ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


مجرد لعبة حظ


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1205 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



وضعت قهوتي على المنضدة قريبا من الفراش ثمّ ألقيت نظرة على فائز النائم على جنبه. وقمت. تأمّلت السّاعة المعلّقة على الجدار. وأطفأت جهاز التّلفزيون. وضوء البيت. وعدت إلى مرقدي. تحسّست تحت الوسادة فوجدت السّكين في مكانها. وضعت رأسي على الوسادة واحتضنت فائز من دُبُر.
مرّرت يديّ الإثنتين حول رقبته. وقبلته قريبا من منبت الأذن . أحسست به سخنا وأحسست ببدنه يرتجف فدسست رأسه في صدري وأسدلت عليه الغطاء.
ومددت يدي للقهوة. رشفت رشفة سخنة وأعدت الكأس إلى المنضدة .
صباح هذا اليوم سيسيل الدّم سخنا كهذه القهوة على شراشف السّرير.
لن يتألم فائز حين تفاجئه طعنة السّكين بين الضلوع. فالنّيام لا يعرفون الألم. سيظنّ أنّ كابوسا حطّ بثقله على قلبه. وأنّه سيفيق منه بعد قليل كعادته كلّ ليلة .
لكنّ هيهات هذا الفجر سأزرعه قرب الياسمينة في الحفرة التي أعددْتُها لشجرة البرتقال.
البارحة دعوت الجنائني وطلبت منه أن يجعل حفرة هذه الشّجرة أوسع من الأخريات . كان كلما همّ بالخروج طلبت منه أن يزيد في الحفر إلى أن كلّت يداه. فأشفقت عليه ووضعت في جيبه عشرة دنانير.
بعد ذهابه ، تفقّدت الحفرة فوجدتها تليق بفائز.
قلت أحدّث نفسي:
- سينام فائز نومته الأخيرة متوسّدا عروق الياسمين. ولن أندم على قتله أبدا.

أنا فائـــز

صار معمل ” تاج العروس” درّة المعامل النّاجحة منذ أن وقع تعييني على رأس إدارته. ضربت بيد من حديد على أقفيه النفوس الخبيثة الّتي حاولت التّشكيك في خدمة ” الدّولار” لاقتصاد البلدان النّامية. ووضعت زعماء نقابة العمال في جيبي. فاستتب لي الأمر.
دعوت إلى المبادرة الحرّة وإلى الاتصال بدون واسطة بحرفائنا وراء البحر وإلى تشغيل الجنس اللّطيف. جعلت شعاري:” الصّدق في القول والإخلاص في العمل”. فانهالت على مشاريعي نجاحات الأرض قاطبة.
ألف إمرأة وإمرأة يعملن ليلا نهارا على قدم وساق على ” الماكينات” الجديدة المستوردة من إيطاليا. والشّاحنات الذّاهبة للميناء لا تكفّ عجلاتها عن الدّوران . والآلات لا تهدأ حركتها. وأرجل الصّبايا لذيذة. تتحرّك الأرجل الحافية ذات الرّبلات المكتنزة. فتئزّ المواتير. وتدفع الأيدي الحاذقة بقطـع فساتين العرائس إلى الأمام. دائما إلى الأمام فتتلقّفها أياد أخرى تدفع بها إلى الأمام. دائما إلى الأمام. إلى أن تخرج في أحسن صورة. فتعرض في صناديق أنيقة تُشحن من الميناء إلى عملاء في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وهونولولو وجزر واق الواق.
فمشى الحال. وتكدّست الأموال. و راق البال. فقلت ما قاله السلف الصالح:
- النفوس إذا كلّت عميت ! ماذا لو روّحت عن نفسك بعض الشّيء يا فائز؟
وأدخلتْ بثينة في دماغي دودة الشكّ في نجابة مائي فراقت لي فكرة النّفس الأمّارة بالسّوء.
جرّبت فحولتي في حريمي. “حرملك” السّلطان عبد الحميد كما قال لي ذلك الصّديق.
صرت أختار من بنات المعمل أكثرهن فتنة و غواية فآكل من شهدهنّ أول الليل. و أسلّط عليهنّ سيف مسرور قبل طلوع الصّباح.
لا أدري لماذا كنت أختار نسائي من خلال أرجلهن؟
اشترطت على الرّقيبات إلزام العاملات بالتّشمير عن سيقان الجدّ و رفع الملابس حدّ الرّكبة حتّى أتملّى ربلات السّيقان كما أشتهي.
إلى أن اكتشفت السّبب. لم أكن أنظر إلى الوجوه.
فالوجوه لا تعنيني.
الوجوه نذير شؤم.
الوجوه شرّ مستطير.
في الوجوه عيون يغطّي على حورها حزن نازف و على زرقتها هيجان أمواج الشتاء.
الوجوه لا تعنيني.
في قسماتها يختلط النّفاق بالكذب. والفرح عند إقبالي بالاشمئزاز عند إدباري.
الوجوه عوالم قرّرت أن لاأقربها أبدا.
الوجوه أبواب أقسمت أن لاأضع في أقفالها مفاتيحي.
و اخترت بيني وبين نفسي طرقا أقطعها للوصول إلى البشر.
طرق أعرف مسالكها.
بين شعاب الجبال.
و في متاهات الصحراء.
و دوّختني بثينة بأوراقها في الأوّل ثم بكلابها في الأخير.
و دوّختني بثينة بقلبها الّذي ظلّ يضجّ بحبّ جميل.
و دوّختني بثينة بتقارير طبيبها الغامز في رجولتي.
فحوّلت بنات النّاس إلى إماء أشتريهن بعَقْد عمل.
كلّ أسبوع أقوم بجولة في المعمل أتفّقد الآلات و البشر. أهشّ بعصاي على غنمي و أختار عروس السّهرة.
في المرّات الأولى كان الأمر يبدو صعبا. ثم اعتادت العاملات على زياراتي فصرن يتفنّنّ في إغوائي.
وصرت أشتطّ في اختياراتي:
البيضاء الأملود والسّمراء الرّشيقة. والقصيرة السّمينة. والطويلة الشامخة في طولها كلهن وقعن في قبضة الدّولار. فأحكمت فضّ أختام قوارير عطرهن.
أتذوّق عُسيلة الواحدة مرّة ولا أعود إليها أبدا.
أتلهّى بها ليلة كاملة في طقس مجوسي عجيب تمتزج فيه الحكايات بالواقع.
أبعث بعروسي إلى النّزل مساء مع سائق سيّارتي الخّاصة. فتجد هناك من يعتني بها.
الحارزة تدلك البدن في الحمّام حتى يصير شهيّا.
والحلاّقة تكوي الشّعر.
والمزيّنة تضع الأصباغ على الوجه وتختار أثواب السّهرة. تتدرّج ألوان أثواب عروسي مع مرور الوقت من البارد اللّذيذ إلى الفاقع الصّارخ في شهوته.
وتتفنّن المزيّنة في تدليل رغباتي المجنونة.
تحوّل عروسي إلى حوريّة من حوريّات الجنّة. وتضع تحت يدي كؤوس الكريستال وقوارير الخمر المعتقة وأصناف من المكسّرات اللّذيذة : لوز وفستق وبندق وأجبان مستوردة من الخارج وتنادي على الطهاة ليفضحوا طاولة العشاء.
فتتعرّى الطاولة لتكشف عن لحوم وأسماك مشويّة ومقليّة ومتبلّة ببهارات الهند والسّند من كلّ الألوان والأصناف.
أتعشّى وأطلب من شهرزادي حكاية جديدة. حكاية لم يسمعها أحد قبلي حكاية الجسد المستثار في فحولته والجسد المستباح.
تحكي شهرزاد حكايتها الّتي تعلمتها من الجدّات والخالات والعمّات والجارات والصّديقات.
تحكي حكايتها التي تعلّمتها من ابن الجيران.
تحكي حكايتها الّتي تعلّمتها من خطيب الفرصة الضائعة. تحكيها باتقان . تحكيها برعونة. تحكيها بصخب . تحكيها بصمت.
تحكي شهرزاد حكايتها مرة باكية ومرات مسرورة.
وأنا أمضغ تحت أضراسي مراراتي وحزني. وأحلم بالطّفل الذي سيكون.
أحلم بالثّروة الّتي ستذهب في جيوب الورثة.
أحلم بالعمر الهارب والشّباب الّذي لن يعود .
أحلم ببثينة تزور “دار سيباستيان”. تجمع من فوق رمال الشاطئ خلايا الجسد المبذول للبحر.
أحلم بتمثال ” لسيباستيان ” داخل زاوية صغيرة في حديقة القصر وبزلزال يهزّ قبر جميل.
وأظلّ أحلم. وتظلّ شهرزاد ترضي غروري الكاذب بفحولة مفقودة. إلى أن ترنّ في مرقص النّزل دقّات منتصف الليل. فأغادر الحكاية من بابها الواسع.
في الصّباح أطرد عروس البارحة من المعمل
أطلب من المحاسب أن يدفع لها أجرة شهر كامل وأن يضع لها في ظرف خاص يسلمه لها عند الباب، إكراميّة المدير.

أنـا بثـينـة

كنت في قاعة الأساتذة وحرب الخليج الثالثة على وشك النّهاية. كانت الدّبابات الأمريكية تجوس في شوارع بغداد. وكان ” العُلوج ” يكفّنون وجه الرئيس صدّام حسين بخمسين نجمة ويضعون حبلا في عنقه. ويسحلون تمثاله على إسفلت الشوارع.
وأنا المريضة بعش عزيزا أتقلى على الشّوك بين مظاهرات التّأييد لأمريكا وقلوب النّخل المشويّة بنيران الصّواريخ. بين عظام المقابر الجماعية المفروشة أمام عدسات التّلفزيون وخرائب متحف بغداد.
بين متحدّ لطغيان أمريكا وشامت في هذه الأمّة الملعونة داعيا إلى وأْد رجالها أو تحويلهم في أحسن الحالات إلى مواطنين في مدينة النّحاس.*
في فورة غضبي رأيت معلّقة على جدار القاعة.
في الصورة تمثال لنصب الحريّة.
التمثال يمدّ يده رافعا شعلة النّار المقدّسة تهدي الضّالين إلى طريق الخير والسّعادة. انقضضتْ على الصّورة وأنا أصيح.
فكرّت في تمزيقها ثمّ تراجعت.
خيّرت أن أنهال على النّصب بجمع يدي.
ضربته بالجمعين حتى أدميته.
وهشّمت رأس المرأة الشامخ بكرياء .
وأطحت بشعلة النّار المقّدسة على الأرض.
دست الشّعلة برجلي حتّى انطفأت.
ووقفت ألهث وأتصبّب عرقا.
لم يجرأ واحد من الأساتذة على الاقتراب من غضبي.
ظلّوا صامتين إلى أن قطع صمتهم السيّد المدير الذي وصل وأنا أردّد بعنف المهان:
- لو كانت أمريكا رجلا لقتلته1 !
قال وشبح ابتسامة ساخرة يزيّن وجهه:
- لكن ما العمل يا استاذة وأمريكا امرأة مغناج
امرأة سادرة في غيها.
امرأة مستهترة ” بالجليل من الأمور وبالحقير2″ بَايْلَهْ على الدّنيا وما فيها.
ونحن أهل الشرق ضعفاء أمام جبروت الأنثى.
ألم تقولي لنا في أكثر من مرّة إن ” الأنثى هي الأصل” 3
وإنّ أمّة العرب العاربة والمستعربة ما فتئت منذ بداية الخليقة تعبد الأنثى من ” عشتروت” و”تانيت” إلى “اللاّت” و”العزى” و”مناة” الثّالثة الأخرى.
وأمريكا هي ربّة هذا العالم المصنوع من “بسكويت” و”أتوم”. أمريكا هي الآن ربّتنا يا سيّدتي.
هي ربّة التّوحيد الجديد لأمم الأرض قاطبة .
ثمّ وهو ينهي حديثة بهزة من رأسه قال إنّ وليّا يريد مقابلتي في أمر يخصّني.
طلب منّي الرّجل أن نبتعد عن القاعة بضعة أمتار وهمّ بالحديث لكنّه تراجع في آخر لحظة.
رآني في حالة نفسيّة صعبة فارتبك وظلّ صامتا. ثم فجأة، أدخل يده في جيب حقيبة صغيرة معلّقة على كتفه ومدّ لي شريط ” فيديو” وهو يقول:
- توجد مع الشريط رسالة فيها عنواني ورقم هاتفي. اتصلي بي إذا رغبْت في ذلك . ستجدينني طوع بنانك. وانصرف دون أن يلتفت وراءه.
ودقّ الجرس فاعتذرت للمدير عن مواصلة العمل وعدت إلى داري مهدودة القوى .
أهملت الشّريط وإعداد دروس التّلاميذ ونظافتي الشّخصية وانهمكت في نوم مرضي طيلة ستّة أيام متتالية تقوّتّ خلالها بالحليب والبسكويت وبأخبار الزّلزال المدمّر الّذي هزّ كياني وأنا أرى دبابات المارينز فوق جسور دجلة. وأسمع عن جنود الحرس الجمهوري العتيد الذين خلّفوا بزّاتهم العسكريّة في الشّوارع وعادوا إلى ديارهم غانمين. كلّ هذا بعد أن وعدنا وزير الإعلام العراقي بدحر العلوج وتقتيلهم شرّ قتلة !
في اليوم السّابع هزمني الملل فقمت أتمشّى في البيت . ذهبت إلى المطبخ لإعداد قهوة وعدت إلى “الصّالون” فقابلتْني جقيبة المدرسة. وتذكّرت الشّريط. أخرجته من الحقيبة وأودعته داخل جهاز البثّ. وشغّلت التّلفزيون. اندلعت الصّور أمام ناظري.
صور اشعلت في جسدي نارا تلظّى
جعلتني هشيما كعطف مأكول.
حوّلتني إلى حطام امرأة .
فشربت قارورة من ماء ” الجافال” .
وعدت إلى النّوم.
وأرغمْت قلبي على الكفّ عن الحياة في أكثر من مرّة . لكن الأطبّاء كانوا يعيدونني إلى الدّار الفانية كلّما أمعنت في الهرب منها. وعاد ” ابن نعيمة” من رحلة قادته إلى بلدان شرق آسيا فأعلمته الخادمة بإقامتي في مصحّة ” الشفاء”. فجاء يسأل عن حالي ويتودّد إلى جثّتي المشدودة إلى الدّنيا بأنابيب من البلاستيك وخيوط كهرباء وأوراق كارطة مصفوفة فوق ” الكوميدينو” بطريقة بريئة جدّا في النّهار . أوراق كارطة تلاعبني بها الغجريّة صديقة أبي إذا جنّ الليل وقلت الحركة في عنابر المصحّ وبيوته.
يفاجئني دائما حضور تلك المرأة. استحضرها في ذهني. فتدقّ الباب وتدخل يسبقها رنين خرز عقودها وخشخشات أساورها. تسلّم وتجلس على جانب السّرير. تعرض عليّ ألعابها الجديدة وقراءاتها المبتكرة لمدلولات أوراق الكارطة. وتخرج قبل أن أطرح عليها أسئلتي الكثيرة. لم تترك لي يوما واحدا فرصة لطرح السّؤال.
أحسست بوجود ” ابن نعيمة ” داخل الغرفة المعقّمة. شممت رائحته، رائحة عفن ممزوج بعطر “كريستيان ديور”. فعادت روحي تخبط من جديد على بلّور شفّاف يؤدّي مباشرة إلى أبواب جسدي.
فتحت للرّوح الأبواب على مصاريعها. وقمت أنزع عنّي أنابيب البلاستيك وخيوط الكهرباء.
وتأبّطت ذراع فائز. وعدت إلى الدّار أمام أنظار الأطباء الفزعين الذين تهافتوا على غرفتي من كلّ أقسام المصحّ.
وقفوا مشدوهين ينظرون إلى هذه المريضة العائدة إلى الحياة. هذه المريضة العائدة من وراء أبواب القبر الموصدة بألف قفل.
مشوا ورائي خطوات فرفعت في وجوههم تحيّة وعدت إلى ذراع فائز أتأبّطها وأدقّ الجليز بكعبي العالي.
اشترطت عليه أن يضع بين يديّ ألف نوع ونوع من أوراق اللّعب حتى لا أعود إلى متاهات العدم .
فوافق.
وتحولت إلى ” دقازة” سوري.

أنا فائـــز

بعد أن عادت بثينة من رحلة الموت وشفيت تماما من مرضها. طلبت منها أن تستقيل من التّدريس في المعاهد الثّانوية. وعندما احتجّت وضعت بين يديها كنّش شيكات ممضى على بياض.
وعندما عادت إلى الاحتجاج قلت لها:
- غدا سنزور “ياسمين الحمامات” وبعد الزّيارة سيكون لنا كلام. نبتت على شفتيها ابتسامة. ولكنها انطفأت بسرعة حين التقت نظراتنا.
صبرت وأنا أترقّب ردّها الذي طال . صبرت إلىأن قالت .
- موافقة !غدا نزور الحمّامات الجديدة ! أليس كذلك !
فجاء ردّي سريعا:
- نعم ! لا شأن لنا بكوابيس الماضي! سنزور غدا ” مدينة جديدة طلعت من قلب الجنّة!
- وعدتني الغجريّة : سيّدة ألعاب الحظّ ، منذ أيام بحياة جديدة في مدينة جديدة.
- وعادت إلى الصّمت.
تركتها لصمتها المقدّس وذهبت أنام. لحقت بي بعد قليل. نزعت ملابسها. وارتدت منامة خفيفة. وتمدّدت بجانبي. أعطيتها وجهي فقبّلتني على الوجنتين ثمّ أطفأت الفانوس الصّغير المعلّق في متناول يدها. ودهمنا صمت ثقيل يقطعه بين حين وآخر صوت نباح الكلاب وعويلها. فنمت ورأسي على كتفها.

أفقت في الصّباح على رائحة القهوة النّفاذة. قدّمت لي بثينة فنجانا يعبق بالشّذى وأعلمتْني أنّ السّائق أخبرها أنّ السيّارة جاهزة. ترشّفت فنجان القهوة ثمّ قفزت من السّرير وذهبت إلى الحمّام. اغتسلت وتعطّرت وتأنّقت في ملابسي وسبقت بثينة إلى السيّارة. بعد دقائق لحقت بي يسبقها عطرها الشّهي. فدارت العجلات. وانطلقت السيّارة تنهب الأرض نهبا. بعد أقلّ من ساعة وصلنا إلى مدينة “الحمّامات”. حطّ النّدى على كتفيّ. وامتلأ الجوّ بعطر الياسمين. فلم أقف إلاّ أمام أسوار ” المدينة “. أطفأت المحرّك. ونزلت. فتبعتني بثينة. كنّا أمام باب شبيه ببَاب الدّيوان الحارس الأمين لأسوار صفاقس العتيقة.
اقترب مّني شابّ أنيق. سألني إنّ كنت فائز الرّابحي . أجبت أن نعم. فأعلمني أنّه الدّليل المكلّف بمرافقتي في زيارة ” المدينة”.
ثمّ أضاف وهو يسلّم على بثينة ويقدّم لها باقة ياسمين:
- أنتما في ضيافتنا هذا اليوم .
أعجبني تودّد هذا الرّجل فبادلناه الودّ. وسرنا وراءه.
قال: سنزور المركّب السّكني أوّلا ثمّ نعرج بعد ذلك على المركّب التّجاري وأماكن التّرفيه واللّهو والاستجمام والمطاعم. ولن يفوتنا متحف الأديان ورواق التّاريخ والحمّام العربي دار الزّربيّة وسننهي الزيارة بمدينة الألعاب “كرطاغولاند”.
قالت بثينة وقد لمعت عيناها:
- يا الله ! كل هذا في مدينة واحدة على مرمى قرنفلة من تونس.
فردّ عليها الدّليل وابتسامة واسعة تنير وجهه:
- نعم يا سيّدتي ! والخافي أجمل !
قادنا الشّاب الودود إلى حيّ يأسر بجماله . تناثرت مساكنه فوق زربيّة من الخضرة اليانعة. منازل على الطّراز الأندلسي ودور من النّموذج التّقليدي للدّار العربية المتناثرة فوق أديم تونسنا. جمّعت كلّ هذه الأشكال في مكان واحد وزيّنت بالحدائق الغنّاء والمسابح البهيجة. وقفت بثينة وسط حي”البستان” مذهولة تتأمّل هذه المباهج التي تنعش القلب الكليم بينما كنت أتبادل أطراف الحديث مع الدّليل حول إمكانية شراء دار في هذا الحي فأعلمني إنّ ذلك مًمْكنًا ثمّ عاد ليؤكد بأنّ ملكية الشّقق قائمة على تقاسم الوقت بين المالكين لتعمّ الفائدة الجميع. ثمّ أشار لحَيّ آخر قائلا: ” أما هذا فحيّ الرّياض. وصمت أمام ذهولنا ودهشتنا.
ناديت بثينة فأقبلت تحجل. سألتها أيّهما تختار : حيّ “البستان” أم حيّ “الرّياض” فأجابت: “حي البستان فتّان وحي الرّياض روضة من رياض الجنّة. وأنا في حيرة من أمري. اترك لي فرصة أخرى لمزيد التفكير وإعمال الرّأي.
كان الوقت قد سرقنا قبل أن نصل الأسواق. فقادنا الدّليل إلى مقهى صغير. في ركن قصيّ من حديقة وارفة الظلال . جلسنا على الكراسي الخشبيّة الأنيقة المطرّزة الحواشي بخيوط فضّية. وانهمكنا في تناول القهوة التّركية والحلويات : بقلاوة ومقروض وأصابع علجيّة وآذان القاضي. والدّليل يسمّي الحلويات بأسمائها العتيقة ويعرضها على بثينة. وبثينة المفتونة بكلّ شي تأكل منها وتضحك وتنادي عن النّادل ليزيدها من خيرات ” المدينة “.
ثمّ قام الدّليل فتبعناه والنّشوة تغمرنا فقادنا إلى الأسواق.
دخلنا من خلال باب قديم يذكّر بباب البحر حتّى أنّني ظننته هو بذاته نقل حجرا حجرا من أمام أسواق تونس القديمة ووضع في هذا المكان. فبقيت مبهورا بهذا الشّبه إلى أن وخزتني بثينة من جنبي وهي تشير إلى أربعة فنادق.
قال الدّليل: هذه أسواق القلاّلين والجلد والنّحاس والبلاّر. في كلّ واحد منها تحف تغنيك عن سابقاتها. هل ترغبان في زيارتها.
فقالت بثينة: ” أتركها إلى فرصة أخرى. سأدمن زيارة هذه الأماكن لا محالة!
ردّ الدّليل:” كما يشاء السيّد فائز وحرمــه”
ومشى . فمشينا وراءه داخل أجواء العهود القديمة عدنا إلى زمن الحفصيين والمراديين. ورأيت وجوها أندلسيّة بيضاء مشربة بحمرة تعرض أنواعا من الأقمشة الحريريّة الراقية على واجهات دكاكينها.
وارتفعت طرقات المطارق على النّحاس. ونداءات الباعة على البضائع المستوردة من البندقيّة وبلاد فارس وأرض السّودان . مشينا داخل غابة من الألوان الزّاهية والرّوائح المُسكِرة تحت أضواء شاحبة تذكّر بالعهود الغابرة إلى أن خرجنا من الأسواق من خلال منارة رائعة التّصميم لنقترب قليلا من المطابخ التي تعجّ بها “المدينة”. مطابخ تسيل اللّعاب من فمّ الشّّبعان وتجعل البطون المتخمة تقرقر. منها الإيطالي والفرنسي واليوناني والمكسيكي والأغرب منها جميعا مطبخ الهند الصّينية.
دعانا الدّليل أن نختار فلم نجد أجمل من الكسكسي بلحم الخروف الطّري.
قالت بثينة سأكتشف المطابخ الأخرى خلال زيارات قادمة. أما الآن فأريد أن أطعمك من يدي قطعا من لحم العلّوش مع الكُسْ كُسْ يا عزيزي لعلّ وعسى !وغمزت بعيْنها. فانهمكنا في الأكل وكأننا جوعى منذ ثلاثة أيام. والدّليل يضحك ويتحفنا بالنّكات الّتي سمعها من ضيوف الشّرق العربي كلّما قدّم لهم صحن الكسكس.
قال يوشوشني في أذني إنهم يعشقون هذه الأكلة الّتي لا يعرفها أهل الشّرق. ويطلبونها مهمهمين، ضاجّين بالضحك فوق لحاهم الطّويلة .
- أيّ والله يا طويل العمر! هذا الطعام أحلى من كُسَّينْ إثْنَيْن!
- فضحكت ملء شدقي وفهمت معنى تقطيع بثينة للكلمة قبل قليل. فردَدْت عليها غمزتها. وقمت واقفا ابغي المزيد من المتع. وقفنا داخل متحف الأديان فاندهشت لقدرة الإنسان على تحويل الخيال إلى واقع. فهذا جامع عقبة بن نافع وهذه غريبة جربة معبد اليهود في تونس. وهذه كنسية سان لوي وكنيسة داموس الكرّيطة بقرطاج. ومعالم دينية إسلامية كثيرة أخرى في تجسيم رائع يخلب اللّب ويقطع الأنفاس.
وزاد الدّليل في إدهاشنا حين حدّثنا عن رواق التّاريخ. فقد قطع صمت الّلحظة فجأة زعيق فيلة حنبعل وحمحمة خيول فرسان العرب الخارجين من جزيرتهم قاصدين وجه الله الكريم. وصراخ القراصنة وسط أمواج البحر العاتية. وتكبيرات المجاهدين. وتسبيح الكهنة في المعابد الفينيقية. ودعوات الرّهبان في أديرة الرّومان.
قال : سنعرض هنا مسرحيات تحكي تاريخ هذه البلاد من عهد قرطاج حتى الآن. سنضع التّاريخ أمام الزّوار وسنمكّنهم من اكتشاف ماضيهم بتقنيات الحاضر صوتا وصورة.
التفتّ أبحث عن بثينة فوجدتها واقفة أمام لوحة تمثل الإله بعل حمّون صحبة الإلهة تانيت. كانا منهمكين في عشق إلهي مجنون . ربّ يعشق ربّة . يمدّ لها يده فتضعها على قلبها . وتمدّ له يدها فيضع عليها قبلته الإلهية.
كانت بثينة تزداد بعدا عنّي كلّما اقتربنا من التّاريخ القديم. أرى نساء أخريات يخرجن من تحت ثيابها العصريّة مرّة في زيّ نساء قرطاج ومرّات في أزياء غربية رومانيّة وإسلاميّة. أراها مرّة عارية تماما ومرّات تضع قطعا من جلود الغزلان والنّمور على جسمها الرّشيق . أراها مرّة في ثياب فلاّحة إغريقيّة ومرّات في زيّ أميرات الشّرق القديم.
فأكتم سرّي ولا أبوح بالرؤية لأنّ العبارة تضيق عن وصف ما أرى.
ناديت. فعادت إلى الحاضر عودة المتعب من رحلة شاقّة. ربّت على كتفها وطلبت منها العودة إلى السيّارة.
قال الدّليل:
- لكنّنا لم نزر “كرطاغولاند” والحمام العربي ودار الزّربية .
قلت :
- المدام تعبة! سنزور تلك الأمكنة مرة أخرى! استجابت بثينة لرغبتي بطواعية لم أعهدها فيها. وودّعنا الدّليل. وضعت في يديه ورقة نقديّة. حاول رفضها. لكنّني اشتددت في الإلحاح فقبلها شاكرا.
شدّ على يدي. ورأيت أنّه يشدّ أكثر على يد بثينة.
وغادرنا ليفتح الباب لزائر آخر.

أنا بثينــة

بعد أيام وجدت مفتاحا فتّانا ذكّرني بالمفاتيح الأندلسية التي رأيتها معروضة داخل خزائن بلّوريّة في متحف باردو. تحت المفتاح ورقة يقول فيها فائز إنه اشترى لنا” دار السّعادة” بحي الرّياض في ” المدينة”.
قلّبت المفتاح في يدي. ودسسته في قلبي. ثمّ كتبت ورقة الاستقالة من التّدريس. ووضعتها فوق السّرير.
ومن يومها تغيّر حالي.
صارت ” المدينة” إدماني ومتعتي وعذابي .
أوّل يوم وقفت أمام ” دار السّعادة ” وجدت الغجرية في استقبالي .
قالت وهي تضمّني إلى صدرها:
- ها قد تحققت نبوءتي ! وها أنت أمام دارك الجديدة !
اتركي لي المفتاح واذهبي أوّلا إلى الحمّام.
تطهّري من رجز الشيطان.
والبسي جلدك الجديد.
ثمّ عودي ستجدينني في انتظارك أمام الباب يا ابنتي.
ثمّ أضافت:
- اركني السيّارة هنا، واذهبي على قدميك!
تركت السيّارة في ظلّ ممدود ، تحت الحائط القبلي للدّار. وذهبت مسلوبة الإرادة إلى حيث لا أدري. مشيت في شوارع مزدانة بالأزاهير الفتّانة والاشجار اليانعة. وكلّما ازددت توغّلا في الحيّ ازداد عجبي لهذا الجمال.
مسابح تعبق بالروائح اللّطيفة في كلّ مكان وأطفال يلهون مع أمهاتهم وكلابهم وألعابهم. ورجال لا يلتفتون إلى العجب العجاب. كأنما صنعوا من طينة أخرى غير التي أعطتنا العقد الشرقيّة القاتلة.
تهت في هذه الشّوارع والسّاحات والحدائق إلى أن هزّ سمعي دقّ على البنادير والطّبلة وغناء رخيم فيه ترديد لذكر الله ورسله وملائكته والصّالحين من عباده. كانت الأصوات تقترب شيئا فشيئا من السّاحة العامّة حيث اجتمع خلق كثير احتشدوا يستمعون إلى التّرانيم الدّينية ويشاهدون بإعجاب تلويح الأعلام والصّناجق.

رأيت في أوّل الصّف شاباّ في كامل زينته: قميص أبيض تحت جبّة حريريّة. بينهما بدعيّة مزركشة بخيوط من الفضّة المطرّزة تطريزا غاية في الجمال والدّقة. وفوق كتفه إزار مطويّ من القماش الرّفيع المذهّب الحواشي. كان ينتعل بلغة من الجلد الأحمر ويضع على رأسه شاشيّة مجيدي يتدلّى منها عرف تهزّه النّسمات البحريّة ذات اليمين وذات الشّمال.
اقتربت من أحد المارة وسألته عن الحشد فأجابني:
- هذا احتفال “المدينة” بعرسانها.
قلت مستغربة!
- لكنّ النّهار مازال في أوّله.
فأردف :
- الجميع ذاهبون إلى الحمّام يا سيّدتي.
فمشيت وراءهم. وردّدت معهم المدائح والأذكار إلى أن حطّ بنا الترحال أمام بنايتين متجاورتين وسط غابة غنّاء تزدهي بالخضرة والنّضارة.
قصد المحتفلون بالعريس حمّام الرّجال . وقصدت حمام النّساء. وجدت في استقبالي امرأة كهلة. رحّبت بي. ورشّت على يدي الممدودة للسّلام قطرات من العطر الفوّاح. ومدّت لي كأسا به شراب لذيذ رطب حلقي وأنعشني. ثمّ قادتني إلى سقيفة بها دكك ومساطب من اللّوح المنقوش والجليز المحلّى بصور لحيوانات خرجت لتوّها من غياهب الماضي:انسيات يحملن ذيول حيتان ورؤوس نمور وأسود ونهود شهية لذّة للنّاظرين وانهار وأطيار وفنون كثيرة من السّحر الحلال.
نزعت ملابسي ووضعتها على واحدة من هذه المساطب. فجاءتني المرأة بكيس صغير فيه لوازم الحمّام: مكحلة وسواك وطاسة طَفَل وكاسة وصابون معطّر. ومشت أمامي. دخلنا بيوت الحمّام واحدة واحدة إلى أن سدّ الضّباب الكثيف الرّؤية أمامي فانسحبت الدليلة. وتركتني وشأني حاصرني الضباب من كلّ الجهات. كتل من الضّباب المخدّر للحواسّ. ضباب كالعهن المنفوش. تتلمسه باليدين وتشمّه وتملأ منه الأحضان.
مشيت وسط هذا الضّباب. فرأيت أشباح نساء.
رايتهنّ سابحات كالأسماك. طائرات كاليمام. طالعات. هابطات. ذاهبات في كلّ الاتجاهات. خفت أن تصدمني إحداهنّ فثبتّ في مكاني أمتّع النّظر بهذه الاجساد الخارجة من لظى النّار ونعيم قطرات الماء الصّغيرة السّابحة في جوّ الغرفة الواسعة.
بقيت واقفة مدّة طويلة إلى أن حطّت على قلبي سكينة. دبّت في أوصالي دبيب الدّم في العروق. فانتشيت انتشاء المخمور بمدام الجنّة. ونبت لي جناحان. أحسست بهما يخرجان من تحت الكتفين فبدأت في السّمو. طرت مع نساء الحمّام في لجج الهوى. فزدت انتشاء. وبدأت في الابتعاد عنهنّ إلى أن وجدت نفسي وحيدة في غرفة صغيرة بها سرير وطاولة عليها معدّات جراحة. جلست على السّرير فانفتح باب جانبي في وجه الحائط دخلتْ منه امرآة تلبس مئزر طبيبة. ورأيت في عيني المرأة حبّا كبيرا وحنان أم.
وقفت لها. فأجلستني وهي تضع يدها على كتفي العارية.
قالت:
- لا تخافي يا ابنتي! سأشرح لك صدرك وأضع عنك وزرك ! الّذي أنقض ظهرك
وزرقتني بإبرة في الرّدف.
حين أفقت. وجدت نفسي راقدة فوق سرير مرتّب.
ورأيت المرأة التي استقبلتني تبتسم وتعود للتّرحاب بي .
قالت:
- قومي يا عزيزتي! لقد انتهى الآن كلّ شيء!
ثمّ أضافت بعد قليل.
- لن تريْ بعد الآن هذه الدّنيا كما يراها كلّ النّاس!
لقد أصبحت لك عين ثالثة يا حبيبتي.
ووضعت فوق سريري الملابس التي دخلت بها الحمّام.
كانت ملابسي نظيفة ومكوية تفوح منها رائحة الصّابون وبخار الماء المعطّر!

أنا فائــز

زرت بثينة في دارنا الجديدة “بالمدينة” بعد أن غادرتْ تونس منذ أكثر من شهر. كنت بنيت خلال غيابها قاعة كبيرة في الحديقة لأعمالي الخاصّة.
أعرف أنّ هذه البناية لن تعجب بثينة. فشكلها مزعج. وأبوابها من الصّلب المصفّح. ونوافذها عالية تسيّجها أعمدة من الحديد المفتول. ولكنّني أصررت على بنائها كلّفني ذلك ما كلّفني . فأنا أعرف مصلحتنا أكثر منها. وأعرف مدى ضرورة هذه البناية لحياتي المهنيّة.
تركت البنائين منهمكين في أعمالهم الأخيرة وقصدت الحمّامات.

قلت سأفتعل لومها لإهمالي وعدم السؤال عن حالي حين ألتقيها. وسأدّعي الإنهاك والإجهاد. وسأطالبها بمصاحبتي في رحلة بحرية على زورق تكتريه من مالها الخاص حتى تكفّر عن ذنب المفارقة ولحظة المعانقة.
لكن وأنا أقترب من الباب. لم أسمع جلبة الأحباب. فركنت السيّارة وأشهرت العبارة. ناديت بصوت فصيح. وصرخت بكلام مليح.
لكن لا حياة لمن تنادي. فبثينة قصدت النّادي بعد أن علّقت على الباب الدّاخلي رسالة للمنادي.
قرأت العبارة فأسْرَجْتُ السيّارة. وقصدت مدينة الألعاب لعلني أظفر بالأصحاب. جلت في “المدينة” جولة المتعب. من الظّهر إلى المغرب. فلم أجد لها أثرا . ولم أعرف لها خبرا.
فلما هممت بالرّجوع، والقلب منّي موجوع، ونارها تصطلي في الظّلوع. حانت منّي التفاتة. فإذا بثينة تلعب العابها. وتعرض أوراق الحظّ على أصحابها. ناديتها فلم تسمع ندائي. ورجوتها فلم تسمع رجائي. فعدت إلى تونس. أبأس من نبيّ الله يونس.1

أنا بثينــة

زرت أماكن كثيرة في هذا العالم الفسيح ولكن لم أر في حياتي أجمل من”كرطاغولاند”
“كرطاغولاند” اللّهو والّلعب والثّقافة والأدب والسّياحة والجري وراء الاكتشافات والمتعة والمغامرات.
فليس من السّهل أن تتحدّى “عالم التانيت”
وأصعب من ذلك أن تكتشف ” كنز قرطاج”
لتجد نفسك بعد ذلك وسط الصّغار والكبار داخل معبد ” البعل”.
في كرطاغولاند” مارست عملي بشغف. لم يعترض أحد على ألعابي الكهنوتيّة. أقدّم نفسي للجميع على أنّني كاهنة معبد البعل وأعرض عليهم أوراقي فيسقبلونها بترحاب عجيب.
” دقازة، يقول الصّغار، فتنهرهم الأمهات:
- حرام ما اتقولش دقازة قول : Voyante
ويضيف الرّجال بحكمة:
- اتكونش مشاركة ربّي في علمو يا ولدي؟
- ولا أهتم . لا ألتفت لغنج النّساء ولا لحكمة الشّيوخ. أمضي من محطة ألعاب إلى محطّة لهو تسبقني شقشقة عقودي ورائحة عطوري وجاذبية لا تقهر.
كنت أبحث عنه.
أبحث عن رجل ضاع منّي يوم غادرت سفينة نوح وهي تحطّ على الجودي. عرفت أنني سألقاه هذه المرّة في “كرطاغولاند”
قالت لي عيني الثالثة إنّه هنا فظّلت ساهرة إلى أن لقيته في مرقص ليلي.
طلبت كأس “ويسكي” مع قطع ثلج، وانزويت في ركن قصّي من المرقص بعيدا عن الصّخب والعنف.
بدأت في ترشّف السّائل الّذيذ رشفة رشفة وفي النّظر إلى ظلال الرّاقصين والرّاقصات.
وطالت جلستي إلى حدود منتصف الليل.
أبدل النّادل كأسي أكثر من خمس مرّات وجاءني بطشت مملوء قطعا ثلجية ومازحني قائلا:
- هذا ” حبّ التبروري” * الذي تهوين. صنعته من بخار السّماء وخبّأته لك في الثلاّجة.
قلت شاكرة فضله:
-Merci , c’est un cadeau de l’au –delà !
فأمّن على كلامي بانحناءة رائعة ومضى إلى غايته.
ساعتها جلب انتباهي حضوره قريبا منّي.
بيني وبينه طاولتان وعمود من المرمر.
هزرت رأسي فالتقت الأعين.
نظرته جريئة تباغت القلب كحبّ الرّصاص.
ابتسمت. فردّ على ابتسامتي. ورفع في وجهي كأسه قائلا:
- في صحّة أجمل امرأة في العالم !
بادلته التّحيّة. فقام وحوّل جلسته من وراء عمود المرمر إلى أمامه.
جلس قبالتي وهو يقول:
- منذ أكثر من ساعتين وأنا أحاول لفت انتباهك ولكنّك كنت في مكان آخر فاين كنت؟
جرأته في الجلوس أمام طاولتي وفي انتهاك حرمة وحدتي أربكتني. فأنا لست معتادة على ردّ الهجوم. كنت دائما صاحبة المبادرة. أضرب ضربتي الخاطفة وأقف مستعدة لتلقي الرّد.
أمتصّّ عنف هجوم الضّحية بسهولة ويسر. ولا أبالي بالذّي يحصل بعد ذلك.
ولكنّ هذا الرجل فاجأني.
نادى النّادل وطلب” دبّوزة ” * ويسكي بشريطين أصفر وأحمر.
قال متودّدا:
- أنا أموت عشقا في التّرجي.
أنا مثلك أعشق الأصفر والأحمر” Sang et or ” وقهقـه بخبث وهو ينظر إلى تنّورتي الحمراء المرقّطة بالأصفر.
رمى نظراته فوق صدري. ونزل إلى بطني المدسوس في التّنورة دسّا عنيفا. ثمّ هبط إلى الفخذين. ووقف عند الرّكبة برهة. وواصل فحيحه المهتاج:
- اللّون الأحمر والأصفر يليق بالأميرات وأنت أميرة هذا المرقص.
ومدّ يده يطلبني للرّقص.
التفتّ ناحية الرّكح الضّاج بالحركة واعتذرت. قبل اعتذاري دون كلام. ثمّ همس بعد دقيقة:
- لا داعي الآن للرّقص! سنختار فرصة أخرى إذا هدأت الموسيقى وصفا الجوّ.
كنت ساعتها في منزلة بين المنزلتين.
لم أدر إن كان من واجبي صفعه على خدّه أو الاكتفاء بنظرة احتقار أسحق بها كبرياءه وعناده.
ظللت مدّة أحدّق في وجهه الأبيض الممتلئ وفي سواد عينيه وأتذكّر إن كانت هذه العين الحوراء التي تطلّ بتحدّ تحت حاجب كثّ ، هي العين التي أبحث عنها.
تلك العين التي نحرتني وذهبت.
فجأة أخرجت أوراقي من حقيبة يدي.
” مشْكَيْت” الكارطة بعصيبة وطلبت منه أن يختار ثلاثة أوراق.
في المرّة الأولى مدّ لي ” موجيرة” كبِْ فأنمتها على ظهرها قبالتي. ثمّ أخرج من الطيّة ورقة ثانية.
عرض أمام عيني “موجيرة ” سباطة فأرقدتها جنب أختها. ثمّ بعد أن تمهّل في اختياره هذه المرة . دسّ في يدي ” موجيرة” ديناري . قال وهو يضحك بصخب:
- ما رايك يا عزيزتي !
ثلاث نساء دفعة واحدة !
عرضت عليه الأوراق مرّة أخرى وطلبت منه أن يكمل اختياره بورقة رابعة.
تردّد لحظة . ثمّ مدّ يده نحو الأوراق . أشار إلى إحداها وقال :
- أخرجيها بنفسك !
فأطعته، وأخرجت من بين أوراقي ” كوّال” ديناري.
صاح مهتاجا:
- « Un valet carreau » هذا أنا يا عزيزتي !
صحّحت محتجّة:
- Mme , s’il vous plait ! Je suis une dame , monsieur !
وقمت .
غادرت الملهى دون أن التفت ورائي.
لكنّ صورة ذلك الرّجل ظلت تلاحقني
في منامي وصحوتي
ظلّت تملأ وحدتي
تشقيني وتسعدني
تدنيني وتبعدني.
إلى أن قرّرت العودة ذات ليلة إلى مرقص الملهى في “كرطاغولند “.
وعجبت.
فما كان مكاني شاغرا
من بعيد،
رايته جالسا إلى طاولتي.
وحيدا ، كما لك الحزين.
أمامه قارورة ويسكي.
وكأس مليئة بالنور.
وباقة ياسمين.
هززت رأسي هزّة صغيرة في وجه النّادل. وذهبت إلى الرّكن الخلفي. وقفت قريبا من عمود المرمر فأشار إشارة ودّ. وقام يفسح لي مكانا للجلوس.
لم أعاند فجلست قبالته.
مدّ يده بباقة الياسمين.
تريّث لحظة يقرأ ردّ فعلي ثمّ اختار منها زهرة.
رشق الزّهرة في شعري.
ثمّ أمسك يدي وضغط عليها بلطف
قال وفي عينيه لمعة برق خاطف :
أتدرين أنّني أعرفك منذ ثلاثة آلاف عام.
فارتفعت دقات قلبي.
وزها الورد على الخدّين.
قلت في سرّي:
- هو أنت إذن !
وسكتّ.
شدّ على يدي مرّة أخرى. وبدأ في سرد حكاية عن الفينيقين الذين جاؤوا من ” صور” في الألفية الأولى قبل الميلاد .
قال إنّه كان يعمل بحّارا في السّفينة التي هاجرت فيها من فينيقيا إلى بلاد البربر.
ثمّ أضاف وهو يختلج اختلاجا عنيفا:
- لقد أحببتك خلال تلك الرّحلة التي دامت شهرا كاملا.
هدّأت من روعه. وطلبت منه أن يكفّ عن هذا التّخريف.
فانفعل أكثر وقال بعد أن عقد حاجبيه:
- مثل المرّة السّابقة! ها أنت تعاملينني مثل المرّة السّابقة!
لقد أهملتني في البداية ثمّ عشقتني في النّهاية !
وأضاف سعيدا أمام ارتباكي وحيرتي:
- أنا أعرف جسدك معرفة العليم بالأمور الخفيّة يا عزيزتي !
صدمتني بذاءته. فطلبت منه أن يصمت قبل أن أجعله فرجة الملهى.
قال وهو يضرب بيده على صدره :
- لن تقدري يا أميرة!
وفرقع قنبلته في وجهي:
- أعرف أنّ لديك خالا زيتونيّا بين النّهدين.
خال هنا. وأشار إلى الجهة اليسرى من صدري.
خال فوق دقات القلب مباشرة.
يا اميرة!
وضجّت قاعة المرقص بالصّخب.
خرج رجال متنكّرون في أزياء حربيّة رومانيّة وقرطاجيّة. يحملون في أيديهم الرّماح والسّيوف والتروس. وصعدوا على خشبة المرقص في استعراض حربي ضاحك. انتهى بأن قبّل ” شيبيُون الإفريقي ” جبين ” حنّبعل” فمدّ قائد ” قرطاج ” يده لبطل ” روما” وتصافحا على أنغام الموسيقى التّونسية الرّاقصة وهما يشربان نخب ” كرطاغولاند”

أنا فائــز

ما عادت بثينة تزورني في دار تونس ولا في معمل ” تاج العروس ومتعة النّفوس ” بعد أن سكنت دارنا الجديدة في ” المدينة”.
أسعدني غيابها وأتعسني.
فأنا لا أقدر على فراقها. ولكنّني ما عدت قادرا على قبول حضورها الطّاغي في حياتي.
ما أن أدخل البيت الجديد الذي شيّدته في الحديقة حتى يمتلئ المكان بها. أجدها أمامي أينما التفتّ. فكأنها تحفظ مواعيد تنقلاتي عن ظهر قلب.
تحوّلت امرأتي إلى جنّية. تخترق الحيطان وتمشي على السّقف.
تنهر أفعالي ، فأرتجف.
أسمع صوتها النّاهر وأنا وحيد فوق وسائد سريري.
أسمع صوتها الزّاجر وأنا في معمل البيت أخرج الخير من الشّر.
أسمع صوتها القاهر وأنا وسط البخار ونار السّعير.
ملأني حضورها في غيابها .
صارت تخرج لي من قارورة “الويسكي ”
أرى صورتها في مرآة زينة عشيقتي
تزلزل الأرض تحت رجليّ وتحوّل اتجاهات الشّاحنات الخارجة من داري . تقودها بعين في جبهتها إلى بحر الظّلمات . تملأها بالماء المالح. وتغرقها في جبّ بلا قرار.
صارت تنفخ في وجهي ريح جهنّم.
وتنزل فوق رأسي الأمطار الطوفانية بحركة من يدها .
هي جنّتي وجحيمي
هي موتي وانبعاثي
هي…
وتمنيت أن يغادر طيف هذه المرأة روحي.
تمنيت أن …
فامتلأ البيت الكبير الذي بنيته في الحديقة لأعمالي الخاصّة بوجه عريض.
وجه تشتعل فيه ثلاثة عيون.
عينان حوراوان مكحّلتان بالإثمد.
وعين ثالثة وسط الجبهة.
عين امتزجت فيها ألوان قوس قزح.
عين تطلق أشعّة كالنّار.
تقرأ السّرائر.
وتخترق الأسرار.
قالت لي مرّة : ( وكنت قد عرفت من النّادل الذي كلّفته بمراقبتها في المرقص ) إنّها اكتشفت كلّ خياناتي ما ظهر منها وما بطن.
- لماذا تدفع لقحابك ” كاشي” بالدّولار الأمريكاني؟
- لماذا لا تستعمل العملة الوطنية ؟
- فرددت عليها ساخرا .
- نكاية في …
ولم أكمل الجملة .

أنـا بثـينـة

وعدت من جديد إلى طاولة مرقص الملهى في “كرطاجولاند”. وظلّ صاحبي يقاسمني كل ّ ليلة شرابي ويحكي لي حكايات يصفو بعدها عقلي ويشفّ وجداني فأذكر ما فات من السّنين الخالية. يطلب الرّجل “دبّوزة ” “ويسكي” بشريطين: أصفر وأحمر ويكرع ويسقيني إلى أن يثقل لسانه. فتنهمر من فمه الحكايات:
هل تذكرين يا أميرة أنّ اسمك ” إليسار” وأنّ أباك أهداك إلى معبد الرّبة ” تانيت” في مدينة ” بعلبك ” وعمرك ثلاث عشرة سنة؟
هل تذكرين كيف بقيت في المعبد تخدمين الرّبة وكهنة الرّبة وضيوف الرّبة وعابري السّبيل خمس سنوات هلالا وراء هلال.
وفجّر في وجهي قنبلته الثّانية قال:
- أتدرين أن الرّجل الذي طحنه أبوك تحت عجلات الشّاحنة على الطّريق الرّابطة بين نابل والحمّامات هو الكاهن الأعظم ” عملقرت” ؟
فرددت عليه ساخرة:
- أخطأت المرمى يا صاحبي هذه المرّة . ذاك جميل بن معمر العذري عليه رحمة الله وبركاته !
أغمض عينيه وهمس كرفّة الفراش:
- جميل بن معمر العذري.
هو عملقرت الفينيقي.
هو مجنون ليلى.
هو روميو
هو ليوناردو دي كبريو.
هو أنا.
هو روح هائمة.
لم تجد إلى الآن ظلاّ تسكن إليه.
وترتاح.
وقرّب رأسه من وجهي ففاحت رائحة العنبر من خصلة بيضاء في شعره الأجعد.
وتذكّرت .
تذكرت أنّني شممت ذات مرّة منذ أمد بعيد في مكان شبيه بالدّير هذه الرّائحة .
ومسّني بعصا صغيرة في جبهتي فأظلمت الدّنيا أمامي. وتحوّل ركح الملهى إلى معبد فينيقي.
رأيت نفسي في المعبد.
كنت واحدة من العواهر المقدّسات.
أنا “إليسار” المقدسّة أمارس الجنس مع الكاهن الأعظم” عملقرت” في قلب الظّلام.
أحسست به يطعنني في وسطي بسيفه البتّار. فيتلوّى جسدي بين فخذيه. وأنهمك في رقصة مجنونة يصحبها نغم موسيقي يخرج من ثقوب في الجدران.
ويهطل من السّقف.
ويطلع من أعماق الأرض.
لحن متفرّد في حنانه.
لحن موجع في وحشته.
لحن مؤلم في عذوبته.
وفجأة ، انهمر الضّوء على المكان. فكأنّ شموس الدّنيا حطّت داخل المعبد.
امتلأت روحي بالنّور السّاطع. فقمت خفيفة من فوق المذبح أمسح بمنديلي قطرات دم جرت بين فخذيّ.
وأخرج الرّجل الجالس أمام طاولتي في المرقص منديلا. أخرج المنديل من جيبه وهو يقول:
- هاك منديلك يا أميرتي !
وأفرد فوق الطّاولة منديلا من الحرير الأبيض تزيّنه في الوسط زهرتا أقحوان.

أنا فائز

أخبرني نادل المرقص أنّ زوجتي مازالت تمارس لعبتها كلّ ليلة على الرّكح . تصعد فوق طاولة معدّة لعرضها. فتكفّ الموسيقى الصّاخبة عن رجم المكان بضجيجها. ويكفّ الرّاقصون والرّاقصات عن الهرج. ويعيد لاعب الثّعابين ثعابينه إلى صناديقها. وينزل “بوسعديّة” درجات الرّكح قفزا متبوعا بذيله وبقهقهات المتفرّجين. وتتسلطن بثينة فوق الطّاولة الرّحيبة. تخرج أوراقها من حقيبة يدها وتعرضها أمام المتفرجين بحركات استعراضية.
وتهمس في “الميكروفون”.
- من يحوز على “السّبعة الحيّة” يربح اليانصيب.
فتهطل بين يديها الدّينارات والدّولارات والفرنكات والرّيالات والماركات والسّوتيانات واللّيرات والكلاسين والدّراهم والخواتم والبوسات والغمزات والرّعشات والتأوّهات والتنهدّات.
تجمع “بثينة” هذا الكلّ في خلطة واحدة تضعها في صندوق أنيق من الذّهب الخالص المرصّع بالجواهر.
ويصعد شابّ وشابّة إلى جانبها: عزيز وعزيزة.
الشّابّ مخنّث وجميل كفلقة الصّبح.
والشّابة بهيّة . أحلى من كأس الآيس كريم .
يعصّب لها عزيز عينيها وينادي وهو يغنج أسماء المتسابقين.
يمرّ أمامها الجميع. يعرضون أصواتهم وسواعدهم فتختار في كلّ مرّة واحدا تضع بين يديه أوراق اللّعب.
ويختار الممتحَن ورقة يقدّمها لعزيزة.
وتقرأ عزيزة الصّورة
ويمرّ.
إلى أن تقع “السّبعة الحيّة” في يد المحظوظ.
فتزغرد عزيزة.
وتصبّ بثينة على رأس الفأئز محتويات الصندوق :
الدّولارات
والسّوتيانات
والكلاسين
والفرنكات
واللّيرات
والخواتم
والغمزات
والتأوّهات
والرّيالات
والتّنهّدات.
يقف الفائز مبهورا كأبطال الأساطير القديمة .
فتعرض عليه كنوزها
تقول له:
- اختر ما يغنيك عن الدّنيا وما فيها.
وتغمز الجميلة قلب الفائز.
ويغمز ” الدّولار” قلب الفائز.
وتصمت بثينة.
في العادة يختار الفائز الدّولارْ.
فتضع الجميلة على ظهره رزم الورقة الخضراء.
وتسوقه بسوطها : ” اِرْ…اِرْ…اِرْ…يا حِمارْ ”
وتهتز أركان القاعة على وقع هذه التّرنيمة
يرقص السّكارى وهم يردّدون:
” اِرْ…اِرْ…اِرْ…يا حِمارْ ”
وتنزل بثينة من فوق الرّكح.
فيعود “بوسعدية ” إلى ألعابه.
وصاحب الثّعابين إلى ثعابينه.
وتمتلئ القاعة بالمتنكرّين والمتنكرّات في حفل راقص لا أبهى ولا ألذّ منـه.
مرّة واحدة اختار فارس ملثّم بثينة.
أرقدها فوق الطّاولة . وطلب أن يمارس معها الجنس هناك
قال:
- لا حاجة لي بمال قارون!
أريدك أنت على ركح المذبح!
أريدك أنت أمام هذا الجمهور من المؤمنين!
صاح الحاضرون:
- على ركح الملهى يا كافر!
- فردّ على صياحهم:
- هذا معبد الآلهة “تانيت ” أيّها العميان !
وانصرف إلى غايته.

أنا بثينة

أدمنت السّهر في “المدينة ” لأنسى خيبات العمر ونسيت زوجي إلى أن أفقت من النّوم فوجته قد حوّل حديقة فيلتنا في أحواز تونس إلى معمل صغير. بنى قاعة فسيحة في ركن قصيّ من الحديقة وركّب فيها ثلاث غسّالات عملاقة وآلات تبخير وشفط. وصار يحوّل صناديق الأقمشة المستوردة من ايطاليا مباشرة من الميناء إلى الدّار. فتكدّس هذه الأقمشة في المخزن ثمّ تغسل وتشفط وترسل من جديد إلى مخازن المعمل.
حيّرني هذا الأمر وبلبل أفكاري.
وبقيت أعيش عذاب السّؤال إلى أن اكتشفت السرّ.
عرفت أن قطع الملابس تأتى من ايطاليا بعد أن تنقع في ماء مخلوط بمخدّر الشّيرة. فيعاد غسلها في المعمل الصّغير المدسوس في حديقة البيت ليستخلص منها المخدّر. ثمّ تبخّر وتصبغ من جديد وتعود إلى ايطاليا فساتين راقية مدموغة بطابع معمل ” تاج العروس ومتعة النّفوس”.
حدّثت زوجي بهواجسي فقال وهو يبتسم بخبث:
سأحقّق نبوءاتك يا عزيزتي:
معامل السيّارات
وبنوك سنغفورة
وفنادق هونولولو
أم تراك نسيت النّبوة!
فقلت حزينة.
قلت وأنا أرى العالم وقد تحوّل إلى جثّة عملاقة تنغل بالدّود :
- نسيت يا عزيزي !
وأخرجت من جيبي أوراق اللّعب .
عرضت عليه أن يختار ثلاثة أوراق .
أغمض عينيه ومدّ لي الأوراق الثّلاثة
قلت هامسة :
- قرْعة !
- ووضعت إصبعيّ السبابتين داخل أذنيّ وبدأت بالصّراخ .

أنا فائز

فتحت عيني ، فوجدت بثينة نائمة بجانبي . كان تنفسها منتظما . وكان صدرها يعلو ويهبط تحت الملاءات المزدحمة بورود الربيع . تمليت وجهها الصبوح وثغرها الباسم لملائكة الرحمان ، فنطت الفرحة داخل قلبي وغمرني فرح باذخ .
هي ذي ” بنت الرومية ” التي دست في جيوبي الصغيرة ، الحلوى والبسكويت وأصابع الشيكولاطة .
وبدأ الدق على الباب ، فانحنيت فوقها وأزحت بيدين مرتجفتين الملاءة التي تغطي صدرها الرحب ، فقابلني خال زيتوني بين النهدين .
ثنيت مرفقي ، وقبلت الخال ووضعت شفتين محمومتين فوق اللحم الأبنوسي ، فرمشت جفونها هنيهة لكنها عادت إلى السبات .
فعدت إلى لثم الخال والتمسح على عتبات الصدر الرحيب .
واشتد الطرق على الباب .
هي ذي بثينة بين يدي تغط في نوم عميق .
بثينة العاشقة .
بثينة المعشوقة .
يبثينة القاتلة .
بثينة القتيلة .
بثينة الموؤودة تحت ركام أحلام الأمومة .
بثينة المجنونة بطفل لم يعرف الطريق إلى رحمها .
بثينة العاقر .
بثينة الولودة .
وأنا فائز الرابحي .
أنا ذياب الهلالي .
أنا فارس العربان .
أنا الفارس الذي كبا حصانه ، فضاع عن الطريق التي تقوده إلى قلبها .
أظلني سراب الصحراء ، فتهت عند مفترق المسارب .
ولكنها ما يئست .
ظلت تنير لي الظلمة مرة بعد مرة ، لعل وعسى …
وازداد الدق على الباب عنفا وصخبا ، فغادرت الفراش وذهبت أفتح شباك ” الصالون ” ، فطالعني شبح قمر باهت يتسلق أعالي الأشجار ويغيب وراء سحابة كبيرة .
ولم أسمع نباح الكلاب .
فذهبت إلى المطبخ أتسلى بتحضير قهوة الصباح . تغالى الماء ، فصببت فوقه ثلاث ملاعق من القهوة التركية . وفار الخليط ، فامتلأت الغرفة بالرائحة الزكية .
ملأت كأسي وقصدت سرير بثينة . حركت كرسيا مركوزا بجانب السرير ، فأن وأحدث صريرا . فرأيت بثينة تفتح عينيها وتحدق في وجهي ، ثم تضع يدها تحت الوسادة .
قلت :
- يومك سعيد يا عزيزتي .
فابتسمت ابتسامة خفيفة ، وقامت تجلس فوق السرير .
انهمكت تزرر قميص نومها المفتوح على الصدر ، فذهبت إلى المطبخ .
أحضرت لها قهوتها ، ووضعتها أمامها على طاولة صغيرة بجانب السرير . وربت على وجنتيها .
قالت :
- أحس أن رأسي أثقل من جبل .
فقلت :
- قهوتي ستعيد لك روحك ، وتمسح عنك آلام الصداع .
فعادت إلى الابتسام وإلى دس يدها تحت الوسادة .
وعدت إلى التربيت على وجنتيها .
كانت مرتبكة . وكانت ترد على حناني بابتسامات خجولة ، فغادرت الغرفة وتركتها تتهيأ ليومها الجديد …
خرجت إلى الحديقة ، فتحركت حصيات الممرات تحت خطواتي ، وامتلأ صدري بالهواء البارد .
واقتربت من الباب ، فرأيت ورقة بيضاء كبيرة مشدودة بمسمارين صغيرين .
كانت نسمة الصباح تأرجح الورقة فتخفق كأجنحة الطيور الخائفة . اقتربت بخطى صغيرة ، فقرأت :
” وصلنا فجرا أمام الدار ، وضربنا الناقوس ، ثم دققنا على الباب أكثر من عشر مرات . ولم يرد أحد على ندائنا ” .
سحبت الورقة ، ومزقتها نتفا صغيرة ، ورميت النتف في وجه الريح ، فطارت كالفراشات المفجوعة .
وذهبت إلى المرآب ، فشغلت محرك السيارة .
أن المحرك وزمجر .
ولم تنبح كلاب الحراسة كعادتها كل صباح .
لم تنبح الكلاب …




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„