ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1221 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



طرح عليّ صديق روائي عندما حدّثته عن مشروع روايتي حول حنبعل السؤال التالي: ماذا ستضيف لما يعرفه الناس عن حنبعل خاصة أن الرجل استرعى انتباه عدد لا يحصى من الباحثين في ميادين عدة؟
السؤال وجيه وقد اقتنعت به عندما أخذت أطالع ما كان متوفر لدي من كتب عن هذا الرجل العظيم. لكن العمل الروائي هو عمل فني قبل كل شيء. ومن هذا المنطلق ركزت اهتماما كبيرا على هذا الجانب من عملي. ثم إن الأحداث التي نعيشها في بداية هذه الألفية الجديدة جعلت مسيرة حنبعل النضالية أسطورة لا بد من التذكير بها حتى لا ننسى أنه من واجب المؤمنين بقيم الإنسانية مقاومة الجبروت والهيمنة والتسلط.
وقد يظهر لبعض القراء أن الرواية خليط بين الخيال العلمي والتاريخ والسرد الدرامي. في الواقع، كنت أنشد ذلك المزيج، وكنت أبحث من خلاله أن أشق طريقا خاصة، بدأتها في روايتي الأولى “غار الجن “، وهي تعتمد تعرية الواقع بكل تناقضاته، واستشراف المستقبل من خلال ما يتوفر في واقع اليوم من إنجازات أو نكسات.
أرجو أني وفقت في إعادة بناء حياة حنبعل وبصفة عامة في تسليط بعض الأضواء على الحضارة البونية، التي مع الأسف الشديد، ولأسباب عديدة، لم تنل حضها من الدراسة والبحث. وأذكّر هنا أن هذه الحضارة هي منا وإلينا، وروادها أجدادنا، ونحن كتونسيين نعتز بها، ونشعر أنها صبغت كثيرا من طباعنا وعاداتنا وشخصيتنا.
المؤلف

الباب الأول

بحر النسيان

كان واحدا وثلاثين عمرا
وعابرا أوحد
مدّ يده في نحافة الغيم
وعاد بأجرة سمرت قدميه
ثم ولي وجهه شطر الغيوب
وقال لا يأس
إنه زمن العواصف
فويل لمن خفّ وزنه

آدم فتحي



1-

كانت أسماء تراقب بانتباه شديد هذا الرجل الغريب الجالس على الأريكة المقابلة للمصرف الذي تقف وراءه. كان شكل الرجل ولباسه ونظراته مسترابة. ظلّت فترة من الزمن تتبع حركاته دون أن ينتبه إليها، لكن عندما رفع نحوها بصره، ورمقها بنظرة خاطفة، تسمّرت في مكانها، وشعرت بقشعريرة تخترق كامل جسدها. أحست بتيار حاد ينبعث من عيني ذلك الرجل، فيعم كل كيانها. ظلّت لحظة متجمّدة في مكانها كالصنم، راشقة نظراتها في الرجل الذي وجه بصره نحو سقف القاعة الفسيحة لنزل عليسة الفخم. ولم تصح من ذهولها إلاّ عندما انحنى عليها زميلها مازحا:
-إلى أين ذهبت بك أحلامك؟
لم تجبه في الحين. لكن عندما وقف الرجل وتقدّم نحو باب القاعة مغادرا النزل، التفتت إلى زميلها سائلة مشيرة بإصبعها في اتجاه الرجل:
-من يكون ؟
ضحك ضحكة عالية وقال:
-لا بد أنه سحرك بنظرته… لقد وقعنا كلنا في سحر تلك النظرة.
ثم مد لها بطاقة ارشادات وتركها تقرؤها باستغراب شديد:
الإسم: حنبعل
اللقب: بركا
اسم الأب: عبد ملقرط
تاريخ الولادة: 10 ماي 247 قبل الميلاد
مكانها: قرطاج
بعد أن قرأت البطاقة، التفتت إلى زميلها، لكنها لم تجده. عادت تنظر جهة الرجل الغريب فلم تعثر له على أثر. ظلّت في ذهولها تمسك بطاقة الإرشادات غير مصدقة المعلومات المدوّنة عليها. ثم عادت تتثبت في تلك المعلومات حتى عثرت على رقم الغرفة: الجناح رقم واحد، أفخم جناح في النزل. وبدون أن تعي ما تفعله غادرت المصرف متوجهة إلى باب الخروج.
تقدّمت بخطى ثابتة نحو الباب العريض، وما أن تخطته حتى بهرها نور الشمس الحادّ. وضعت يدها أمام عينيها، وطفقت تتثبت في المكان باحثة عن الرجل الغريب حتى عثرت عليه يمشى الهوينا في ممر الحديقة الجميلة المزدانة بالأزهار، تفرش أرضها الخضرة. تحركت مترددة، لكنه التفت نحوها، فتسمّرت في مكانها لمّا أدركتها تلك النظرة الساحرة. وعادت تلك القشعريرة تعمّها، فخفضت بصرها تنظر إلى بلاط المدخل المرمري يتلألأ تحت نور الشمس المشعّة. ظلّت في جمودها وكأنها الصنم فترة من الزمن حتى شعرت بخطى تتجه نحوها. رفعت رأسها فتقاطعت نظرتها بنظرته، وشعرت بنفسها تذوب.
اقترب منها حتى لامس رداؤه الحريري زندها العاري، وفاح منه طيب عبق لم تعهده من قبل، أدخل فيها النشوة، لكنها لم تجرؤ على رفع بصرها نحوه من جديد خوفا من أن تذوب في مكانها. سمعت صوتا عذبا يهمس لها:
-ما لجميلتي مرتبكة؟
ثم أمسك بذراعها وعاد يهمس:
-فلنتمش قليلا.
تبعته وهو ما زال يمسك بذراعها، وقد نسيت الدنيا بأسرها، لم تعد تعرف شيئا سوى أنها انتقلت إلى عالم آخر ليس له أي صلة بعالمها. كانت تتبعه وهو ينزل الدرج دون أن تعي أن قدميها يتنقلان. كان الإحساس الوحيد الذي يذكرها بوجودها هو يده التي تمسك ذراعها: يد كبيرة تلتف على جزء هام من ذراعها لكنها ناعمة كحرير الرداء الذي يلفه، وقد غطى جزء منه كتفها.
مشى بها في ممر الحديقة الزاهية خطوات ثم انحنى عليها وعاد يهمس:
-أفهم جيدا ارتباكك وحيرتك. فقد وجدتني غريبا عن عالمك. ماذا ترغبين مني؟
لم تجرؤ عن رفع عينيها نحوه، لكنها سألت متلعثمة:
-هل أنت حقا حنّبعل بركا كما قرأت في بطاقة الإرشادات؟
سألها بلهفة:
-وهل كنت تعرفين حنبعل بركا من قبل؟
أجابت متلعثمة:
-قرأت عنه في كتب التاريخ.
بعد فترة من الصمت قال:
-أنا هو لحما ودما.
أسرعت تسأل مرتبكة:
-وهل كل المعلومات التي قرأتها بالبطاقة صحيحة؟
-تماما.
لاذت بالصمت. لم تجرؤ على البوح بشكوكها، لكنه عاد يقول بصوت خافت:
-أنا حنبعل بركا وإن كنت غير متحقق من هوّيتي.
ثم انحنى عليها وأمسك بذقنها ورفع رأسها محدقا فيها، وعاد يهمس:
-لا تخافي، لست من الأموات العائدين، ولا شبحا. إني حقيقة.
ثم مسك يدها ووضعها على لحيته وعاد يقول:
-لا بدّ أنك أحسست بخشونة الشعر الذي يكسو وجهي. إني إنسان مثلك.
وبكل تلقائية سألته:
-متى جئت إذن؟
صمت لحظة ثم قال:
-هنا تلقين سؤالا لا أستطيع الإجابة عنه. بصراحة: لست أدري، كل ما أعرفه أني أتيت إلى هذا المكان مساء البارحة، وجدت نفسي داخل النزل، بين جمهرة من الناس، وعندما تقدّم مني أحد مضيفي النزل وسألني عما أريد، قلت بكل تلقائية أني أرغب في الإقامة في أفخم جناح بالنزل. فدعاني المضيّف إلى الاستقبال، وطلب مني أن أعمّر بطاقة الارشادات، ففعلت. وبت ليلة هادئة في الجناح رقم واحد.
بعد أن لوّح لها بابتسامة غامضة سألها:
-أظنك تعرفينه؟
سألت مرتبكة:
-من؟
-الجناح رقم واحد.
-بالطبع أعرفه.
بعد فترة من الصمت سألته:
-وهل طلبوا منك أوراق هويتك؟
-كانت لدي بطاقة أمددته بها، وبعد أن سجلها في ورقة أرجعها لي.
كان حنبعل يتحدث إلى أسماء وهو يمسك وجهها ينظر إليها بكل انتباه، وهي تذوب من تأثير نظرته. عندما سألها إن كانت لا تمانع في أن تتغدى معه، قالت مرتبكة:
-لا يجوز للمضيفين مصاحبة حرفاء النزل، التعليمات صارمة في هذا الشأن.
كان بودّها أن تلبي رغبته. غير أنها بعد لحظة من الصمت قالت له دون أن تفكّر كثيرا:
-يمكنني أن أدعوك إلى بيت أهلي.
أسرع يجيب بنفس التلقائية:
-على الرحب والسعة.
-سأعلمك عن الموعد بعد حين. لا بد لي أن أعود إلى العمل.
تركته وانصرفت مسرعة إلى قاعة الاستقبال وهي تفكّر في المفاجأة التي ستحدث لكل أفراد أسرتها عندما ستقدّم لهم حنبعل القادم من أصقاع التاريخ.
ظلّت كامل اليوم تفكّر في حنبعل، وفي حديثه، وفي شخصه ورقّته وسحر نظرته. ورغم كل الغموض الذي يكتنف هذا الرجل، فقد أحست أنه أصبح جزءا من حياتها، وكأنها تعرفه منذ زمن بعيد.
ولما كانت تهمّ بمغادرة العمل، تذكّرت الموعد، فأسرعت تهتف إلى والدها تعلمه أنها ستستدعي شخصا مرموقا للعشاء في بيتهم يوم الغد. لم يمانع والدها، فهتفت إلى الجناح رقم واحد لكن أحدا لم يجب. صعدت الدرج بسرعة حتى الجناح، طرقت الباب وترقبت. فتح الباب وأطل منه حنبعل شبه عار، فراعها حسن جسده، وعضلاته المفتولة، لكنها قالت له مرتبكة:
-أستدعيك للعشاء في بيتنا يوم الغد، سيأتي أبي بنفسه يحملك في سيارته، أرجو أن تكون بالنزل حوالي الساعة السادسة مساء الغد.
ولمّا همت بالانصراف، مسك حنّبعل يدها برقة وهمس:
-ألا تدخلين قليلا نتجاذب أطراف الحديث، فكم مللت العزلة، ولم أتوصل إلى ربط علاقات مع سكان النزل، جلهم يتحدثون لغات لا أفهمها.
جذبت يدها بلطف وقالت:
-لا يجوز. تراتيب العمل لا تسمح.
وانصرفت مسرعة تنزل الدرج.

2

عندما انصرفت أسماء، بقي حنبعل يتبع خطاها في الممر الطويل القليل الإنارة تفرش أرضه طنفسة خضراء. كان يركز بصره على جسدها الممشوق ينساب بخطى ثابتة، يتموّج داخل بدلتها الصارمة: قميص ناصع البياض، وتنورة طويلة داكنة. حلت الفتاة في عينيه، فظلّ يتبع تنقلها في الممر حتى اختفت. أغلق الباب وعاد يرتمي على أريكة فاخرة، وذهنه ما زال مشغولا بالفتاة.
فجأة فتحت النافذة، وانزاح عنها الستار الشفاف الموصلي، واندفع من خارجها بساط يتنقل تلقائيا تجلس عليه امرأة عارية تماما. ذعر حنبعل للمشهد المتنقل أمام عينيه، وصرّ جسده داخل الأريكة الناعمة، وبقي يتتبع نزول البساط على أرض الغرفة.
نهضت المرأة العارية ووقفت أمام حنبعل، وظلّت تتفحصه. لم ير حتى في منامه أجمل من تلك المرأة. كانت طويلة القامة، متناسقة الأطراف، مكتنزة الصدر، نحيفة الساقين، ممتلئة الفخذين. لكن رأسها كان خاليا تماما من الشعر. بقي مبهورا بالمشهد، ينظر إلى المرأة بانتباه شديد، يفكّر في كل الاحتمالات وكأنه يخطط لشق جبال الألب. عندما ركّز بصره على عينيها، لم ترتبك، بل رمقته بابتسامة عذبة زادت في حيرته: لأول مرة في حياته لا تفلح نظرته في إرباك مواجهه.
اقتربت منه، ومدّت له قرصا صغيرا في حجم حبة الحمص، ثم أشارت إليه بوضع القرص في أذنه. فعل ما طلبت منه، وظلّ يترقب. سمعها تخاطبه بلغة غريبة، ثم جاءته الترجمة باللغة العربية، تنبعث مباشرة في أذنه عبر تلك الاسطوانة الصغيرة. سألته:
-كيف قبلك الناس من حولك في النزل؟
لم يجبها في الحين، ظلّ يتفحّصها بكل انتباه. ثم طفق يخمّن: “ليست هذه المرأة من الأرض، فقد تجولت في شرق الأرض وغربها ولم أر مثل هذا الجسد، ولم أسمع نبرات هذه اللغة. ثم كيف تدخل من الشباك على بساط طائر؟ لا بد أن تكون جنية، أو ساحرة!” وبعد فترة من الصمت وهو يتفحصّها، وهي ترمقه غير مكترثة بنظراته الحادة، سألها بحدّة:
-من أنت؟
ضحكت ضحكة عالية ولكنها رقيقة ومثيرة زادت في ارتباكه، ثم قالت:
-لا تغضب يا حنبعل. أنت محق فيما تقول، أعتذر لك، كان عليّ أن أقدّم لك هويتي قبل أن أسألك عن تجربتك هذه.
اقتربت منه أكثر، ثم جلست على أريكة قبالته، وعادت تحدثه بنفس النبرة العذبة:
-لو قلت لك إني أتيت من الفضاء هل تصدّق؟
أجابها مستغربا:
-ماذا تعنين ؟
-من خارج الأرض، من كوكب بعيد يسبح في الفضاء مع مليارات الكواكب التي تعمر السماء.
-أنت جنية إذن.
-لا، أبدا.
ومدّت له يدها وهي تقول:
-إلمسني إني من لحم ودم مثلك.
مسك يدها، كانت رقيقة ناعمة. مدّ يده إلى جسدها يتلمّسه، لكنها قالت له ضاحكة:
-أخاف عليك أن تنساق إلى الشهوة يا حنبعل. توقف، أريدك فقط أن تتأكد أني إنسان مثلك.
قال لها وهو يتفحّص جسدها بإمعان:
-افترضي أني صدّقتك، لماذا أتيت إلى الأرض؟ ولماذا اخترتني أنا بالذات؟ وماذا تريدين مني؟ ولماذا لا تسترين عورتك؟…
قاطعته سائلة:
-ولماذا كل هذه الأسئلة في آن واحد؟
-لأني بكل صراحة لا أصدق ما تقولين.
-وهل صدّقت أنك حنبعل الذي مضى على مماته أكثر من اثنين وعشرين قرنا؟
-حتى هذا لم أصدقه.
-إذن كف عن التساؤل، وعش حياتك ككل بشر هذا العصر.
-لكني غير مرتاح تماما لوضعي. فأنا لا أعرف بالتدقيق من أنا، أشعر أني أسبح في فضاءات عديدة، وقد اختلطت عليّ الأزمنة والأماكن والعباد واللغات، حتى ذاكرتي أشعر أنها معطلة.
لم تجبه في الحين، ظلّت تنظر إليه تستقرئ ما يختلج في ذهنه من حيرة وضياع. فقد تبدّلت أساريره، وظهرت على وجهه مسحة من الحزن، فترك يدها وجمع يديه على صدره متحاشيا النظر إليها.
ربتت على ركبته وقالت:
-لا تحزن يا حنّبعل. عرفتك شجاعا، رصينا، تخطط بروية للخروج من الوضعيات الصعبة. ما لك تتصرف كالطفل الضائع؟
صرخ في وجهها سائلا:
-أريد أن أعرف أين أوجد الآن؟
-هل تتذكر مدينة قرطاج؟
ظلّ يفكّر لحظة، ثم قال:
-أتذكرها.
وانشغل بالصور التي صبتها عليه ذاكرته عن مدينة قرطاج العريقة المترامية الأطراف على ضفاف الخليج.
قطعت عليه تأملاته قائلة:
-أنت الآن في مكان لا يبعد كثيرا عن مدينة قرطاج.
ثم ظهرت فجأة شاشة افتراضية رسمت عليها خارطة لدولة قرطاج القديمة. أشارت المرأة لمكان في الخارطة وقالت:
-نحن هنا.
ذعر حنبعل في البداية لمّا ظهرت الشاشة تنيرها الأضواء، ولكنه سرعان ما انغمس يتثبت في الخارطة، ثم أعلن متعجبا:
-لا أتذكر هذا المكان جيدا.
-لا عليك فأنت في بلدك. هل هذا يريحك؟
-لكن أين أهلي؟ ولماذا حشرت مع هذا الخليط من الرعاع والعبيد؟
-لا تنس يا حنبعل أنك في نزل، وأن المقيمين فيه ليسوا عبيدا ولا رعاعا، إنهم سياح جاؤوا للراحة والترفيه.
-وأين القرطاجيون؟
ضحكت ضحكة عالية وقالت:
-يلزمك وقت طويل لتقتنع أنه لم يعد للقرطاجيين من أثر، لقد اندثروا منذ اثنين وعشرين قرنا.
-كيف؟
-لقد مضى على وفاتك أكثر من ألفين ومائة وسبعة وثمانين عاما.
-أنت بالتأكيد تمزحين. وهل يعود الأموات بعد كل هذا الزمن؟
صمتت وظلّت تفكّر، ثم قالت له بهدوء:
-أعرف أنك لن تفهم بسهولة حديثي. فلو قلت لك أنك رجل مستنسخ، وقد كنت أنا السبب في استنساخك…
قاطعها حنبعل بعنف:
-لا أفهم هذا الكلام ولا أصدقه.
عاد يفكّر، ثم نظر إليها بحدّة وسألها:
-ولماذا فعلت كل ذلك؟
-حبا للاطلاع، وحبا للتجربة. وستكون التجربة ناجحة إذا ما تصرفت أنت بكل تلقائية.
وقف حنبعل حانقا، وتقدم من النافذة، وبقي يرنو إلى ليل الحمامات المعطر بعبق الياسمين والفل. كانت أنوار المدينة تغمر الأفق، تنعكس على صفحة الخليج الهادئ. تنشق الهواء ملء رئتيه، وانشغل عن المرأة، إذ صار يخشى التحدث إليها. وحاول جاهدا أن لا يفكّر في كلامها. لم يستوعب عقله حديثها، ولم يرغب حتى في التفكير فيه. ظلّ فترة من الزمن بدون حركة راشقا بصره في الليل، لا يرى من حوله شيئا.
وفجأة أخرجه من جموده صوت الآلة في أذنه يسأله:
-بم تحلم يا حنبعل؟
التفت خلفه فغمر بصره نور القاعة الفسيحة، وشعر أنه يوجد في وسط لم يكن يعهده. نظر إلى الأريكة التي كانت تجلس عليها المرأة العارية، والتي كانت ترمقه بكل انتباه، وأجابها بصوت حزين:
-بالعودة إلى الطفولة.
-جميل. أخذت تسترجع إنسانيتك. ستكون تجربة مثيرة حقا.
صرخ حنبعل مغتاظا:
-عن أي تجربة تتحدّثين؟
-لا تغضب يا حنبعل. لا بد لنا أن نكون صديقين حتى تنجح تجربتي. ولن تكلفك هذه التجربة شيئا سوى أن تكون كما كنت.
-وماذا ترجين من تجربتك؟
-أريد أن أثبت أنه بإمكان الإنسان المستنسخ أن يستعيد كل قدراته العقلية التي كانت تكوّن شخصيته قبل أن يندثر.
تركها وعاد ينظر إلى الليل، ويتنشق عبق الهواء العطر. ولكن فكره أصبح مضطربا. ماذا تعني بقولها أن يكون كما كان؟ لم يفهم ما قالته هذه المرأة الذي صار يتحاشى حتى النظر إليها، أصبح يخافها وهو الذي لم يعرف قلبه الخوف أبدا. لا بد أنها جنية، أو أنها آلهة تتلهى بروحه. ثم فجأة طفق يتلمّس جسده، وعض إصبعه ليتأكد أنه في اليقظة لا في الحلم. تأكد من وجوده المادي. لكنه لم يفهم كيف عاد إلى الحياة بعد كل هذا الزمان.
فجأة تقدم من المرأة ووقف أمامها وسألها بعنف:
-لا بد أن تشرحي لي كيف أعدتني إلى الحياة؟
ظلّت لحظة تتفحصه، ثم رمقته بابتسامة عذبة وقالت له:
-عد إلى الجلوس واصغ إلي جيدا.
جلس قبالتها، وضمّ يديه إلى صدره، وبقي شاخصا إليها بكل انتباه. قالت له:
-أنت رجعت في عصر تطور فيه علم الإنسان الأرضي كثيرا. لكن لن تربح شيئا كبيرا، فأنا على يقين أن عقلك أرقى بكثير من عقل “بوش” قائد أعظم دولة على الأرض في هذه الأيام. الاستنساخ يا صديقي حنبعل هو عملية معقدة توصل إلى معرفتها اليوم علماء الأرض. وتتمثل في زرع خلية حية لجسم كائن حي، حتى لو كان صاحبها قد مات، داخل أنبوب يشبه الرحم، ثم تستخدم تقنية معينة فتتمكن الخلية من النمو وتتكاثر، وباختصار شديد نتوصل إلى خلق كائن جديد يحمل كل صفات الكائن الذي أخذنا من بقاياه الخلية الحية الأولى…
قاطعها حنبعل:
-لم أفهم كل كلامك، ولكن أستخلص أني نتيجة زراعة لبذرة في أنبوب؟
-تقريبا.
-لكن البشر مختلفون عن النبات.
-تماما. غير أنهم يشتركون معه في كيفية خزن المعلومات التي تؤدي إلى نشأة الحياة. عندما ترمي ببذرة في الأرض وتسقيها ماء، يمكن أن تنشأ منها نبتة حية، تنمو وتعيش ما تعيشه أي نبتة من نوعها. هذه هي الطبيعة: تخزن الحياة وتعيد نشأتها. أنت كالنبتة تحمل في جسدك مليارات البذور، يمكن أن تعطي مليارات من حنبعل لو وقع تخصيبها في الأنبوب.
سألها حنبعل مشككا:
-هل يمكنك أن تعيدي ماغون إلى الحياة ؟
-ومن يكون ماغون؟
-أكبر عالم قرطاجي مختص في علم النبات، ربما يفهمك أكثر مني.
-لست في حاجة إلى عالم من عصرك، فعلمه لا يساوي شيئا أمام علومنا. اخترتك أنت لأن اسمك ما زال يتحدث به جل الناس على الأرض. قلت في نفسي لو أعيده إلى الحياة، كيف سيتصرف في عصر تطور فيه علم إنسان الأرض لكن عقله بقي كما هو قبل مئات السنين؟ ثم إنك رجل حرب قضيت كل حياتك تحارب. فأنت تمثل بحق هذا الإنسان الذي لم يفهم أن الحرب وحشية، لا بد من التخلي عنها، سيما إنهم يمتلكون اليوم سلاحا يمكن أن يقضي على الحياة على الأرض.
-وهل تريدين مني أن أحارب من جديد؟
-أبدا! لا أريد منك شيئا، أرغب فقط في مراقبة تصرفاتك في عالم لم يعد تربطك به أي صلة.
-وأنت من تكونين؟
فاجأها سؤاله، لكنها أجابت:
-يمكنك أن تعتبرني مثلك: بذرة في أنبوب. لكن مع الفارق أني أتيت إلى الدنيا رضيعة ثم طفلة وأصبحت كما تراني الآن. أما أنت فلم تكن بحاجة إلى كثير من الوقت لتسترجع هيئتك التي كنت عليها قبل ألفين ومائتي عام.
سألها:
-وأين قمت بتجربة إعادتي إلى الحياة؟
-في مخابر محطتنا الأرضية.
-لم أفهم.
-ألم أقل لك أني أتيت من الفضاء؟
-هذه الأشياء صعبة على فهمي، لكن واصلي.
-نحن سكان كوكب يبعد عن الأرض مليار كيلو متر. وقد توصلنا لإقامة محطة سرية على الأرض لنتمكن من مراقبة هذا الكوكب الجميل، والقيام بالتجارب العلمية، وتدريب طلبتنا على البحث والمعرفة.
-أنت إذن طالبة تجرين أبحاثا في الزراعة مثل طلاب معهد ماغون للفلاحة؟
-سمني ما شئت فبكل اختصار أنت موضوع بحثي. وأنا أرجوك أن تساعدني على ذلك.
-وما هو المطلوب مني؟
-أن تتصرف بكل تلقائية، وتأخذ الحياة كما جاءتك دون التفكير في الزمن. أنت الآن إنسان بدون زمن…
قاطعها حنبعل بحنق:
-وتتصورين أنه يمكن لأي كان أن يعيش خارج الزمن؟
-لك الحق، لكن ما كنت أريد أن أقول هو أن لا تعيش ممزقا بين الماضي والحاضر.
-يعني؟
-سوف نعينك بمساعدة تقنياتنا المتطورة على استرجاع ذاكرتك لكن أطلب منك ألا تتصرف وكأنك حنبعل الحقيقي القائد العظيم الذي تخضع لإرادته جيوش جرارة، ومن سلالة بركا صاحبة النفوذ والمال. لا تنس أن أشياء كثيرة تغيرت على الأرض، وأنك تعيش بين أناس تحرروا من العبودية، وإن كان ما يزال يحكمهم حب المال والجاه والتسلط والتفاوت الطبقي.
ظلّ حنبعل يفكّر وهي تراقبه، حتى سألها مترددا:
-هل يمكنني أن أعتبرك آلهتي؟
-جميل أنك تتذكر عقيدتك لكن عهد الآلهة قد ولّى يا حنبعل. تطوّرت عقائد الناس اليوم، جلّهم يعتقد في إله واحد، بعضهم يسميه الرب، والآخر المسيح، والآخر الله، وقلّة لا تؤمن بأي إله…
-لكني أريد أن أدعوك تانيت آلهة القرطاجيين.
ضحكت ضحكة عالية وقالت له:
-أعرف جيدا أن الأرضيين لا يعيشون بدون آلهة، حتى هؤلاء الذين يعيشون بعدك بأكثر من ألفي عام لا يزالون يعبدون الآلهة. إن كان ذلك يريحك فليس لديّ مانع من أن تسميني ما شئت، لكن لا أسمح لك أن تعبدني.
-لماذا؟
-العبادة قيود، وأنا أريدك حرا من كل شيء حتى من الزمن.
بعد صمت طويل سألها:
-لكن هذه اللغة التي أتحدث بها ليست متأكدا أنها لغتي الأصلية. متى تعلّمتها؟
-لقد لقنتك هذه اللغة التي يتحدث بها أهل البلد الذين ستعيش بينهم حتى يسهل عليك التخاطب معهم.
ثم نهضت وتوجهت إلى البساط الطائر، وقبل أن يرتفع بها في فضاء الغرفة، قالت له موصية:
-كن حذرا.
وارتفع بها البساط متوجها إلى النافذة، فتبعه حنبعل مشدوها، وبقي ينظر إليه وهو يختفي بسرعة داخل الليل. بعد لحظة من الدهشة جرى نحو النافذة لكنه لم ير البساط، فقد اختفى في الليل. ظلّ يرنو إلى السماء السوداء تطرزها النجوم، وذهنه ما زال يسترجع كلام تلك المرأة الغريبة. أحس أنه أصبح نبتة مثل تلك الأشجار التي تطل عليه من بعيد وقد انعكست عليها أنوار فوانيس الشارع العريض. ولم يبارح مكانه أمام النافذة إلا عندما أحس بالإعياء.
جلس على الأريكة وظلّ يفكّر.

3

رن ناقوس الهاتف، فارتبك حنبعل، وظل يبحث عن مصدر الرنين حتى عثر عليه. رفع الآلة إليه فسقطت السماعة على الأرض، وكم كان فزعه شديدا عندما سمع صوتا يخاطبه من السماعة الملقاة على الأرض. كان الصوت واضحا جليا يناديه باسمه، فانتبه إليه ولم يجرؤ على رفع السماعة إلى أذنه. قال له الصوت:
-مساء الخير يا سيد حنبعل، إني المضيفة التي تحدثت إليها هذا المساء.
ازداد ارتباكه وقال بصوت عال:
-وحق عشترت إنّ ما أسمعه لغو.
لكنه بعد لحظات من التردد، انحنى على السماعة ورفعها وهو مرتبك. لم يقربها من أذنه إلا بعد إن عاد الصوت ويسأله:
-هل تسمعني يا سيد حنبعل؟
لم يدر حنبعل إن كان عليه أن يجيب، ولكنه قال متلعثما:
-أسمعك.
-جيد. أردت فقط أن أطمئن عليك. كيف حالك؟
-بخير.
-ما لصوتك مرتبك؟ هل تغير عليك الطقس فأصبت ببرد؟
-لا. لا بأس.
-هل ترغب في الخروج إلى المدينة؟
-لا. لا أرغب.
-إذن أتركك ترتاح. لا تنس أنك ستكون ضيف أسرتي غدا.
-نعم.
-مع السلامة.
انقطع الصوت، ولم يدر حنبعل ماذا سيفعل بالسماعة، فرمى بها قرب الآلة، وقال في نفسه: “عالم سحر هذا الذي أعادوني إليه.” بقي يفكّر حتى أرهقه التفكير، فاستلقى على أريكة وأغمض عينيه، وأسلم نفسه للنوم. ظلّ نائما حتى ملأ القاعة الفسيحة نور الشمس المتدفق من النافذة التي بقيت مفتوحة كامل الليل.
نهض يبحث عن الحمام حتى عثر عليه. ووجد عناءا كبيرا ليملأ الحوض، وكاد أن يفيض منه الماء قبل أن يتوصّل إلى إغلاق الحنفية. وبعد الحمام خرج يبحث عن الطعام، فقد تملكه جوع كبير. وبعد بحث مضن وجد في المطبخ فطور الصباح، كان قد أحضره الخادم الذي دخل الجناح دون أن يتفطّن إليه حنبعل. انهمك يأكل بنهم حتى شبع، ونهض متكاسلا، ثمّ توجه إلى النافذة فغمره نور الشمس الملتهبة، وبهرته أشعتها الوهّاجة، وظهر له من بعيد شاطئ البحر برماله الذهبية، ومياهه الصافية تتلألأ على صفحتها أنوار فيّاضة. تملكته رغبة شديدة في الخروج إلى البحر والتجوّل على رماله وربما الاستحمام في مياهه، لكنه ظلّ مترددا.
التفت إلى القاعة يتفحصها بدقّة وكأنه يزورها لأول مرة، ثم توجه نحو الخزانة الحائطية وفتح أبوابها. بقي يستعرض مختلف الألبسة المعلّقة في الخزانة، واستغرب تنوع تلك الأزياء: فهذا صف لأزياء بونية، وأخرى رومانية. وفي الطرف الآخر للخزانة مجموعة من الأزياء الحديثة، منها التونسية العتيقة، والأخرى إفرنجية. ظلّ محتارا يعيد النظر في الأزياء بمختلف أنواعها، ثم أسرع إلى النافذة، وتقدّم إلى الشرفة يطلّ منها على المشهد الجميل. لمّا وقعت عيناه على المسبح يلتفّ حوله جموع السياح، ظلّ يتثبت فيهم، واقتنع أنّه لا يحتاج إلى لباس أنيق ليتجوّل بين الناس، فجلهم شبه عار. عاد إلى الخزانة، وانتقى تبانا، لبسه وتوجّه إلى باب الجناح. ولمّا كان يهمّ بالمغادرة اعترضته مرآة معلقة على الجدار، وقف ينظر إلى جسده فيها، فضحك من نفسه، لكنه سرعان ما ابتعد عن المرآة واندفع خارج الجناح. وجد جمعا من السياح ينتظرون أمام باب المصعد، فوقف بينهم، ودخل المصعد مرتبكا. اندسّ داخل قمرة المصعد مع جمع السياح، فتيات وفتيان يمرحون ويتحدثون بأصوات عالية بلغة لم تكن غريبة عنه. لكن لمّا تقاطعت نظراته بنظرات إحدى الفتيات، لاحظ مدى تأثير نظرته عليها وقد رمقته بابتسامة غامضة فيها الرقة والخشية في نفس الآن. كانت الفتاة جميلة ذات عينين زرقاوين، وشعر أشقر، وقد نحيف. توقف المصعد، فنزل فريق السياح يتدافعون، وتبعهم حنبعل.
ظلّ واقفا أمام المصعد ينظر في كل الاتجاهات حتى لمح المضيفة وهي تلحظه بكل انتباه. لوح لها بابتسامة ودّ، ثم تقدم من مصرف الاستقبال، وصافحها بحرارة قائلا وهو يتصفّح وجهها المورّد:
-لا بد أن عشترت استجابت لطلبي، فقد كنت أتمنى أن ألقاك.
ورغم الاضطراب الشديد الذي أحدثته نظرته الساحرة فقد سألته متلعثمة:
-ومن تكون عشترت؟
-الإلهة. كيف؟ ألا تعرفينها؟
-لا، أبدا، نحن لا نؤمن إلا بالله.
مسح على يدها وقال:
-وأنا أومن بعشترت.
بقي يرنو إليها وقد أحس بخجلها من احمرار وجهها، واضطراب حركاتها. وراقته عيناها الكبيرتان العسليتان وقد وشحتهما بالكحل. بقيا لحظة وجها لوجه يكتنفهما الصمت، ثم سألها:
-كيف يمكنني أن أتمتع بالبحر بعيدا عن الرعاع؟
-ماذا تعني بالرعاع؟
-هذه الجموع المتدفقة على البحر وعلى المسبح.
-إنهم سياح مثلك يا سيد حنبعل.
-لا أريدهم. أرغب في الاختلاء بالبحر على قارب صغير… وتكونين أنت معي.
-العفو يا سيد حنبعل، لن يمكنني أن أترك عملي، ولكن أستطيع أن أستأجر لك قاربا بطاقمه يكون على ذمتك كامل اليوم إن شئت.
-افعلي من فضلك.
أخذت آلة الهاتف ووضعتها على المصرف وضغطت على الأرقام وحنبعل يتبع العملية بانتباه شديد، وقد ازداد استغرابه عندما أخذت الفتاة تتحدث إلى السماعة. وعندما أعادت الآلة إلى مكانها قالت له وهو في شروده:
-حجزت لك قاربا كبيرا سيمكنك من التجول في كامل الخليج.
-أي خليج؟
وضعت أمامه خارطة، وأشارت إلى الأماكن البحرية التي يمكنه زيارتها. عندما وصل البحار الذي سيقوده، قدّمته إليه وأعلمته أنه يمكنه الإقامة كامل اليوم بالبحر بعيدا عن السياح، فالقارب مزود بكل ما يحتاجه حتى الطعام. تركها وتبع البحار، لكنها أسرعت تطلبه، ولمّا عاد قالت له بصوت خافت:
-لا تنس أنك مدعو عندنا هذا المساء للعشاء؟
-بالطبع جميلتي.
ظلّت أسماء تتبع تحركات حنبعل حتى شغلها عنه جرس الهاتف:
-هنا مركز شرطة الحمامات. هل ما زال يقيم عندكم حريف باسم حنبعل؟
-كان هنا منذ لحظة، هل ترغب أن أعلمه بشيء؟
-لا. فقط لاحظت خطأ في تاريخ ولادته عندما دققت في بطاقة الإرشادات التي بعثتم بها. هل يمكنك التأكد من جواز سفره أو بطاقة تعريفه؟
-عندما يعود.
-متى؟
-مساء هذا اليوم.
-طيب. اعلميني بالهاتف غدا صباحا.
وضعت السماعة وظلّت تفكّر. قد لا يكون لحنبعل بطاقة هوية، أو أنه لا يريد إعلام الشرطة بوجوده. أصبح حنبعل لديها لغزا محيّرا. لم تقدر أن تصدّق أنه حقا حنبعل التاريخي، لكنه يشبهه تماما. لقد رجعت بالأمس إلى موسوعة كبيرة، وظلّت تقرأ تاريخ حنبعل، وقد كانت صورة ترافق المقال تشبه تماما هذا الرجل. ولم تشف غليلها كل تلك المعلومات، فبحثت في الإنترنت عن موقع يتحدث عن مآثر حنبعل، وإنجازاته العسكرية، وسيرة حياته بكل تفاصيلها. ظلّت أمام شاشة الحاسوب جزءا من الليل تستعرض صفحات الإنترنت بكل انتباه وانبهار.
عند الصباح وهي تغادر البيت رجت أمّها أن تحضر عشاء فاخرا يليق بمقام رجل عظيم. سألتها أمّها مستغربة:
-ومن يكون هذا الرجل؟
-أكبر جنرال عرفه التاريخ.
-وما شأنك به؟
-أريدكم أن تتعرفوا عليه. أكيد سيعجبكم…
قاطعتها أمّها مستنكرة:
-متى تعرفت عليه؟
-البارحة.
-وما هي نوع العلاقة بينكما؟
لا تخافي، إنها بريئة.




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„