ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


رواية : صرخات نور -1


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1039 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„




منذ أن تسللت الحياة إلى أنفاسه، وانهمرت الدموع من عينيه عند صرخة الميلاد، لم يكن وجه أمه هو أول ما استفاقت عليه تلك العينين البريئتين، بل كانت العتمة هي أول ما اصطدمت بهما،ليكون من قضاء الله وقدره أن يبتلى علي بحبيبتيه فيصبر على نعمة حرم منها، ويمضي طفولته بين أقرانه موظفاً حواسه الأخرى في استكشاف العالم الخارجي والتعرف عليه، حيث عوضه الله عنهما بفطنة وذكاء حاد كان محط أنظار المحيطين به.
لطالما تعثرت القدمان وارتطم الجسد اللين بصلابة الأرض، إلا أن اليدين الصغيرتين ما تلبث أن تستجمع قواها لينهض الجسد من جديد وتواصل الخطوات الصغيرة دربها الطويل، فكانت العثرات تزيده قوة وصلابة، وتمنحه العزم على مواجهة الواقع الذي يعيشه والتكيف معه.
لم تكن تلك الطفولة مختلفة عن سواها، فكان لها احتياجاتها المشابهة في كل مرحلة من مراحل تطورها النمائي بجوانبها الإجتماعية والعقلية كافة، بل كان لهذا الطفل السبق في القدرة على الحفظ والإستظهار للسور القرآنية منذ الصغر، ويرافق تلك الموهبة صوت رقيق عذب ينساب من حنجرة علي لتخشع الآذان المصغية إليه، وتلين القلوب لأعظم كلمات حين تخرج من فم طفل صغير دخل النور قلبه وعقله قبل أن يدخل عينيه.
وهكذا ظل علي في مدرسته محط إعجاب أساتذته، يفتتح الإذاعة المدرسية كل صباح، ويكاد لا يخلو احتفال في المدرسة دون أن يكلل افتتاحه بآيات عطره يتلوها على مسامع الحضور، ولم يقتصر تفوقه على زملائه في هذا المجال فحسب، بل كان كذلك في المواد الدراسية، ناهيك عن لباقته في التعامل مع زملائه،ومساعدته لهم في حل بعض المسائل الرياضية التي قد تصعب عليهم، على الرغم من استخدامه لغة برايل كمعين على الدراسة، وذلك ما جعله ملتفاً بجمع من الأصحاب الذين علقت محبته في قلوبهم.
كان طموحه لا يتوقف عند المرحلة الثانوية، بل امتدت نظرته الثاقبة إلى ما بعد المدرسة، ليتحقق حلمه في الدراسة الجامعية وفي التخصص الذي أحب، وبذلك انتقل إلى مجتمع آخر وبيئة جديدة تطلبت منه وقتاً للتكيف معها، فليس سهلاً على كفيف أن يتلقى تعليمه بين المبصرين إن لم يتحلى بروح المثابرة والجد في الدراسة، ولكنه أمر غير مستحيل على علي الذي بدأ بمضاعفة جهوده والتغلب على كل هاجس من شأنه إضعاف دافعيته.
كانت عملية التنقل بالنسبة له عائقاً تغلب عليه بمثابرته على حضور المحاضرات ترافقه عصاه البيضاء مرشده ودليله لما حوله، وكما هو الحال في المدرسة، استمر بالتفوق بالمرحلة الجامعية، وكان ذلك بفضل الدعم المعنوي الذي تلقاه من أسرته التي غمرته بدفئها، فهيأت له الظروف المناسبة، وساعدته بالإنقضاض على كل عقباته، وتشجيعه المتواصل من أمه التي طالما أحبته وغرست فيه حب الحياة منذ الصغر.
أما زملاؤه وأساتذته فكانوا أسرته الجامعية التي اعتبرته جزءاً من كيانها الذي قد يتخلخل دونه، لا رأفة على حاله كمعاق، ولكن لانتزاعه هذه المكانة بينهم لما عكسه من صورة مثالية عن الشاب الطموح، والطالب المجتهد الذي يحب جامعته وينتمي إليها.
وما كان من جراء انسجامه في نسيج الحياة الجامعية، إلى أن أفضى ذلك عن حبه لإحدى الزميلات التي رآها بقلبه المبصر فعشقها كما يعشق قلب شاعر وجه البدر في ليلة ظلماء، فرأى فيها زوجته ورفيقة طريقه الطويل، ولكنه يتساءل في نفسه متردداً: >أيحق لكفيف أن يهوى حسناء مبصرة يتمناها كل شاب لجمالها وحسن خلقها؟ أليس من الأفضل لي أن أبحث عن كفيفة مثلي ترضى بوضعي الصحي وتبادلني المشاعر، فتاة تعرف معنى الإعاقة لأنها عاشتها وارتشفت من كأسها<؟
لكن الأمر يبدو مختلفاً حين يبادله الطرف الآخر نفس المشاعر إن لم يكن أكثر، فيتبدد الظلام إلى نور، ويختار القلب المحب كفيفاً يفضله على كل زملاء الكلية، ليكون شريك حياة، هذا ما صارحته به ليلى بعد شهور طويلة من الزمالة الجامعية والتعاون الدراسي معه، ولعل هذه المشاعر قد أثارت استهجان زميلاتها، حين وصفنها بمن ترمي نفسها في حياة تعيسة، تتحول فيها إلى مجرد خادمة لشخص عاجز لا يقوى على قضاء أبسط حاجياته ـ على حد قولهن ـ فكيف له أن يمنحها الأمان الإجتماعي والعاطفي ويحقق لها الإستقلال الإقتصادي، ويكون أباً لأطفالها، يشاركها تربيتهم، ويكون لها عوناً في حياتها لا عالة عليها...؟
بهذه الكلمات اللاذعة واجهتها زميلاتها، ولعل تحت هذه الكلمات شيئاً من المنطق، فليلى فتاة جميلة من عائلة محترمة قد تقدم لخطبتها أفضل الشبان، فلماذا تصر على ذلك الكفيف وتربط مصيرها بمستقبل مجهول؟..
واكتملت دائرة المعارضة، وضاقت ليلي بالحيرة ومرارة المواجهة بين عاطفة يعتبرها الآخرون نزوة يجب التخلص منها، وبين الواقع الذي وجدت نفسها في مجابهة معه، فقد رفضت أسرتها وبشدة طلب علي الزواج منها، واستنكرت تلك الجرأة من كفيفٍ جاء يتحسس طريق البيت باحثاً عن فتاة للزواج، فكان الرد قاسياً ذكّره بعينيه التي لم تبصر النور، وبعصاه التي ربما لم تقده إلى المكان المناسب.
وعلى الرغم من مضايقات الأهل والمحيطين ونصحهم لها بالإبتعاد عنه، ظلت العلاقة تشتعل بين محبين جمعتهما روح واحدة، وألّفت بينهما رابطة وجدانية لم تطفىء أوارها تعليقات الآخرين، وتتحرر ليلى من خجل الأنثى لحظاتٍ لتقول لهم: >إن هذه المشاعر ليست شفقة على معاق، إنه ليس ضعيفاً ليستحق الشفقة، إن كنتم ترونه معاقاً، فإنني أراه أقوى من زملائه المبصرين بروحه المتقدة الحماس، وعقله الوضّاء، وفكره الذي ينم عن إنسانيته النبيلة التي لم تعطلها حاسة عن أداء رسالتها في الحياة، أراه ملهماً لي أستمد منه القوة وزوجاً مثالياً يشاركني المستقبل<.
إلا أن كل هذه التبريرات قد عجزت عن إقناع الأسرة بزواج ليلى من علي. وبعد أن تخرجا من الجامعة تجاوز الأمر مجرد الإجحاف بحريتها في الزواج من الشاب الذي تحب، ليتعدى الأمر ذلك فترغمها الأسرة على الزواج من شاب آخر قد جاء لخطبتها، وحينها رفضت ليلى وغسلت الدموع مقلتيها حتى تورمت عيناها، وانعكس ذلك على وضعها النفسي، فساءت تغذيتها وقل نومها، حتى مرضت وهزل جسمها الذي أعياه التعب، ولزمت غرفتها لا تكلم أحداً من المحيطين.
وأمام عنادها وتبريراتها، وبعد تدخل أحد الأقارب بعد أن استمر وضعها الصحي في تراجع، وافقت الأسرة ـ على مضض ـ من زواجها من علي، ولكن مع تحميلها كامل المسؤولية ولومها على ذلك الزواج، ولم يخل الأمر من مظاهر الحزن التي سادت أجواء الفرح، والتي أهمها عدم حضور والدتها مراسم العرس.
هي أمنية حققتها ليلى بعد طول عناء، وكانت بلا شك غالية الثمن، لكنها مستعدة لتحمل نتائج قرارها وتداعياته على علاقاتها الإجتماعية، فالمحبة شيء وواقع الزواج شيء آخر.
كانت البداية صعبةً عليها حين كانت تخرج مع زوجها الكفيف خارج البيت، تقود السيارة له، وتزور معه الأقارب والأصحاب، وتتسوق معه، تصف له كل شيء وتشركه في تصور كل ما تقع عليه عيناها، وله أن يسبح في فضاءات خياله لإكمال الصورة التي تشاهدها زوجته. كان يقول لها دائماً: >إني أرى كل ما تقع عليه عيناك، فأكره ما تكرهين وأحب ما تحبين<. تلك هي الأرواح المجندة حين تجتمع في جسدين منفصلين فيكفي أن تكون في أحدهما حاسة لتزرعها في الجسد الآخر.
عاشت معه زوجاً مثالياً، أعطاها كل ما يملك، وفي كل يوم تمضيه معه يتكشف لها أن العيش مع من تحب، هو أسمى من حاسة قد عطلتها حكمة الله، لتنبت مكانها حواس أخرى لا يدرك كنهها سواها من البشر.
ويتكلل هذا الزواج المبارك بعد مضي أولى سنواته بالمولود البكر الذي طالما حلمت ليلى به، فوجدته مستلقياً بجانبها بعد أن استفاقت من آلام المخاض، وكم كانت فرحتها الكبرى حين رأت والدتها تدخل عليها، تسبقها بدموع عينيها، فتعانقها لتغسل آلاماً مضت إلى غير رجعه، وفي غمرة مشاعر الأمومة تقاطعهما نور التي بدأت تصرخ لتدوي صرختها بين أروقة المستشفى، تتوجه إليها جدتها تحتضنها... تضمها.. تقبل نوراً أشرق من عينيها، تمتزج الدموع معاً لترسم لوحة تراجيدية يكمل معالمها دخول علي للمشهد، ترتسم ابتسامته على وجهه الوضاء كعادته، لم تحجب نظارته السوداء بصيرته النافذة التي كانت سر نجاحه، يسمع تمتمات في الغرفة فيقول: هذه رائحة العمة، كم انتظرت هذا اللقاء منذ زمن.
ويستدير الوجه المغسول صوبه.. تخرجُ أصواتٌ من حنجرة خجولة، تعتذر دموعها لسنة من الفراق، فتكسر صرخة نور المشهد مرة أخرى، وتتلقف الدفء من صدر أمها، وتبدأ رحلتها بلا عتمة، في كنف أبوين جمع كل منهما قوة المحبة والإيمان بالطرف الآخر، ولم يفرقهما ضعف الإعاقة <<
عائشة رغم الموت

أمه التي وضعته هي أقرب الناس إليه وأكثرهم معرفة به، أوجد الله بينهما علاقة حميمة لا انفصام لها، وكأن كل منهما قد خلق للآخر، والده الذي لم يعش معهما طويلاً، قضى نحبه فجأة في حادث مؤلم، حفر جرحاً غائراً في قلب زوجته وسقاها من كأس المر مبكراً ليحولها إلى أرملة في مقتبل العمر، ويحمل هذا الحادث على كاهلها مسؤولية ثقيلة لتكمل مشوارها برفقة ولدها أحمد بعد أن كان الزوج قد تقاسم معها جزءاً من رحلة العلاج والمعاناة، امتدت سنتين، أمضياها متنقلين مع طفلهما الوحيد بين عيادات الأطباء والمستشفيات.
وبعد فجيعتها الكبرى بزوجها، ها هي الآن قد استسلمت لقدر بات محتوماً عليها، يتسلل إليها ليفتك يوماً بعد يوم بجمالها وأنوثتها، فكان نصيبها من هذا القدر إمرأة ترملت مبكراً وولد وحيد يعاني من شلل رباعي في أطرافه، معتمد كلياً عليها، لا تقدر على مجافاته، فهو طعامها الذي تأكله وشربة مائها وأنفاسها الباقية في هذه الحياة.
تميز أحمد بفطنته وذكائه وحساسيته الانفعالية ورابطته الوجدانية مع أمه التي لم يعرف سواها، فرغم أقاربه من جهة الأم والأب الذين يزورونهم من حين لآخر، إلا أنه لا يرى فيهم كلهم ما يراه في أمه وحدها، فهي الكلمة التي يتقنها أكثر من بقية الكلمات التي يحاول نطقها فيتشوه معظمها أمام حالة الشلل التي يعانيها، إلا كلمة (ماما) التي يعبّر بها عن فرحه وحزنه وحاجاته وكل انفعالاته.
لولا الصبر الذي يلقيه الله على عباده المكروبين والايمان الذي يسكن قلوبهم، لولاهما لما استطاعت عائشة الصمود في وجه هذه الظروف القاسية، فقد كانا زادها في رحلتها الكؤود، فعندما يرمي الله بصبره على أحد فليس غريباً أن يتحول الألم إلى سعادة، لا يستشعرها إلا من يعيش لحظاتها.
عندما يتكلم أحمد، هي المترجمة الوحيدة للغته القصيرة المقتضبة، والتي تشترك فيها تعبيرات وجهه ويديه، وهي الوحيدة التي يستطيع أن ينقل لها أدق أحاسيسه ومشاعره، والقادرة الوحيدة أيضاً على ترجمتها إلى لغة منطوقة يفهما الآخرون.
في ذات يوم جاءت إليها جارتها العجوز، وطرقت على مسامعها كلاماً لم يرق لها سماعه، قلّب مواجعها وأثار انفعالاتها:
ـ أنت لا زلت صغيرة وجميلة يا عائشة، ويجب أن تنتبهي لنفسك.
(يثير فيها الكلام الاستغراب، فلابد أن له مغزى ما).
ـ ماذا تقصدين؟!
نظرت الجارة نحو الصورة المعلقة على الحائط المقابل، مستعجلة الكشف عن جرح لم يلتئم بعد:
ـ الله يرحمه، كان نعم الزوج، لكنه تركك فجأة وحيدة في مواجهة هذه الحياة الصعبة.
تنفست بعمق، مسترجعة ذكريات مولمة، وانطلق من ثغرها زفير بارد محبوس في الصدر، تعتصر يداها منديلاً أبيض، لا تنفك تحمله.
وتحاول الجارة تغطية الجرح بضمادة جديدة، تومىء من خلالها إلى انتهاء مرحلة صعبة، والإعلان عن بدء أخرى جميلة، لا تزال تنتظر الأرملة الصغيرة.
ـ يجب أن تنسي ما مضى يا عائشة، وتبدأين حياة جديدة، يجب أن تنزعي هذا السواد عن جسدك، ما مضى ذهب وانقضى، لا زالت أمامك الحياة طويلة لتعيشي لحظات سعيدة.
وتفكر عائشة بكلمات هذه المرأة التي تغويها بنسيان زوجها الذي أحبته، وكأنها تحثها على التخلي عن عهد قطعته على نفسها، أو قيمة أصيلة تنتمي إليها.
وتنتهي المرحلة التمهيدية بمفاجأة أعدتها العجوز لعائشة، لتعلن من خلالها عما جاءت من أجله صراحه، فتزج بعرضها السخي عليها قائلة:
ـ عندي لك زوج رائع، يبحث عن امرأة جميلة مثلك، لقد عاد من سفره بعد طول غياب في الخارج، وهو يملك الآن ثروة تمكنكما من العيش في نعيم إلى الأبد.
وتميل العجوز نحو عائشة هامسة وكأنها تفشي لها سراً أو تسدي لها معروفاً:
ـ ... ولأنني أحبك وأريد مصلحتك، كنت أول من خطر ببالي، فلا تضيعي هذه الفرصة من بين يديك.
لم تكن عائشة تتوقع هذه الكلمات التي سقطت عليها دفعة واحدة، وبسرعة.. نظرت إلى أحمد الذي تابع كل ما دار بين الامرأتين، فالتقت عيناه بعيني أمه، لا يخفي قلقاً قد انتابه، كمن ينتظر ردها السلبي على ما قالته العجوز.
ـ لا بأس عليه، بإمكانك وضعه في مؤسسة خاصة ترعاه وتعتني به، وهذا كله على نفقة الدولة، نعم.. ولماذا فتحت هذه المؤسسات؟
قالت ذلك المرأة العجوز، وهي لا تفكر في أن أحداً ثالثاً يسمع هذا الحوار، فجهلها بأحمد وبقدراته العقلية ومشاعره المرهفة، جعلها تتحدث بهذه الصراحة غير المحسوبة عواقبها.
ـ فكّري جيداً بما قلته لك ولن تندمي.. سأذهب الآن منتظرة قبولك، استودعك الله.
تقبلها وتخرج، ويبدو أن إهمالها لأحمد لم يقتصر على فترة جلوسها في البيت وحديثها مع الأم، بل امتد إلى لحظات المغادرة حين نسيت أن تودعه.
وبعد أن أغلقت عائشة الباب وراء جارتها وعادت إليه، كانت الدموع الخجولة تتسلل من عينيه، وقد لمست عتاباً منهما، فضمته بسرعة وأصابعها تغوص في شعره بلطف، تقبله تارة وتحتضنه تارة أخرى:
ـ لا، لا... أحمد حبيبي، دعك من كلام هذه العجوز الشمطاء، لن أتخلى عنك مهما جرى، أنت حياتي، وكل ما أملك في هذه الدنيا، ولا أستطيع العيش بدونك، لا تفكر يوماً أن هناك من سيبعدني عنك.
كانت تبكي ويبكي معها، يمد يده صوب وجهها محاولاً مسح دموعها، فتقبل يده الممدودة، وتضمه إلى نحرها من جديد، ليلتقط أنفاسه من دفئها، ويطمئن إلى جوارها.
شعرت بالذنب في تلك اللحظات، فلماذا لم ترد فوراً على كلام تلك العجوز؟ أليس مجرد سكوتها يعد تفكيراً بعرضها السخي؟
شكّل هذا الموقف نقطة مفصلية في علاقتهما التي تتوطد مع الزمن، فعائشة بعد اليوم لن تصغي لأية فكرة من أحد قد تبعدها عن ابنها، ولن يشغلها عن وحيدها مجرد التفكير بالزواج، وقد اتخذت قراراً بذلك، أعلنته للمحيطين وهي مقتنعة به.
ظلت سعيدة معه وبه، تعد له الطعام الذي يشتهيه، وتستشيره قبل إعداده، يأكلان بملعقة واحدة ومن طبق واحد، تنام في غرفته لتبقى رفيقته في الليل والنهار، فلا تأكل حتى يأكل ولا تنام حتى يسبقها إلى ذلك، تنتقي له الملابس التي يحبها قبل أن تلبسه إياها، حريصة على أن يظهر بمظهر لائق ومرتب باستمرار، تغني له وهي تمسد شعره، وتتغزل بجماله إذا غسلت أو مسحت وجهه.
كان أحمد يكبر، ويكبر معه حبها له، وتزداد علاقتهما الحميمة مع الأيام.. وقد شكل حجم جسده الذي بانت معالم البلوغ عليه متغيرات جديدة تفرضها آليات التعامل معه، فهناك فرق بين أحمد الطفل الصغير الذي حملته بحضنها وتنقلت به من مكان إلى مكان، وبين أحمد الشاب المتصلب الثقيل.
فهناك أعباء جديدة تنتظرها، وهي الصاحبة الرفيقة له في تنقلاته على كرسيه المتحرك إلى المرافق الصحية وغرفة الطعام، وأي مكان آخر يرغب في الذهاب إليه.
إلا أن هذه المتغيرات الجديدة لم تمنعها أن تكون هي ذات الأم التي أعطته حنانها مبكراً وعاهدته ألا تفارقه، ولا تتوانى عن خدمته مهما كلف ذلك من تعب ومشقة، وهو مدرك لكل ذلك، ويحاول عدم الإثقال عليها بطلباته قدر الامكان، فتصر على عدم إشعاره بأنه عبء عليها، بل أنها سعيدة بتلبية طلباته.
لم يكن خروجها من البيت كثيراً لأجله، فإن أرادت المشاركة في مناسبة ما، يظل قلبها مشغولاً عليه، حيث تستأذنه قبل الذهاب، وتستسمحه إذا تأخرت عودتها.
وبعد إيابها تتحدث إليه عن تفاصيل ما رأت وشاهدت، ومع من تحدثت، لدرجة أنه حفظ الآخرين الذين تتعامل معهم في حياتها اليومية بأسمائهم وصفاتهم وأعمالهم، وأكثر ما كان يعرفه هو المجتمع النسوي الذي تحتك معه والدته، حتى أحداث الحي الذي يسكنون فيه، فهو يعرفها بتفاصيلها كأي شخص آخر، ويسأل أمه باستمرار عن بعض الناس وعن أخبارهم، من مات منهم ومن تزوج، ومن رزق بمولود ومن مرض...
فكان الكثير منهم يبعث له بالتحية والسلام، فعلى الرغم من قلة خروجه من البيت إلا أنه معروف لأبناء الحي الذين يزورونه بين فترة وأخرى.
عاش معها في أدق مشاعرها وانفعالاتها وفي حياتها اليومية، وأصبح جزءاً من فرحها وحزنها، فتشتكي إليه من همّ يسكنها أو حزن يساورها، وفي كثير من الأحيان كان يبادرها بالسؤال عن وضعها ومشاعرها بلغته الخاصة، وحين تكون حزينة يحاول التخفيف عنها بما يملك من حنان.
لم يكن أحمد كثير المرض، فهو يتمتع بصحة جيدة رغم إعاقته، وما هي إلا بعض الرشوحات والنزلات الشتوية التي كانت تباغته في أحيان متباعدة، ثم تغادر جسده بسرعة.
وفي أحد الأيام، أصابه ألم في بطنه، لدرجة أنه لم ينم تلك الليلة، يعبر عن ألمه بصراخ مرتفع، فما كان منها إلا أن نقلته إلى الطبيب برفقة أحد الأقارب، فأعطاه الطبيب العلاج اللازم الذي تحسن عليه، مصرحاً أن هناك مشكلة في الجهاز الهضمي وعملية الإخراج، سببها قلة حركته وتنقله بحكم إعاقته.
وبعد فترة استرد فيها عافيته واشتدت صحته، عادت الآلام بشكل أكثر حدة، وأصبحت تغزوه بشكل متكرر بين حين وآخر، ما أدى إلى ضعف جسده وهزاله، نتيجة فقدانه كميات كبيرة من السوائل، وفقدان شهيته، وقلة أكله ونومه.
تحاول أمه الحنونة باستمرار تحفيز شهيته بإعداد الطعام الذي يحب، وتتحايل عليه ليأكل لقيمات من يدها يشددن صلبه، إلا أن ذلك أصبح أمراً صعباً، فقد اعتاد على كمية قليلة من أطعمة معينة دون غيرها، حتى ذلك يكون بعد إلحاح مستمر منها وطول عناء.
هذا الوضع المتردي الذي وصلت إليه صحته، واحتياجه لرعاية خاصة ومستمرة من الصعب توفيرها في المنزل، دفعها للمبيت معه في المستشفى ومشاركته مرضه وألمه، فهي لا تستطيع مفارقته، ولم يسبق له أن بات بعيداً عنها ليلة واحدة.
وفي تلك الليلة الباردة، كانت تطعمه بعض الحساء، وتقنعه بشرب المزيد من يدها، كانت تضع ملعقة في فمه وأخرى في فمها، لدفعه وتشجيعه على تناول الطعام، وتدعو له بالشفاء بين حين وآخر، وترضى عليه، وترجوه أن يأكل خوفاً على صحته، وهي تعرف كم يحبها ويحب ما تدعوه إليه.
ـ حبيبي يا أحمد، أرجوك.. هذه فقط.
وبعد أن يشربها على مضض
ـ وهذه أيضاً، "على شاني..."
حاولت أن تضحكه بتذكيره ببعض المواقف الساخرة التي حصلت معها، تحاول أن تخلق فرحاً له من عمق الألم، إلا أن الابتسامة صعبة المنال على شفتين ثقيلتين، فهو لا يملك أن يحرك غير العينين المتعبتين اللتين تريدان النوم.
نظر إليها وكأنه يريد أن يودعها لتكون آخر ما تشاهد عيناه على هذه الأرض، كما كانت أول شيء شاهده من قبل عند ميلاده، وعندما شعرت بتعبه ونعاسه، غطته ودعت له بالشفاء، ولثمت قبلة على جبينه قد اعتاد عليها منذ أن وضعته قبل خمس وعشرين سنة.
أحمد الذي لم يعرف الحب إلا بعد أن عرف والدته، ولم يعرف الدنيا إلا من خلالها، غطّ في نوم عميق، دخل من خلاله إلى عالم آخر.
فقد مكث مع والدته خمسة وعشرين عاماً، ومن حق والده هذه المرة أن يشتاق إليه ليمكث معه في حياة من نوع آخر لا يعلم كنهها إلا الله.
ـ الله أكبر.. الله أكبر.
صوت المؤذن يعلن صلاة الفجر لتصحو الكائنات من نومها، تسبح لبارئها الذي أحياها بعد الممات، فتصحو عائشة على صوت نداء الحق مستجيبة طائعة.
وقبل أن تشرع بالوضوء، أرادت الاطمئنان على ولدها الذي نام مبكراً وقد أعياه المرض، عندما وضعت يدها على جبينه شعرت به بارداً، لا تنبض فيه الحياة، لا تتحرك أنفاسه. كان هادئاً كما كتب له أن يكون.. صامتاً كما عاش طيلة حياته، تلف جسده سكينة لم ترها على وجهه الأبيض من قبل.
لم تشعر يدها بنبضاته، وحين حاولت إيقاظه تأكدت من موته، وتذكرت أول يوم صارت فيه أرملة صغيرة.
فقد ودعت من قبل زوجها، وهي الآن تودع ابنها الوحيد، فلم يكن أمامها إلا أن تصرخ بأعلى صوتها، وكانت صرخاتها الثكلى تنذر بفقدانها العالم كله.
كان كل منهما يدعو لنفسه أن يموت قبل الآخر، لكي لا يتذوق مرارة تعيشها الأم الآن، ويبدو أن الله سبحانه وتعالى قد استجاب لدعائه رحمة ورأفة به، وحتى لا يتذوق من الكأس الذي شربت منه أمه مرتين، مرة عند رحيل زوجها والأخرى عند وفاته<<






الجولة الأولى
هو يومه الأول في العمل الذي انتظره طويلاً بعد التدريب، فقد مر بمراحل تعليمية وتدريبية في مدرسة الصم الخاصة، واكتسب منها مهارات ساعدته على التواصل مع الآخرين، تعلم في مدرسته أن الحياة لا تتوقف عند تعطل حاسة أو توقف أي جزء من أجزاء الجسم عن العمل، إلا أن لغة الإشارة قد ظلت وسيلته الأساسية التي لا تفارقه عند التواصل مع الآخرين نظراً لمستوى إعاقته السمعية.
وبعد إجادته لمهارات القراءة والكتابة والمفاهيم العلمية الأساسية حسب البرنامج الأكاديمي الذي تلقاه في المدرسة، أصبح أكثر قدرة على التعايش مع إعاقته، ونمت فيه الرغبة بتطوير الذات، وتراءت له طاقات ومهارات لم يكن يلتفت لها من قبل، فانتقل حسب رغبته إلى مركز التدريب المهني ليتدرب على عمل يتناسب مع قدراته وميوله، فعاش مرحلة هامة من عمره، تخاطب سجيته الإنسانية الراغبة في البذل والعطاء، وتحاكي المرحلة العمرية التي يمر بها كشاب سوف يبني مستقبله من كده وعمله.
تعرف على المهن المتوفرة في المركز، منها ما هو قديم ومنها ما هو مستجد، على اختلاف ما تتطلبه كل مهنة وعمل من قدرات جسدية أو عقلية أو غيرها من المهارات، فأحس بقربه من الكمبيوتر كجهاز يجذبه إليه، ومن خلاله يستطيع تفريغ طاقاته الكامنة واستغلالها فيما هو قيم ومفيد، فتعلق به وانسجم مع برامجه بسرعة لدرجة دفعت والده ليشتري له كمبيوتراً شخصياً اسهاماً منه في رفع مستواه وأدائه بالممارسة اليومية والتدريب في البيت، ما ساعده في تحقيق نجاح جيد بهذا المجال، واجتياز الفترة التدريبية المقررة بسرعة ونجاح يؤهلانه للانتقال إلى أي وظيفة تتطلب أعمال الطباعة أو حفظ الملفات أو إدخال البيانات.
كان يستعرض هذا الشريط من الأحداث الطويلة المتسلسلة لمسيرته التعليمية والتدريبية التي مر بها في المدرسة وهو مستلق على سريره، تتابعه معه وسادته التي أتعبتها تقلباته، لتستكمل عنه تلك الذكريات أحلامه وتمنياته الصامتة التي تسبح في فضاءات رأسه، مشحونة بقلق كبير على أدائه في العمل الذي سيشغل أول أيامه مع إطلالة الصباح القريب.
وكم هي طويلة هذه الليلة، على الرغم من أنها لا تقل من حيث مداها الزمني عن مئات الليالي التي لم يشعر بها سابقاً، لكن ما يميزها عن غيرها صباحها المنتظر الذي سوف يكون له نكهة جديدة مع العمل.
تتجول فيه تخيلاته وتصوراته خارج جدران الغرفة، لتصل بعد زحمة المواصلات إلى الشركة الموعودة التي سيتوظف فيها، يدخلها ويسمع ضجيجاً يملؤها رغم ضعف سمعه، يراقب تحركات الموظفين المنهمكين كل بعمله، فلا يجد عند أحدهم متسعاً لإيماءة ترحيبية، أو ابتسامة عفوية.
يتخيل مديرها الصارم قبل أن يراه، يصدر أوامره وتعليماته لموظفيه، وما عليهم إلى الطاعة والتنفيذ، هذا المدير لا يعرف عن الصم شيئاً، فلم يسبق له أن وظف أصماً في شركته.
يقترب أكثر من مكتب المدير لتعترض طريقه سكرتيرته الحسناء، فيخبرها مترجم لغة الإشارة الذي رافقه أنه موظف جديد في الشركة، ولا تزيده لحظات الانتظار غير قلق على قلق.
وحين يدخل ذلك المكتب الفخم أثاثه، يلتقط لنفسه صورة مع مديره المهيب، كان عابس الوجه تغطي جسمه البدين بدلة رجل أعمال داكنة، تتدلى من عنقه ربطة على قميص أبيض، ولا يزال منهمكاً بمكالماته الهاتفية، وأوراق كثيرة متناثرة على سطح المكتب تنتظر توقيعه.
وبعد أن أنهى مكالمته الأخيرة وأشار عليه بالجلوس، تعرف عليه بسرعة، وشرع بتكليفه بمهام العمل، ومع أن المترجم الذي سيرافقه بداية يومه سيهوّن عليه كثيراً من الأمور، إلا أنه يخشى الاصطدام بصعوبة التواصل حين يكون وحيداً في عالم الموظفين الناطقين بالشركة، فيأخذ نفساً عميقاً ويقلبه القلق المتصاعد على الجانب الآخر من جسده الممدد على طول سريره، فيصدر سريره أصواتاً تكسر صمت الغرفة لا يسمعها أحد.
وعلى الجانب الآخر، يستطيع الآن رؤية مكتبه الذي يختلف كثيراً عن المكتب الذي رآه قبل قليل، يعتليه جهاز الكمبيوتر الذي سيعتمد عليه في معظم أعماله. يجلس على كرسيه الدوّار، وتبدأ أصابعه الثقيلة بالعزف بصوت نشاز على لوحة المفاتيح، وكأنه لم يألف هذا الجهاز من قبل، فيبدأ بالطباعة وإدخال البيانات، مع حاجته بين وقت وآخر لمفتاح الإلغاء منذ أن باشر العمل.
وفي تلك الأثناء يدنو منه مسؤوله المباشر في العمل، يحمل بيديه مجموعة من الملفات، يتحدث إليه وتتحرك شفتاه بسرعة، دون أن تستطيع عيون الأصم قراءتها، يصاحب ذلك الكلام تعبيرات في الوجه وعقدة في الحاجبين، إلا أن الأصم لا يفهم مرمى الحديث، فيضطر مسؤوله للجوء إلى الكتابة على الورق لإيصال المطلوب، وقد استغرق ذلك شرحاً طويلاً، مما كان عائقاً أمام سرعة تدفق العمل ومرونته.
أخذ نفساً عميقاً آخر ونظر إلى سقف الغرفة المظلم وسط سكون الليل، ليرى زملاءه يتكلمون مع بعضهم وينظرون إليه، تنبعث من الزاوية الأخرى رائحة الاستهزاء به، وتخرج بين حين وآخر ابتسامات لها مغزى، وكلمات لا يستطيع سماعها، ولكنه يصل إلى حقيقة أنه هو المعني من حديثهم، فيشعر بنفسه وحيداً في عمله فيطوي إلى جسده قدميه ويرفع الغطاء فوق رأسه كمن يستجلب الدفء في برد الشتاء.
يحاول أن يترجم حديثهم ـ ما دام مرافقه قد غادر مبكراً ـ فلا بد أنهم يتساءلون بينهم: ما الذي جاء بهذا "الأخرس" بيننا، إنه لا يفهم شيئاً من عملنا، وهذا ما أوقعه في أخطاء كثيرة، إن مكانه ليس هنا، ليذهب إلى بيته ويريح نفسه من عمل لا يقدر عليه، وينتظر مخصصات الضمان الاجتماعي من الدولة.
فيزداد اضطراب أصابعه المتنقلة بين المفاتيح، وتكثر أخطاؤه، ويقل إنجازه، فيبلع لعابه وتنتفخ أوداجه، وكأن رغبة بالبكاء تريد أن تجتاحه، لولا أن غلب عليه النعاس بعد طول تأمل وسهر، ليوقظه نور الصباح الذي بدأ بالتسلل مبكراً إلى عينيه من نافذة غرفته، فينهض من سريره وكأنها المرة الأولى التي ينهض فيها منه.
اقتربت اللحظات التي سينطلق فيها إلى العمل، لتتزاحم ضربات قلبه، وتتداخل في ذاته انفعالات الخوف والقلق والفرحة، أخذ يغسل وجهه الذي لم ينم طويلاً، ويتفحص المرآة أمامه، فلا يجد فيه شيئاً غريباً يختلف عن الآخرين، حتى الأذنين والفم واللسان، هي موجودة كما قدّر لها أن تكون، إلا أن بعض وظائفها قد تعطلت بفعل قادر، لكن ذلك لا ينفي عنه صفة من صفات البشر، أو يسلبه قدرة يمتلكها بالفعل.
يبدأ ارتداء أفضل ما لديه من ثياب، ويستمتع باستنشاق شذى عطره المفضل، فلم تتعطل عنده حاسة الشم، كما هو الحال لدى كثيرين تتعطل حواسهم عند رؤية أو سماع ما يراه الآخرون ويسمعونه، على الرغم من عدم وجود أي خلل وظيفي أو مرض في حواسهم المعطلة.
ويستشعر دفء الأمومة يسري في جسده، عندما قبضت يده كأساً من الشاي قد أعدته له والدته، يحتسي منه رشفات لها مذاق سكري دافىء تجلو عنه ضيق صدره، وتأخذه إلى فضاء رحب.
كم هي فرحة أمه كبيرة بهذا اليوم الذي تعتبره أول حصادها لأعوام مضت، تحاول أن تخفي قلقها عليه، تفرك يديها وتمتمة تعلو شفتيها، وهو مدرك بأنها تدعو له برضا الله و بركة رضاها عليه والتوفيق له في عمله، يومىء لها بإشاراته التي تفهمها بسهولة فقلب الأم ليس بحاجة لإشارة يتعلمها لتخاطب بها فلذة كبدها.
خرج من باب المنزل ترافقه نظراتها إلى الزاوية البعيدة من الطريق، فيدير رأسه نحوها وكأنه يودعها ليختفي ظله عن عينيها قبل أن تغلق الباب داعية له بالتوفيق.
ها هو الآن يدخل الشركة مع مترجم لغة الإشارة المنتدب من مدرسته، لم تكن هالة الشركة التي رسمها في مخيلته موجودة على أرض الواقع، لم تكن هي ببنائها وأبوابها ومرافقها، كان لها في ليله شكل آخر مختلف تماماً عن الواقع وأكثر تعقيداً.
وبينما هما في طريقهما إلى مكتب المدير، بادلهما أحد الموظفين ابتسامة عريضة ارتسمت على محياه، وأرشدهما إلى المكتب المنشود، فرحبت السكرتيرة بهما، وأدخلتهما إلى المدير الذي كان منتظراً لهذا اللقاء.
وبعد أن احتسى كأساً من الشاي كان شبيهاً بمذاق الكأس الذي شربه من يد أمه، اختفى قلقه مع أولى عبارات المدير البشوش، ومع إشارات المترجم الذي شرح له من خلالها طبيعة عمله، وحين رافقه المدير إلى مكتبه الذي سيعمل فيه عرفه على زملائه في المكتب قائلاً:
هذا هو الموظف الجديد الذي حدثتكم عنه، ستكون لديكم فرصة ثمينة لتعلم لغة الإشارة على يديه، والتعرف على وجه آخر للحياة لم تعهدوه من قبل، هو عالم الإعاقة، بل عالم القدرات، فلا تبخلوا عليه بخبرتكم، وسيكون لمساندتكم له في أيام عمله الأولى مردود إيجابي على نجاحه واستقراره بالعمل، ولا تنسوا أنه سيكلف بنفس مهامكم، وستسري عليهالأنظمة والتعليمات نفسها، وستكشف لكم الأيام أداءه الحسن ومثابرته في العمل.
فكان أن استقبله زملاؤه وكأنهم يعرفونه من قبل، وحب الفضول يدفعهم للمبادرة والتواصل معه بالإشارة والكتابة.
وكان مما لفت نظره كمبيوتره المنتظر الذي رآه على مكتبه، فبدأ يمرر أصابعه على مفاتيحه بسلاسة ويسر، حين كلفه مسؤوله المباشر بأولى مهمات الطباعة وإدخال البيانات. لقد أعجب الزملاء من فطنته وحسن استيعابه، فقد كانوا يخلطون بين مختلف الإعاقات وخصائص كل منها، فكانت تغمره السعادة بأول يوم عمله في وظيفته، وكأن هذا اليوم حلم مر طيفه فوق سريره كلمح البصر.
رجع إلى البيت منتصراً في جولته الأولى، وقد كسر حاجزاً نفسياً كان يكبله منذ ليلة أمس، احتضنته أمه بحنانها وقبلته، وقد محى من مخيلته كل الصور التي طبعت مسبقاً عن عمله ومديره وزملائه.
وعندما أسدل الليل ستاره، عاد إلى السرير نفسه، وإلى وسادته المتعبة، ليريحها هذه المرة من قلقه ويحدثها عن يومه الأول في العمل، وعن زملائه ومكتبه وكمبيوتره، وعن كل ما حدث معه، فتقلبه الفرحة إلى جانبه الآخر، ليستعجل يوماً جديداً مشرقاً آخر من العمل، ويحدق في سقف الغرفة لحظات، فينام بعدها بعمق، إلى أن يدغدغ وجهه نور الشمس المتسرب عبر النافذة، فينهض بسرعة... يغسل وجهه ويلبس ثيابه ويشرب شايه ويقبل يد أمه ويذهب وحده إلى العمل.














على منصة التخرج
كغيره من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين تملؤ قلوبهم روح مبدعة، تنتظر من يكشف عنها ويتلمسها بعناية لتظهر إلى عالم النور، وجد مازن مكان له تحت الشمس ، فنضجت مقومات القدرة والإبداع عنده بفضل المساندة الاجتماعية والدعم المعنوي الذي تلقاه من أسرته والمحيطين به، ليشق بذلك طريقاً في طلب العلم والمعرفة قد يعجز عنه الآخرون من غير المعاقين، فيتغلب على العقبات بالصبر والإرادة، ويهزم قيود الإعاقة، ليلاقي نفسه محط إعجاب زملائه وأساتذته في الجامعة، فرحاً بنيل الشهادة ـ الحلم التي انتظرها طويلاً مع والديه ـ ليصبح بذلك نموذجاً وقدوة لذوي الاحتياجات الخاصة وغير المعاقين على السواء.
جاء طبيعياً منذ ولدته أمه، متدرجاً في نموه كأي طفل يتمتع بنمو جسمي سليم وقدرة على المشي واكتساب اللغة، إلى أن شارف على اتمام السنة الثانية من عمره، حين هاجم جسمه ارتفاع حاد في درجة الحرارة، وعجزت كل المسكنات عن إخماد جذوتها، فأسرعت به الأسرة إلى الطبيب، وما أن وصل العيادة حتى تشنجت أطرافه، فاضطرت أسرته للمكوث به في المستشفى لتلقي العلاج، وظل والداه يتنقلان به بين عيادات الأطباء لإجراء الفحوصات والتحاليل الطبية اللازمة، يبحثان بكل ما أوتيا من جهد عن حل لمشكلة ابنهما، يرضي ضميرهما ويشبع عاطفة الأمومة والأبوة تجاهه، حتى لو كان ذلك على حساب سعادة معلمين من ذوي الدخل المحدود، تنتظرهما هموم ومسؤوليات مستقبل ابنتين وثلاثة ذكور هم أخوة مازن.
في نهاية المطاف كان لابد من التسليم بقضاء الله وقدره، حيث استقرت رحلة الصراع المريرة بين المرض والعلاج إلى إصابة مازن بالشلل الدماغي الطولي في الجهة اليسرى من الجسم، دون إصابة المراكز المسؤولة عن اللغة والكلام في الدماغ، مما تطلب جلسات مطولة من العلاج الطبيعي امتدت سنوات.
وهكذا، كان على مازن وأسرته التعايش مع الإعاقة والاستعداد لمواجهة حياة ستكون صعبة بكل مفرداتها، فبدأت خطوته الأولى على طريق العلم من إحدى جمعيات المعاقين والتي يسرت له حركة التنقل بين البيت والجمعية، وها هو ينهي الصف الخامس الابتدائي فيها عن جدارة، ليتم دمجه مع طلبة الصف السادس في الأساسي ب؛دى المدارس الحكومية، دون أن يواجه صعوبات أكاديمية تذكر قد تكون إعاقته تسببت فيها، فكان التعليم بالنسبة له نافذته المطلة على الحياة، وحب المعرفة مزروع بداخله، يبحث عنها رغم معاناته الجسدية، تزيده الدافعية رغبة في استباق أقرانه، وعيناه التي تشع فطنة تتطلع لمستقبل أفضل.
حين أتيحت لوالديه فرصة العمل بدولة الإمارات في مجال التعليم، التحق مازن بالصف الأول الاعدادي في إحدى المدارس الثانوية، وحظي هناك بالدعم والاسناد المناسبين من إدارة المدرسة إضافة إلى التفهم الكافي لحاجته الخاصة من قبل المنطقة التعليمية، فاستمر على مقاعد الدراسة بين زملائه ومدرسيه حتى الصف الثاني الثانوي العلمي، حينها شعر ببعض التغيرات التي فرضت نفسها عليه، سيما وأنه دخل مرحلة المراهقة بكل ما فيها من تفحص وادراك للذات، وتحديد للهوية، وتبلور ملامح الشخصية، فأصبح يقيّم ذاته ويقارن نفسه بزملائه، دون أن يحظى بالاسناد النفسي اللازم، والتفهم الكافي من المحيطين خلال ذاك المنعطف الهام من حياته، فوجد نفسه كمعاق، وحيداً في عراك مع الحياة ومتطلباتها، فلم يجد البيئة النفسية ولا المادية المناسبة المتفهمة له، زيادة على قلة المرافق المادية المناسبة لذوي الاحتياجات الخاصة.
شكلت تلك الضغوط المتراكمة على مازن إحجاماً عن الدراسة، وتراجعاً في مستوى الطموح والدافعية نحو تحقيق الذات، فواصل حياته في البيت منقطعاً عن التعليم لمدة سنتين، تراه فيهما مختلفاً عن مازن الذي يعتبر شعلة من النشاط والذهن المتفتح، المقبل على الحياة رغم العقبات.
كادت أحلامه تتهاوى وطموحات والديه المعلقة عليه تنهار لولا تدخل إحدى المؤسسات الإنسانية والتي قدمت له الدعم الكافي حين كان يتلقى جلسات العلاج الطبيعي فيها، فكان لهذه المؤسسة الفضل في إعادته للمدرسة من جديد، وحصوله على استثناء من وزارة التربية والتعليم، بعد أن اصطدمت أسرته بقوانين الوزارة التي لا تسمح بعودته إلى مقاعد الدراسة.
وعاد مازن للانتظام بالدراسة منتقلاً إلى الفرع الأدبي، وبدأ يحضر لنيل الثانوية العامة في أواخر شهر ابريل، مع أن موعد الامتحانات سيكون قريباً في شهر يونيو القادم، فكان ذلك بمثابة تحد له شعر من خلاله بأن نتائجه ستحدد مصير حياته، تدفعه إلى ذلك كلمات أمه التي ما انفكت ترددها على مسامعه:
- الثانوية العامة يا ابني هي مفتاح الحياة، ويجب أن تحصل على هذا المفتاح..
وبالفعل فقد آتت هذه الكلمات ثمارها حين حصل على معدل (2ر67) في الثانوية العامة، وتوجه مسرعاً صوب أمه في غمرة لحظات الفرح ليهديها نجاحه قائلاً:
- ها أنا قد حصلت على هذا المفتاح الذي انتظرناه طويلاً، وليس هناك من هو أحق منك بهذه الهدية.
ولكن الطريق لم تنته بعد في نظر مازن، وطموحه لا يقف عند حدود كرسيه المتحرك، بل يتعدى ذلك للتفكير بشكل جدي في الالتحاق بالجامعة كأخيه المهندس وأخته المعلمة، فكان له مراده حين عاد إلى وطنه فلسطين، ليلتحق بجامعة طالما سمع عن المساعدات التي تقدمها، والخدمات والمرافق المهيئة التي تتوافر فيها لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي جامعة بيت لحم.
وبالفعل التحق بالجامعة، وكان له حضوره بين زملائه، مكوناً في فترة وجيزة نسيجاً اجتماعياً متيناً مع عدد كبير من الطلبة والمحاضرين، تساعده في ذلك روحه المحبة للحياة والناس ولباقته في التعامل معهم وكسب ودهم، فأصبح معروفاً في الجامعة التي تحملت عنه بعض الأقساط الدراسية، واحتضنه زملاؤه في الدراسة، فكان لبنة أساسية في كيانهم، لدرجة أنه كان يتسلم دوماً الكؤوس الرياضية التي يفوز بها فريق الكلية الرياضي نيابة عن زملائه، وكنوع من الاحترام لوجوده بينهم.
كان مقيماً في السنة الدراسية الأولى في سكن تابع لجمعية تقدم خدماتها لجرحى الانتفاضة الفلسطينية، والتي بدورها تبنته سنة كاملة في الجامعة، بما في ذلك سكنه وتنقله من وإلى الجامعة، انتقل بعدها إلى جمعية للمكفوفين الكبار والتي وفّرت له غرفة مستقلة مع زميل له معاق حركياً أيضاً.
أحب اللغة الانجليزية والكمبيوتر، لذلك تخصص بالترجمة مع شقيقته التي تدرس في ذات التخصص، وفي محطته الثانية من سنوات الدراسة انتقلت أخته إلى تخصص آخر وهو اللغة العربية، بعد أن كانت عاملاً قوياً ومشجعاً له في دراسته لأنها في التخصص ذاته، وتزامن ذلك مع موقف سيء تعرض له من إحدى المدرسات عندما قالت له:
- لن تستطيع الإستمرار معنا في هذا التخصص يا مازن، أنصحك بدراسة تخصص آخر.
قالت ذلك بكل برود أمام زملائه في قاعة المحاضرات، وكل كلمة تخرج منها تنزل عليه ثقيلة كالجبل، وتعبث بحسه المرهف وتذكره بإعاقته التي لم تخطر على باله طوال سنتين مضتا، مسترجعاً ذكريات انقطاعه عن الدراسة في المرحلة الثانوية.
لم يخبر أحداً بما حدث معه، وانقطع فصلاً دراسياً واحداً عن الجامعة، وبعد علم أسرته كان لابد من حضور والده للتدخل في حل تلك المشكلة وتشجيعه على الاستمرار في دراسته وإعادة تنظيم نفسه، وقد لاقى تشجيعاً كبيراً من الجامعة والزملاء بالاستمرار في التخصص الذي يحب، وساعدته إدارة الجامعة ومجلس الطلبة في شراء كرسي كهربائي متحرك، كان عوناً له في السير على الطريق الصاعد نحو الجامعة، فعاد إلى حياته الجامعية لدراسة اللغة الانجليزية وآدابها بنفس جديد، وقناعة أكبر تجاه هذا التخصص.
ظل مازن كذلك ينعم بالأمان والهدوء في مدينة مهد السيد المسيح، والتي ظلت موئلاً ورمزاً للسلام والتعايش بين المسلمين والمسيحيين العرب، إلى أن أعادت قوات الاحتلال الصهيوني احتلال المدن الفلسطينية، فحطمت الأمان الذي كان مازن يعيشه وزملاؤه طلبة جامعة بيت لحم، لتضع أمامه المزيد من العوائق، وتذيقه أياماً من الحصار الخانق كباقي سكان المدينة، فظل حينها وحيداً قابعاً في غرفته، منقطعاً عن العالم الخارجي، تأتيه بطعامه اليومي إحدى مؤسسات الإغاثة الدولية.
وكنتيجة لهذا الواقع المفروض على وطنه والذي لم يعزل نفسه عنه، شارك زملاءه الطلبة مسيراتهم المناهضة للحصار الظالم والمطالبة بالسماح لهم بالعودة للدوام في الجامعة.
وحين تناقلت وسائل الإعلام صوراً عن مسيرة الطلبة وبثتها عبر الفضائيات، كانت مفاجأة ما بعدها مفاجأة لوالدته التي رأته يسير مع زملائه على كرسيه المتحرك وهو يهتف معهم، فدفعها خوفها عليه للاتصال به، ومطالبته بالابتعاد عن الخطر نظراً لوضعه البدني:
- مازن يا بني .. أرجوك لا تعرض نفسك للخطر، يكفيك ما أنت فيه ولا تجعلنا في حالة قلق دائم عليك.
فكان رده قاطعاً:
- أنا إنسان كغيري من البشر يا أمي، أعاني مثلهم، وأنتمي إلى وطن أحبه، وإن كنت لا أستطيع السير على قدمي، فهذا لا يعني أنني لا أستطيع الصراخ في وجه الظلم.
لم يكن خوف الأم على ولدها من فراغ، فهي تدرك صعوبة الأوضاع في فلسطين المحتلة، وما عزز ذلك الشعور بالخوف عليه زيارتها له في الصيف الماضي، ورؤيتها لمكان الرصاصة التي انطلقت من إحدى المغتصبات المجاورة، مخترقة نافذة غرفته ومحدثة ثقباً في الجدار ليس بعيداً عن موضع رأسه فوق سريره.
- حمداًلله على سلامتك يا ولدي.. لو أصبت بأي مكروه فسأظل أشعر بذنب الإبتعاد عنك طوال عمري، كيف لي أن أعود بدونك بعد ما رأيت؟!.
- اطمئني سأكون بخير إنشاء الله، جئت هنا لإكمال دراستي، ولا بد أن أحقق الهدف الذي جئت من أجله، كل ما أريده مخنك هو رضاك علي والدعاء لي.
- الله يرضى عليك ...
ولا بد أن تفترق الأجساد مرة أخرى وتعود الأم إلى الإمارات، إلا أن مشاعرها تسكن غرفته في فلسطين، وتظل تزداد ضربات القلب قلقاً عليه..تراقبه وتتحسس خطواته، إلى أن استكمل دراسته الجامعية واقترب موعد حفل التخرج.
وليقين إدارة الجامعة بأن مازن سيكون نجم هذا الحفل، قالت له عميد الكلية خلال حديثها معه:
- سيكون حفل هذا العام مميزاً بوجودك يا مازن...
فأومأ برأسه مبتسماً، يتخيل لحظات هي أقرب إلى الحلم، لا يستطيع تخيلها دزن والدته.
- شكراً ...

جاءت والدته من الإمارات لحضور الحفل ومشاركة ابنها فرحته، وعندما سمعت اسمه عبر مكبر الصوت، وشاهدته يعتلي المنصة بكرسيه المتحرك مرتدياً ثوب التخرج، رافعاً هامته، وعيناه تذرفان دموع الفرح والسعادة، بعد سنوات كان فيها أقوى من الصبر، تمتد يداه لتسلم شهادته من عميد الكلية، كحصادٍ لأربع سنوات من الجهد والتعب، يصافح أساتذته الذين قبّلوه بحرارة، مع تصاعد حرارة تصفيق زملائه الذين يعرفونه كشمس تشرق على جامعتهم كل صباح...
أمام هذا المشهد المؤثر، لم تتمالك الأم نفسها في تلك اللحظات، فاعتلت المنصة هي الأخرى وعانقت ابنها وقبّلته بحرارة، وكأنها تراه للمرة الأولى، فامتزجت دموعهما معاً وقلباهما يبتهلان إلى الله حمداً وشكراً على حلم تحقق وعلى لحظات طال انتظارها.

واستشهد شادي

هو فتى أصم يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً، تربى في حارة القريون بالبلدة القديمة من مدينة نابلس، يعيش مع والده الأصم والمعاق حركياً أيضاً نتيجة إصابته في الانتفاضة الأولى، أما والدته فهي معلمة للغة الإشارة، وقد أخذت على عاتقها أعباء إعاته وإخوته الصم أيضاً علاء وبراء، والذين يتلقون تعليمهم في إحدى مدارس الإعاقة السمعية.
عندما بدأت انتفاضة الأقصى، لم يعش بمعزل عن تلك الأحداث، بل أصبحت نشرات الأخبار محط اهتمامه، وبديلاً له عن الرسوم المتحركة، كما هو حال الأطفال الذين أرعبتهم مناظر استشهاد الطفل محمد الدرة بين أحضان والده، فأصبحت حاجتهم للأمن مفقود تحقيقها حتى من أقرب الناس إليهم.
كان شادي دائم الحركة والنشاط، كفراشة تنتقل بين أزهار الحديقة، سريع البديهة، يبادر دوماً إلى خطوط المواجهة ويشارك في المسيرات، يحضر معه إلى مدرسة الصم أعلام فلسطين، وبقايا الرصاص الذي تطلقه قوات الاحتلال على المتظاهرين، يصنع لزملائه "المقاليع والقفازات" سلاح الصغار الوحيد في مواجهة الآلة العسكرية الضخمة.
تتقد بداخله شعلة متصاعدة من اللهيب، لم تطفىء جذوتها إعاقته السمعية، وكانت تتبدى مظاهر حبه لوطنه من خلال رسوماته التي تمتزج فيها ألوان الشهداء، ويصور فيها الدمار الذي يراه يومياً.. يرسم الأقصى ويزرع على قبته العلم الذي يحب، وطائرة للعدو تحلق في السماء تقصف بيتاً آمناً، وأطفال يدافعون عن مدرستهم بالحجارة.
حتى ألعابه مع زملائه في المدرسة، ومع رفاقه في الحارة، أصبحت انعكاساً للواقع الذي يعيش، يتقلد كل منهم الأدوار التي يرونها أو يسمعون عنها،. يقوم أحدهم بدور الجندي، والآخر بدور الجريح أو الشهيد، يرفض شادي أن يبقى أسيراً في عالم الصمت، ليخرج من الدائرة المغلقة إلى امتداد رحب يتغلب فيه على محدودية فعل الحواس.
وفي صبيحة يوم جديد من المفترض أن يذهب فيه الفتى الأصم إلى مدرسته، حاملاً حقيبته وكتبه بعد أن أدى واجباته البيتية في اليوم السابق، يصحو هذه المرة قبل موعده بكثير، على أصوات انفجارات عالية رغم ضعف سمعه، بدأت من جرائها أركان البيت الحجري القديم الذي يقطنه تهتز مع كل انفجار، فأدرك أن قوات الاحتلال اقتحمت المدينة وباتت قريبة جداً من بيته.
حينها.. كانت الدموع تنساب من عيني أمه، ويعلو صراخ أخوته في حضنها، وأبوه قابع على سريره دون حراك، تنتابه مشاعر الخوف على أبنائه، وشعوره بالعجز عن حمايتهم.
وفي تلك اللحظات العصيبة.. أسرعت الأم للاتصال بالصليب الأحمر، لطلب النجدة والمساعدة، قبل أن يحلّ الموت بصغارها، وأخبرتهم بصوتها المخنوق المتهدج أن الجرافات تكاد تهدم البيت بمن فيه، إلا أن الرد الخجول جاء عاجزاً عن منع ذلك، فقوات الاحتلال تمنع فرق الانقاذ والطوارىء وأية جمعيات إنسانية أخرى من دخول البلدة القديمة، فتسلم الأم أمرها وأسرتها إلى الله، وتجلس مع صغارها مراقبة الموت الذي يقضم المسافات بين كل دقيقة، وما كان لأحد خارج هذا الموت أن يعلم شيئاً عن فظاعة ما يرتكب فيه.
وبعد أن انسحب الموت من قلب المدينة، تحاول الحياة أن تنهض من وجعها، لتتفقد ما حل بها من خراب، وتضمد جراح أبنائها بعد أيام عصيبة لا يعرف فيها الجار ما حلّ بجاره، فإذا بأسرة جيران شادي بأكملها والمكونة من ثمانية أفراد، يستشهدون تحت ركام المنزل الذي هدمته الجرافات على من فيه، ومن بين الشهداء أصدقاؤه الصغار، الذين كان بالأمس يلعب معهم لعبتهم المفضلة "يهود وعرب".
وينجو شادي وإخوته هذه المرة من الموت المحقق، وتنسحب قوات الاحتلال مخلفة وراءها أكواماً من الدمار والخراب، ويعود بطلنا الأصم إلى مدرسته ليحدث أصدقاءه ومعلمته بلغة الإشارة عن هول ما حدث أثناء الاجتياح، ويقص عليهم أيام الحصار المريرة التي قضاها مع عائلته بلا ماء ولا غذاء ولا كهرباء، ويبتكر إشارات جديدة ليخبر زملاءه بها كيف كان يجوب الحارة وسط الليل، باحثاً عن طعام لإخوته بين ركام المحلات التجارية المهدمة، مخترقاً نظام حظر التجول، وكيف اقتحم الجنود منزلهم وحطموا محتوياته، بما فيها المعينات السمعية الخاصة به وأخوته، والتي تبرعت لهم بها إحدى الجهات الخيرية.
لقد كبر شادي فجأة، مع كبر الأحداث التي عايشها وفرضت نفسها عليه، نسي طفولته البريئة تحت أنقاض منازل أصدقائه، وبدأت ملامح الرجولة تتبدى على وجهه رغم صغر سنه، لقد تخلى عن الطفولة التي يتمتع بها أطفال العالم، وهذا ما أظهرته رغبته في تعلم مهنة لمساعدة والدته بمصاريف البيت، حيث باشرت مدرسة الصم بإجراءات تحويله إلى إحدى مؤسسات التأهيل المهني في منطقة سكناه.
وفي يوم كان فيه شادي بين مجموعة من الناس الذين ضاق بهم الحال واضطروا لكسر نظام حظر التجول المفروض على مدينتهم، من أجل الحصول على قوت يومهم والابقاء على حياتهم.. انطلقت رصاصات الغدر بشكل عشوائي نحو جموع المواطنين والأطفال الذين خنقهم الحصار، غير مفرقة بين صغير وكبير، وبين ناطق وأصم، لتخترق إحدى الرصاصات ما بين أذن شادي وفكه، دون أن تسمع أزيزها أذناه، حين كان يلعب مع رفقته في الحارة، ولما ارتمى أرضاً حسبه الأطفال يمثل دور الشهيد، إلى أن رأوه مضرجاً بدمائه، فاقتحم أحد المارة المكان رغم كثافة النيران وأخلاه إلى المستشفى، وفي لحظات، تتبدد أحلامه الصغيرة في التدرب على مهنة يساعد من خلالها أسرته، ليجد نفسه أمام إعاقة أخرى حركية، إن كتب الله له الحياة من جديد.
مكث شادي تسعة شهور على سرير المستشفى دون حراك، وحل به ما حل بوالده من قبل، حين أقعدته رصاصات مماثلة على كرسيه المتحرك، بعد أن قضى أربعة عشر عاماً في سجون الاحتلال.
كانت الشهور التسعة التي قضاها في مشفاه، أشبه بتلك التي قضاها في رحم أمه، معتمداً بشكل كامل عليها حتى في قضاء أبسط حاجاته اليومية، حتى طعامه الخاص، لابد وأن يمر بجهازه الهضمي وبطريقة خاصة، فكّاه غير قادرين على مضغه، وتعجز رئتاه عن التقاط أنفاسها بحرية ودون معاونة الأجهزة المساعدة، فظل كذلك متنقلاً خلال رحلة علاجه من مستشفى لآخر، ومن غرفة عمليات لأخرى دون أن يتمكن من إخراج آهاته المدفونة في جسده النحيل.
هي عيناه فقط اللتان تقرآن كل ما يحدث حوله، تشعان فطنة وذكاء، يستقرىء بهما شفاه الآخرين، ويصدر ايماءاته للرد عليهم، حتى لغة الإشارة التي برع باستخدامها قد تاهت بين أوجاع الإصابة وسكون الحركة، فقد سرقها المحتل من بين يديه الثقيلتين، وضاعت ملامح وجهه وجسده بين آثار الأدوية وآلام وضعه الصحي.
ظل شادي كذلك.. إلى أن انتصر على عدوه، فنال الشهادة التي كانت قد اقتربت من بيته قبل عام، حين استشهد ثمانية من جيرانه، ليرتقي للعلا شهيداً بجوار ربه وطيراً من طيور الجنة، يسبح في فضائها مع من سبقه من الأطفال الشهداء، الذين ينتظرون قرار محكمة العدل الإلهية، لتثأر لهم ممن اقترف بحقهم جريمة قتل الطفولة البريئة في مهدها، دون ذنب سوى أنهم أطفال فلسطين.




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„