..









XXI

لعل المرء يحدث له بعض مخبآت الدهور ما لا يخطر على بال و لا تدركه العقول, خاصة إذا لم يعمل لآخرته عمل لما يموت غدا.. لعل المرء يهتضم عرضه و يهتم قلبه و يأذن بالوهن..
لعله يجهل أنه في دار الآفات و الجوائح غير مأمونات. لعله ينسي أن للنفوذ نزوة و للسلطان سكرا وسكر السلطان أشد من سكر الخمر..
لندع قول القدماء .. و لنتابع الرواية.
آمن الرجل أن الحكمة التي تهوي من السماء إلى القلوب قد أخطأته و أخطأته لأن في قلبه خصلة من خصال أربع .. الركون إلى الدنيا . وهو ركن إلى الدنيا .
يقرأ ذلك في كتاب قديم ويهبط الدمع مدرارا
يهبط الدمع .. الدمع فقط .
تأتيه رسالة .. ترتعش يده اليسرى و هي تتسلمها من مساعدته. يرفع نحوها بصرا هو كالبصر.. تفهم مراده و تفض الرسالة. تفردها أمامه فيتابع سطورها..
يقرأ فيها حكاية داوود ..
ما له داوود ؟
تقول الرسالة ..
كان داوود يسيح في الجبال. مر على غار فرأى رجلا عظيم الخلقة..
بعد هذه المقدمة يقرأ عبارة كتبت بحروف بارزة حمراء. و أنت لم تكن عظيم الخلقة..
و يتابع ..
الرجل العظيم الخلقة ملقى على ظهره و على رأسه حجر كتب عليه .. أنا دوسم الملك. تملكت ألف عام وفتحت ألف مدينة و هزمت ألف جيش و فضضت ألف بكر من بنات الملوك ثم صرت إلى ما ترى .. التراب فراشي و الحجر وسادي فمن رآني فلا تغرنه الدنيا كما غرتني..
في أسفل الرسالة عبارة كتبت بحروف بارزة حمراء .. ما أن أدركها بصره حتى أخرج صوتا غاضبا .. و رمى الرسالة جانبا ..
فهمت مساعدته أنه يريد أن يغير المكان فدفعت الكرسي المتحرك إلى الصالون..
نظر إلى جهاز التلفزيون.. فأدركت أنه يريد أن يشاهد.. رأى الأخبار و هو عنها غائب .. النساء تزغرد و الأيادي تصفق و مقص التشييد يقص الشريط الملون.. وهو غائب ..
فأطلق زئيرا فأطفأت الخادمة جهاز التلفزيون
و أن ..
الخادمة كالآلة. تطيع صامتة, تعطيه ما يرغب فيه. ترفع ما يرغب عنه. تدفع الكرسي المتحرك حين يطلب ذلك. تدفعه عند ما يهز رأسه بطريقة لا يدرك معناها أحد سواها. لا تتهاون في أداء واجبها.
في آخر الخريف. كان قرب النافذة ينظر إلى الشارع من خلف ستائر اختارها بنفسه قاتمة.. كما اختار لغرفته تلك أن تطلى جدرانها بلون الضباب.
تتساءل الخادمة.. "ترى ماذا يدور بخلده الآن ؟"
يحرك رأسه يسارا فتركض إليه و تسحب الكرسي من قرب النافذة.. ينظر إلى المكتبة فتقربه منها. يمد يسراه التي تتحرك بالكاد و يشير إبهامها إلى أحد الكتب. تضع الكتاب على ركبتيه.. تفتحه .. ترى أنه لا يقرأ و إنما يحاول أن يشم رائحة الورق..
تنظر إليه ذاهلة, ها هي معرفتها تضيق عن فهمه. هكذا تقضي يومها معه..
قالوا لها يوم تقدمت لخدمته ..
- أنت المسؤولة عنه.. حاولي بخبرتك و فطنتك وقدراتك أن تفهميه.. لا نريد أن نعرف شيئا. كل حاجاتك نلبيها. يكفي أن تطلبي.
قال لها أحدهم خمنت أنه قريب له :
- كان الله في عونك. كان صعب المراس و هو معافى . و هو على هذه الحال قد يصبح التعامل معه مستحيلا.
و منذ ذلك اليوم و هي ترعاه..
لقد تحولت كل حروفه ألفا ممدودة قد تطول أو نقصر حسب الحاجة..
الذين يأتون لزيارته يكتفون بتقبيل جبهته و توجيه ابتسامة تعاطف و سؤال يرد عنه برفة رمش ويذهبون.
عددهم يتناقص مع مرور الأيام..
لا تعرف ما حدث له. و كيف أصبح هكذا. كل ما تعرف أن طبيبا اشتغلت معه طويلا عرض عليها أن ترعاه بأكثر من ضعف الأجر الذي كانت تتقاضاه.
فقبلت
أحيانا يتوصل برسالة, ما إن يقرأها حتى يرميها جانبا, و لم تكلف نفسها قراءة الرسالة. بحدسها تعلم أنها رسالة تشف. و هي تعلم أن رجلا مثله لا بد أن يكون له أعداء و تؤمن أن على من يرفض معاداة الناس له أن يبتعد عن الأضواء والمناصب..
كانت تنتظر منه أن يطلب منها أن تقرأ له شيـئا فصوتها جميل و عذب و مريح و كم أحبه المرضى, لكن الرجل لم يجعل قط من القراءة هما. أو لعله لم يخرج بعد من التحسر الصامت وجوبا على وضعه.. و ستأتي القراءة في مرحلة لاحقة, أي عندما يقبل وضعه و يسلم بالمكتوب..
















XXII

تحكي المساعدة, تقول :
-زاد همي يوما و كادت نفسي أن تزهق و ضاقت علي الأرض بما رحبت, فاقتربت من معاليه سابقا و قلت له :
- أنا كئيبة اليوم.. سأدعك هنا للحظة و أخرج لأروح عن نفسي ثم أعود إليك..
نظر إلي معاليه سابقا بعين مكسورة و تمتم بألفه الممدودة الاعتيادية و أدركت من ذبذباتها أنه بدوره يرغب في الخروج معي للترويح عن النفس..
قلت في نفسي ..
-و لم لا ؟
فخرجت به في الشارع فإذا بي ألاحظ أساريره تنفتح و قرأت في نظرته تعرفه على الأمكنة..
أطلق ألفا ممدودة مرحة هذه المرة.. و أعطى مشروع إشارة للسير في شارع الحسن الثاني, فقلت في نفسي لا شك أنه يحب هذا الشارع كثيرا. سرنا في الشارع و هو يحاول أن يلتفت يمينا فلا يستطيع و يحاول يسارا فينجح بالكاد في نصف التفاتة ..
مررنا من أمام مقهى يدعى السقيفة.. أثارني شخص ينظر إليه نظرة لا تتفحصه بقدر ما تسائله.. أثارني أكثر رد فعل معاليه سابقا.. فجأة امتقع لونه و صدرت عنه ألف ممدودة تأمرني بالإسراع..
فأسرعت ..
ثم بالتوقف. فتوقفت.
أمام عمارة شاهقة زجاجية.. توقفت.. أردت أن أتابع فانطلقت الألف الممدودة تأمرني بالتوقف. وبحركة محدودة من يسراه أبلغني أنه يريد دخول العمارة. فدخلنا..
أبلغني أنه يريد دخول المصعد فاتجهت به نحوه.. سرت في مدخل العمارة همهمة. أصبحت النظرات تتوقف عليه برهة..
مرارا سمعت :
- اللي ما خرج من الدنيا ما خرج من عقايبها
و مرارا رأيت الأصابع تشير إليه
أكيد أنهم تذكروه ..
زحفت به نحو المصعد.. كان هناك رجل وامرأة.. بدا عليهما أنهما تعرفا عليه. لكنهما تجاهلاه. لم تبدر منهما ابتسامة أو نظرة تعاطف..
صدرت عنه ألف ممدودة أخرى تطلب مني أن أدفع الكرسي إلى الأمام ففعلت.. و صدرت أخرى تطلب المزيد ففعلت..
و أخرى تطلب المزيد ففعلت..
ألف ممدودة أخرى و أصدم المرأة بالكرسي وجاءت هذه الألف
ترددت أنا ..
بدا على المرأة الاندهاش فالمصعد فسيح, و نحن نزحف نحوها .. نزاحمها ..
أدرت الكرسي جانبا, أدرك هو أنني لن أستطيع أن أدفع الكرسي أكثر من ذلك و رأيت يده اليسرى تقوم بما تبقى لها من الجهد و تندفع نحو المرأة..
انتبهت المرأة إلى حركة معاليه سابقا فابتعدت .. فانطلقت ألف ممدودة من معاليه سابقا تريدني أن آخذ الوجهة التي أخذتها المرأة..
لعله يعرفها ..
فكرت ..
دفعت الكرسي نحو المرأة ..
حرك الرجل الذي يرافقها رأسه بامتعاض و أطلق من أنفه ضحكة ساخرة ..
في هذه اللحظة توقف المصعد في الطابق الذي تبغي المرأة النزول فيه.. فخرجت ..
تنفست الصعداء ..
لكن ألفا ممدودة طويلة تشبه العويل انطلقت ورفضت أن تتوقف..
كان يريدني أن أوقف المصعد و أن أركض به خلف المرأة..
عدت بالمصعد إلى الطابق الذي نزلت به المرأة و مرافقها و شرعت أدور به في دهاليز مؤسسة مالية تشغل الطابق..
موظفو المؤسسة يعرفونه.. أغلبهم كان يحدق فيه و بعضهم كان يبتسم له..
لم يكن يبدو عليه الاهتمام بهم, كان يريد أن أعثر على المرأة.
لم أعثر على المرأة.
صممت أذني عن ألفه الممدودة و عدت به إلى البيت.. أدخلته غرفته, و تركته يتابع صراخه. كان معاليه سابقا غاضبا..
قررت أن أقدم استقالتي, و أن أتنازل عن الأجر المضاعف و أعود إلى مرضاي الذين لم يكونوا قط معاليهم سابقا..
لم أتبث على البلوى.. و لم أكن صبورة كما كنت أتصور, فويل الأجر الهزيل أهون بكثير من ويل الأجر المضاعف و ألف معاليه سابقا الممدودة.




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„