ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل ... 2


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1245 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



عاد حنبعل من البحر مع آخر المساء، فوجد أسماء في انتظاره، تترقب وصوله بفارغ الصبر. فقد حضر أبوها منذ ساعة، ورجته أن يترقب حتى رجوع حنبعل. حالما لمحته يدخل البهو الفسيح جرت نحوه، ووقفت أمامه مضطربة. نظر إليها في صمت ثم ابتسم لها ابتسامة لطيفة وهمس لها:
-ما لك ؟
-كنت حيرانة عليك.
-مما تخشين عليّ؟
-البحر لا يؤتمن شره.
أمسك بذراعها ودخلا القاعة. تملّصت منه قائلة:
-أبي جالس هنا يترقبك.
ألقى نظرة سريعة على القاعة المكتظّة بالسياح يتدافعون على المطعم، ولكنه لمح بسرعة كهلا في الخمسين من عمره يجلس بوقار وينظر إليهما بانتباه شديد. كان الرجل يشبه كثيرا أسماء رغم الشارب الرقيق الذي يوشح وجهه. تقدّم منه حنبعل بخطى ثابتة، وانحنى يصافحه باحترام. ثم قال له وهو ينظر في عينيه:
-ألست والد الآنسة؟
أجابه أبو أسماء وهو يضغط عل يده:
-أنا هو واسمي عبد الله.
-جميل. كان أبي يدعى عبد ملقرط.
-تفضل سيد حنبعل إجلس. إني حقا سعيد بالتعرف عليك. حدّثتني أسماء عنك، فلم أصدّق حديثها، لكني الآن أخذت أراجع ظنوني. على كل، أيّا من كنت فأنا أدعوك للعشاء معنا في البيت، وستكون تلبيتك للدعوة شرفا كبيرا لكل أسرتي.
ثم أشار على النادل، وطلب منه أن يسقيهم عصيرا. سأله حنبعل:
-ما هي مهنتك يا سيد عبد الله؟
-فلاح. لي ضيعة غير بعيدة عن مدينة الحمامات أتعاطى فيها زراعة البرتقال والفل والياسمين والورود.
تدخلت أسماء:
-كان أبي مهندسا فلاحيا يعمل عند الدولة، لكنه استقال من الوظيفة عندما اشترى الضيعة.
قال حنبعل مازحا:
-وأنا جنرال بدون جيوش، ولم أعد أرغب بتاتا في خوض الحروب ولا سفك الدماء.
ثم وقف وقال لهما:
-سأغير ملابسي وأذهب معكما إلى بيتكما تلبية لدعوتكما الكريمة.
وما أن دخل جناحه حتى وجد فتاة الفضاء ممدة على الأريكة. وقف لحظة ينظر إليها مضطربا، ولكنها بادرته بالسؤال:
-كيف حالك؟
أجاب بفتور:
-بخير.
-هل يمكنك أن تقصّ عليّ ما فعلت هذا اليوم؟
أجابها متشنجا:
-ولماذا؟
ظلّت تنظر إليه مبتسمة، ثم قالت له برقة:
-ألم أقل لك أنك تجربتي؟ إذن كل ما تفعله يهمني. أنت حر تفعل ما تشاء، ولكن أرغب منك أن تعلمني عن كل تصرفاتك. وإن كان طلبي يزعجك فسأتصرف. أردت فقط أن يكون حديثك عن أفعالك وسيلة اتصال بيننا.
-وإن لم أفعل؟
-لي من الوسائل ما لا تتصورها. فقد جندت لحمايتك مجموعة من الروبوات المجهرية تصد عنك أي خطر مهما كان مصدره.
-إذن فأنا مراقب؟
-بل قل في حمايتي. كن متيقنا أن أحدا من الأرضيين لن يمسك بسوء.
صمت فترة من الزمن متحاشيا النظر إليها، ثم قال لها بصوت خافت:
-استدعتني المضيفة إلى العشاء في بيتها.
-جميل. متى؟
-هذا المساء.
بعد برهة من الصمت قالت:
-أعددت نفسي لقضاء السهرة معك، لكن لا بأس ستتاح لنا فرصة أخرى.
انصرف حنبعل إلى الحمام، وعندما خرج كانت فتاة الفضاء قد غادرت الجناح. فتح الخزانة الحائطية ليبحث له عن لباس يليق بسهرة عائلية، وبعد كثير من التردد وجد بدلة من الحرير أرجوانية اللون تتكون من سروال طويل، وقميص بدون رقبة، وغلالة طويلة تتدلى إلى ما تحت ركبتيه. لبس البدلة وظلّ يتثبت في هيئته في المرآة، ثم غادر الجناح ليلتحق بأسماء وأبيها في القاعة الفسيحة.
ما أن لمحته أسماء في زيه القرطاجي حتى انفجرت بالضحك ولم تستطع أن تكتم انفعالها. فقالت له بعد أن هدأت:
-ما هذا اللباس يا سيد حنبعل، إنه نسائي.
-غريب، فهذا اللباس رفيع وثمين، كامل قماشه من الحرير الخالص.
لمست القماش فراقتها نعومته ولونه الأرجواني عليه حبات ذهبية تتلألأ. رفعت بصرها إلى القلادة التي توشح رأسه، كانت من الذهب الخالص، فظلّت تتثبت في نقائشها، غصن زيتون أوراقه ذهبية ترصّعها حبات من الألماس. ظلّت مشدوهة أمام جمال القلادة ودقة صناعتها.
همس لها:
-أليس جميلا؟
-إنه جميل وثمين، لكن الرجال عندنا لا يلبسونه.
-هذا لباس قرطاجي بحت، يتحلى به رجال الطبقة الأرستقراطية عند الولائم وفي السهرات الخاصة.
وقف أبو أسماء وطلب من حنبعل أن يتبعه، واندفع ثلاثتهم خارج النزل.

5

صعد حنبعل إلى السيارة بصعوبة، وجلس حذو مضيفه الذي كان يتولّى القيادة وحنبعل ينظر إليه بكل انتباه. وما أن اندفعت السيارة تقطع الطريق حتى ارتج حنبعل وتمسك بمقعده كاظما اضطرابه، إنها المرة الأولى التي يمتطي فيها سيارة. بقي ينظر في كل الاتجاهات كالمعتوه عندما اندفعت السيارة في الطريق السريعة تطوي الأسفلت بجنون أفزعه. لكن صوت أسماء خفف من قلقه عندما انحنت عليه تسأله:
-هل عرفت الحمامات من قبل؟
بعد فترة من الصمت التفت إليها بحذر وقال لها بصوت خافت:
-في الحقيقة ليس هذا البلد هو الذي كنت أعرفه. لقد تغير كل شيء. ربما تعرفت على تلك الجبال المطلة على الخليج، فقد حدثني عنها أبي في روايته عن حربه ضدّ المرتزقة، لكن كل شيء تغير.
ثم عاد يتثبت في الطريق مستغربا السرعة التي تعدو بها السيارة.
لم يكن أبو أسماء مرتاحا لوجود هذا الرجل الذي يدّعي أنه حنبعل الحقيقي. وليس أبو أسماء من السذاجة حتى يصدّق ذلك. لبّى رغبة ابنته عندما ألحّت عليه في دعوته للعشاء، ولكن عندما حدّثته عنه اعتبر الأمر مسرحية، أو أنه ربما يقوم بدور في فلم جاء يتدرب عليه قبل تصويره. لكنه عندما قابله وتحدّث إليه بهر بشخصيته وبنظرته الثاقبة وبالوقار الذي يلف شخصه، وكاد يستسلم لاعتقاد ابنته بأنه حنبعل الحقيقي رمت به الأقدار من غياهب التاريخ. وبعد تردد كبير والسيارة تعدو في الطريق السريعة قال له:
-اسمح لي يا سيد حنبعل أن أسألك: هل صحيح أنك حنبعل الحقيقي؟
لم يكن حنبعل يفكّر في شيء غير الطريق التي كان يراها تطوى بسرعة لم يعهدها، فلم يجب إلا بعد برهة من الزمن.
-أنت حيّرك شخصي، وأنا منذ أتيت هذا الزمان في حيرة من وجودي.
لم يكن حنبعل ينظر إلى مخاطبه، كان يتشبّث بمقعده كالطفل داخل الأرجوحة. وبعد فترة من الصمت أضاف:
-العفو. لقد أدهشتني السرعة التي تجري بها العربة، ولم أفهم جيدا من يدفعها بكل هذه القوة. عالمكم هذا غريب، يبدو أنكم طوّعتم الجن فصار في خدمتكم. فقد لاحظت وجوده في كل الأماكن.
صمت حنبعل، وانزوى يفكّر، ثم فجأة سأل أبا أسماء:
-أخبرني: هل يسيّر هذه العربة الجن؟ فقد شعرت به كذلك يدفع بالقارب في البحر بسرعة مذهلة.
وساد الصمت داخل السيارة، لم يعكره سوى هرير صوت المحرك الذي شدّ انتباه حنبعل. وكان يعتقد أنه آت من خارجها. لم يجب أبو أسماء على سؤال حنبعل، فقد ساورته الظنون أن الرجل مخبول. وكلّما أمعن التفكير اقتنع أكثر باختلال عقله: لباسه، نظرته، ارتباكه، أسئلته، طريقة جلوسه داخل السيارة… عندما غادرت السيارة الطريق السريعة وانسابت تشق الحقول في طريق ضيقة غير معبدة وهي تتمايل وترتج، ازداد اضطراب حنبعل وتشبث بمقعده ينظر إلى أشجار البرتقال مورقة مزهرة تصطف على جانبي الطريق. ضغط أبو أسماء على زر فنزل بلور شباك السيارة بجانب حنبعل، وتسلل عبق الزهر يملأ السيارة، واندفع الهواء النقي المعطر فأنعشه وخفف عنه حيرته. توقفت السيارة أمام بيت جميل سقفه مغطى بالقرميد الأحمر، تمتدّ أمامه حديقة مزدانة بشتى أنواع الأزهار، تتوسطها نافورة يتدفق منها ماء فوار.
أسرعت أسماء بالنزول لتفتح باب السيارة لحنبعل، وتقول له بكل ودّ:
-مرحبا بك يا سيد حنبعل في بيتنا.
نزل حنبعل من السيارة بصعوبة وكأنه شيخ، وظل لحظة ينظر في كل الاتجاهات إلى الطبيعة الجميلة ترحب بقدومه. مسكت أسماء يده وتقدمت به إلى بهو البيت حيث كانت أمها تنتظر. سلّمت عليه بوقار وقد اربكتها نظرته الحادة. التفت إلى الجبل المشرف على الضيعة وبقي يتثبت في السماء تحمرّ وقرص الشمس وراء الأفق. كان الجبل أجرد تنتثر على صخوره بعض الحشائش العطشى، ثم التفت إلى الخليج وعانق أفقه اللازوردي وظلّ شاخصا فترة من الزمن حتى مسكت مرفقه أسماء وهمست له:
-المشهد جميل.
قال حالما:
-هذه البلاد خصتها الآلهة بالرقة في كل شيء.
تقدّم منه أبو اسماء وعرض عليه أن يزور ضيعته، وطاف به بين أشجار البرتقال المزهرة، وحقول الياسمين والفل، وشرح له طريقة الري والرعاية العصرية التي يتبعها في استغلال حقله. قال له متباهيا:
-أراقب كل شيء من بيتي بواسطة الحاسوب.
لم يكن حنبعل ذا دراية لا في الفلاحة ولا في الحواسيب، لكنه سأله:
-أتدرّ ضيعتك عليك خيرات كثيرة؟
-لست من أغنياء الحمامات، لكني راض عن حياتي والحمد لله.
كان أبو أسماء ينتج الياسمين ويصدره إلى فرنسا، وكذلك البرتقال وهو ما يمكنه من حياة رغدة لا ينغصها سوى علاقاته مع دواليب الإدارة، وسعيه المضني للحصول على الرخص المختلفة، وأكداس الأوراق، وإقامة العلاقات مع أعيان الدولة والحزب، والحرص على مواعيد الشحن. كان بوده أن لا يقوم بكل هذه الأعمال، وأن يتفرّغ إلى الإنتاج الفلاحي وتحسينه.
عندما غاب قرص الشمس وأخذت ألوان الأشياء تتبدّل، رافق أبو أسماء ضيفه إلى البيت. وفي الصالون الفخم، كانت الصور تتعاقب على شاشة التلفزيون. بقي حنبعل منكمشا داخل الأريكة الفخمة يحملق في الصور لا تصدق عيناه ما يعرض لها. لم يكن يتتبع حديث المذيع وهو ينشر الأخبار، ولا تسلسل الصور. وإنّما كان مبهورا بذلك الصندوق العجيب تخرج منه حزم الصور ترتعش. ولم يقدر حتى على سؤال مضيفه عما كان يحيّره. ظلّ مبهوتا حتى دنت منه أسماء وهمست له:
-ما لك يا سيد حنبعل مرتبك؟
التفت إليها يرمقها، فخففت ابتسامتها العذبة من حيرته، ولكنه لم ينبس بكلمة. عادت تسأله:
-أأزعجتك مشاهد الحرب؟
-أي حرب؟
-حرب أمريكا على العراق.
ظلّ صامتا في حيرة. لم يستوعب كلام أسماء عن الحرب، ولا هو أدرك مدلولات الصور التي شاهدها على الشاشة الصغيرة. سألته هل يرغب في الخروج إلى الحديقة ويترك صور التلفزيون، فنهض مسرعا، وغادر القاعة دون أن يلقي نظرة على الصندوق العجيب الذي حيره، ودون أن يقول كلمة إلى مضيفه الذي كان منهمكا في تتبع الأحداث المؤلمة التي تجتاح العراق. لكنه حالما اختلى بأسماء سألها بصوت خافت:
-هل يمكنك أن تشرحي لي سر تلك المرآة التي تعرض الصور؟
-التلفزيون؟
-سميه ما شئت لكن قولي لي ما هو سره.
ضحكت أسماء ضحكة عالية ثم سألته:
-هل حقا لم تر من قبل جهاز تلفزيون؟
-أبدا.
ظلّت تحملق فيه بانتباه، ثم سألته:
-أين كنت قبل وصولك إلى الحمامات؟
ظلّ يفكّر. لم يسأل نفسه هذا السؤال، ولم يكن عنده جوابه. أول ما وعى الدنيا وجد نفسه في القاعة الكبيرة للنزل، ودون كثير تفكير تقدّم من الاستقبال وطلب جناحا، ثم تعاقبت الأحداث عليه ولم يكن في مقدوره أن يتدخل في صنعها. “أين كان قبل ذلك؟” لا يدري. كل ما يعرفه هو حديث المرأة العارية، وهو حديث لم يستوعب منه الكثير، ولم يصدقه، ولا يمكنه أن يعيده على أسماء خوفا من أن ترتاب في أمره.
بعد فترة من الصمت عاد يسألها:
-في أي مكان تقع الحرب التي يتحدث عنها ذلك الصندوق العجيب؟
-في العراق.
-وأين يوجد العراق؟
-إنه بلاد الرافدين.
لاذ بالصمت. لكن أسماء قالت له بحماس:
-لا بد أنك تعرف بلاد الرافدين، فقد علمت وأنا أطالع سيرة حياتك أنك لجأت إلى مكان غير بعيد عن ذلك البلد.
بقي يفكّر في حديث أسماء. كان فعلا يعيش في أنطاكيا قبل أن ينتحر. لكن ذاكرته أبت أن تساعده على استرجاع تلك الفترة من حياته. شعر بصداع شديد يدق رأسه، فمسك ذراع الفتاة، وجرّها حتى النافورة، وظلّ يتتبع تدفق الماء وأوجاع رأسه تتفاقم. انحنى يملأ كفيه بالماء البارد ويغسل وجهه، ثم التفت إليها يقول:
-إنه صداع تملّكني فجأة. لكن قولي لي: ماذا قرأت في كتب التاريخ عن تلك الفترة من حياتي؟
أحرجها السؤال فلم ترد لتوها، لكن حنبعل حثها على الحديث فقالت:
-يقولون إنك انتحرت خوفا من الوقوع في أيدي الرومان.
حاول التذكّر لكن صداع رأسه عاد يؤلمه، فاندفع إلى مقعد حذو النافورة وارتمي عليه. لحقت به أسماء مضطربة، ثم جرت إلى داخل البيت تأتيه بدواء ضد الصداع. وبعد أن خفّت أوجاع رأسه قال لها:
-غريب أمر هذا الصداع، فكلّما حاولت تذكر تلك الفترة التي حدثتني عنها شعرت به يقرع رأسي.
-لا بأس لن نعود إلى الحديث عن تلك الفترة من حياتك، ربما لا ترغب في تذكّر مآسيها.
-لكني أريد أن أعرف كل شيء عن حياتي الماضية، إني أشعر بالضياع يجرفني، لا بد أن أتثبّت من وجودي وجذوري.
كان يتحدّث ونظراته مرشوقة في نافورة الماء وهي في حركاتها السرمدية، ثم التفت فجأة إلى أسماء وسألها راجيا:
-ألا تساعدينني على استرجاع ماضي؟
-وكيف؟
-تروين لي كل ما تجدينه عني في الكتب.
-ليس هذا بالعمل اليسير فقد كتبوا عنك الكثير يا سيد حنبعل، قال أحدهم: “زن رماد حنبعل وقل لي كم كتابا يزن هذا الجنرال الشهير”
-أريد فقط أن تروي لي بعض مراحل حياتي فقد تساعدني على استرجاع ذاكرتي.
-سأدرس الأمر وأبلغك ما يمكنني فعله فيما بعد. لكن الآن لا بد أن تترك الماضي وتتعشى معنا خالي الذهن.
بعد العشاء خرجت الأسرة تتجول صحبة حنبعل بزيه البوني الأرجواني اللون في شوارع الحمامات، لكنه لم يسترع انتباه الراجلين المكتظة بهم شوارع الحمامات المطلة على الخليج. لقد تعوّد الناس على التنوّع ولم يعد يثيرهم أي شيء، حتى النساء شبه العاريات اللاتي يجبن الشوارع، والعاريات تماما يعرضن فتنتهن بالشواطئ على الشمس تصطليها.
رجع حنبعل إلى النزل وقد دخلته البلبلة، وشعر باختلافه عن هذه البشرية التي وعى أنه لا ينتمي إليها تماما. أخذ فارق الزمن يهيمن على ذهنه، وأخذت ذاكرته تسترجع قدرتها على تصوّر بعض فترات الماضي، وظهرت بعض ملامح شخصية حنبعل بركا القائد البوني الذي قضى جل فترات حياته في القتال ومحاربة أعداء قرطاج. لكنه شعر بالانفصام يمزّق حياته. فلا هو حنبعل القرطاجي صاحب أمجد تواريخ رجال الحروب، ولا هو حنبعل الرجل التائه في عالم لا يفهم منه الشيء الكثير. كانت الآلات التي تملأ محيطه تثير قلقه، لم يقدر على فهم سر تحركها تلقائيا دون تدخل قوة خارجية. السيارة، والمصعد، والكهرباء، وباب الجناح، والقارب… كل هذه الآلات تحيره، يريد أن يفهم كيف تشتغل بكل تلك التقائية.
وظلّت هذه الأفكار تملأ ذهنه وهو يعود إلى جناحه.

6

دخل جناحه، وبعد أن خلع ملابسه توجه إلى الحمام ليملأ الحوض ويغطس داخله متلذذا بدفء الماء. كاد أن يغفو وهو في الحوض يريد أن يزيل من ذهنه الاضطراب الذي هيمن عليه عندما أجهد نفسه ليتذكر ماضيه الأليم. لمّا ارتاحت نفسه، غادر الحمام إلى غرفته ناشدا النوم.
ولكن قبل أن يستسلم إلى النوم فتح باب الغرفة ودخلت فتاة الفضاء تتقدّم بخطى ثابتة نحوه. جذبت أريكة وجلست قبالته. لقد نسي حتى وجودها، ما لها تأتي في هذه اللحظة التي هدأت فيها نفسه واسترجع صفاء ذهنه لتعكّر مزاجه من جديد؟ شعر بالحرارة تعمّ جسده فقال لها غاضبا:
-أو تتصوّرين أني عبدك.
ابتسمت له ابتسامة ودّ وقالت:
-أطلب المعذرة فقد حاولت الاتصال بك لكنك انتزعت الآلة من أذنك.
-ماذا تريدين؟
-لا شيء سوى الاطمئنان عليك.
-إني بخير.
-لست بخير، ملامحك تدلّ على كدر نفسك.
قربت الأريكة من فراشه، وبعد برهة من الصمت وهي تتفحّصه، قالت له:
-يا حنبعل لا تعقد مهمتي. لست عدوّتك، ولا سيدتك، ولا آلهتك. إني طالبة علم أريد من خلال تجربتي معك أن أختبر معرفة نظرية لم تجرّب بعد.
انتزع حنبعل الغطاء من على جسده ونهض واقفا. اقترب منها وقال لها حانقا:
-وهل تتصورينني لعبة يمكنك اللهو بها متى شئت؟
كان حنبعل عاريا تماما، فظلت تتثبّت في جسده بقعة بقعة، ثم قالت:
-جميل جسدك رغم قامتك القصيرة نسبيا.
تفطّن حنبعل إلى عريه فجرى يتستر باللحاف. اندفعت الفتاة تضحك بكل قواها، ثم سألته والضحكة ما تزال تعمر وجهها:
-أتخشى عليه من نظراتي؟
لم يجبها بل عاد يتمدد على السرير متحاشيا النظر إليها. أخذت تتحدّث إليه بودّ تحاول إقناعه بأن يتعامل معها كصديقة تريد منه المساعدة على إنجاز مشروعها العلمي حتى لانت شكيمته وروى لها بعض تفاصيل رحلته البحرية، وتجوّله في عرض خليج الحمامات، واقترابه من خليج تونس. سألته:
-هل تغيرت في نظرك البلاد؟
-لم اقترب من الشواطئ، ولكن البحر هو البحر، ورغم تطور الوسائل فالفرق ليس بالكبير. لم أفهم لماذا يسرعون في تنقلاتهم؟
-يريدون التحكم في الزمان.
-وماذا يفعلون به؟
-الوقت من ذهب يقول الأرضيون.
ثم روى لها كيف أنه يحس بآلام شديدة برأسه كلّما تذكّر فترة عنيفة من حياته. فطمأنته قائلة:
-لا تخف من ماضيك فهو مفعم بالعنف. حاول أن تتحمّل ردّ فعل نفسك الجديدة المغايرة تماما لتلك التي كانت تسكنك عندما ما كنت قائدا لأعظم جيش في الدنيا. لقد أصبحت اليوم إنسانا مسالما تنبذ العنف والحرب والهيمنة.
قال مستغربا:
-فأنا إذن لست حنبعل؟ ماذا أصبحت بعد أن فقدت السمات التي كوّنت شخصيتي؟
قالت له ضاحكة:
-لقد كنت حسب ما علمته شخصا متعدد الوجوه: كنت العنيف الذي لا يتوانى في القتل والدمار، الداهية الذي يستجلب عدوّه للهدنة ليمحقه، رجل السياسة المحنك الذي يدّعي السلم والعدالة والوئام، وأشياء أخرى كثيرة ذكرها التاريخ بكل إطناب.
-ومن سأكون وأنا خارج نطاق التاريخ؟
-هذا ما ستحدده تصرفاتك في مجتمع يختلف تماما عن المجتمعات التي عشت فيها. أعيد تذكيرك بأن هذا المجتمع ليس بونيا، ولا فينيقيا ولا بربريا. عليك أن تكتشفه من خلال اختلاطك بأهله.
قال بصوت خافت:
-بدأت أعرفه من خلال الأسرة التي زرتها اليوم. كانت أسماء رائعة في كل تصرفاتها…
-ومن هي أسماء؟
-فتاة جميلة وذكية يظهر أنها مغرمة بي كثيرا… وربما…
تراجع حنبعل عما كان يريد الإفصاح به، فظلت فتاة الفضاء تحملق فيه برهة من الزمن، ثم أعلنت متحمسة:
-جميل. إذا استولى على قلبك الحب فستسعد بوجودك في هذه الدنيا.
لم يقل شيئا. بقي مطرقا يفكّر والفتاة تنظر إليه بانتباه شديد. وفجأة سألها:
-لكن من يموّل إقامتي في النزل؟
-لا تفكّر في المال، تلك البطاقة المغناطيسية التي تفتح بها باب الجناح تمكنك من تلبية كل احتياجاتك من المال. لكن عليك بالحذر فقد أعلمتني مصالح المراقبة عندنا أنها رصدت مراسلات لمصالح استخباراتية ورد فيها اسمك عدة مرات.
نظر إليها مليا وقال مبتسما:
-ربما يقع اختطافي.
-لن يحصل ذلك أبدا، فأنت محاط بجيش من الروبوات المجهرية تقيك كل التدخلات العنيفة.
-لم أرها أبدا.
-لأنها مجهرية تشبه كويرات الماء في الهواء، وهي فعالة إلى أقصى حد.
لاذ بالصمت رغم تعدد الأسئلة التي كان يريد طرحها على فتاة الفضاء. يعرف جيدا أنه لن يفهم أجوبتها لأن علمه محدود لا يمكنه من إدراك كثير من الظواهر التي تعيش في محيطه. كل الأدوات من حوله تستدعي المعرفة: نور الكهرباء، التلفون، التلفزيون، وسائل النقل، الروبوات التي تتحدث عنها، المصعد، البساط الكائر الذي يتنقل بها في الفضاء، وغيرها من الأشياء التي لم يتعوّد على وجودها. كان إدراكه للمكان والزمان وللوجود عامة ضبابيا حيث لم يتمكّن من تحديد موقعه بدقّة تسمح له بالتعامل السريع والتلقائي مع ما يدور حوله. لكن شخصا واحدا أخذ يقترب منه كثيرا ويثير فيه شعورا بالمودّة وكأنه صديق قديم. هي أسماء التي أصبحت تحتل حيزا كبيرا في ذاكرته.
سأل فجأة فتاة الفضاء:
-هل يمكنني أن أتزوج؟
بعد برهة من الصمت أجابته:
-أنت حرّ في كل ما تفعل.
-إذن سأتزوج أسماء.
-جميل. سوف أساعدك على بناء عش الزوجية. لكن هل تحدّثتما في الموضوع؟
-غدا سأعرض عليها الزواج وأرى ما سيكون موقفها.
-ولماذا تتعجّل؟
-ألم تقولي إن الوقت من ذهب؟
جذبت الأريكة حتى لامست السرير. نظرت في عينيه مليّا ثم سألته:
-هل أنت عاشق؟
-عاشق من؟
-الفتاة التونسية!
-لست أدري، لكني أشعر بالراحة بقربها.
بقي حنبعل يقلّب في ذهنه سؤال فتاة الفضاء. “هل أنت عاشق؟” وعادت به الذاكرة إلى غياهب التاريخ عندما كان قائد البعثة القرطاجية في البلاد الإيبيرية. تذكّر زوجته ملكا، وحبّه لها. لم يعيشا معا سوى بضع سنوات. اضطرا إلى الفراق عندما عزم على حملته الجنونية على البلاد الإيطالية. كانت السفينة تبتعد عن ميناء قادس متجهة إلى أعماق البحر، وكانت ملكا تحمل ولده الصغير، وظلا يلوحان له بأيديهما والدمع يسيل من عينيها. وبكى لأول مرة في حياته.
ثم التفت فجأة إلى فتاة الفضاء التي كانت تتبع شروده بكل انتباه، وطلب منها راجيا:
-أريدك أن تقصي عليّ واقعة استنساخي بكل تفاصيلها.
سألته متضايقة:
-ولماذا كل هذا الإصرار على أشياء لم تعد تهمك؟
-كيف لم تعد تهمني؟ إنها قصة حياتي! لب وجودي الآن!
-لست واثقة أنها ستفيدك كثيرا، لأنها بكل صراحة ليس فيها سوى تعقيدات علمية نجحت في إرجاعك إلى الحياة.
أصر حنبعل قائلا:
-أريد معرفتها!
صمتت فترة من الزمن ثم قالت:
-كما أعلمتك من قبل، فإني قدمت من كوكبي قانماد طالبة المعرفة والتجربة العلمية. كان المشروع الذي كنت أنوي إنجازه حاضرا بكل تفاصيله ودقائقه العلمية والتقنية. ولم تكن تعوزني إلا معرفة تاريخ الإنسان الأرضي الذي أنوي استنساخه.
عكفت فترة من الزمن في مكتبة محطتنا الأرضية على تصفح ما توفر فيها من معلومات عن عظماء الأرض منذ أن عرف الإنسان الأرضي تسجيل تاريخه. وبكل اختصار وجدت تاريخك من أغرب تواريخ عظماء الأرض. فقد ظهرت لي رجلا غريب الأطوار تجمع كل متناقضات الإنسان الأرضي. العنف والرقة، الحرب والسلم، البساطة والرفعة، والواقعية والحلم. كانت كل حياتك تناقضا، حتى موتك لم يخل من ذلك التناقض. وجدتك شخصية غريبة، ولذلك أحببت أن أراك تعيش في هذا العصر الذي تفاقمت فيه تناقضات الإنسان إلى درجة لم يعد يسهل فيها رؤية مستقبله…
قاطعها حنبعل مستعجلا:
-وبعد أن قرأت تاريخي بدأت في نحتي على صخرة ثم نفختي فيها الروح فتحولت إلى ما أنا عليه الآن؟
ضحكت ملء فمها وهي تربت على فخذه، ثم قالت:
-لم يكن الأمر بتلك السهولة. كانت الصعوبة الأولى أن أجد أثرك. فقد علمت أن نهايتك كانت في مدينة تدعى اليوم إزميت. تنقلت إليها على متن طبق طائر، وأخذت أجمع الصور عن كل الأماكن الأثرية، بل عن كل المدينة وما حولها، وما تحتها من الأنقاض. وبعد عناء كبير تمكنت من العثور على بقايا إنسانية لأموات يعود عهدهم إلى فترة مماتك. كلفت الروبوات بجمع عينات عن تلك البقايا، ودفعتها إلى المخبر لتحليلها وتصنيفها. ولما كانت عندي مجموعة من الصور التي تشير إليك، كلفت الحاسوب بأن يخرج صورة لك بها كل المواصفات التي ستعينني على اختيار العينة الصالحة لاستنساخك. وبعد محاولات عديدة توصلنا إلى تحديد العينة واستخراج الصندوق السحري الذي تخبئ فيه الطبيعة موروث الكائن الحي الممكن استنساخه. ومن ثمة بدأت العملية المعقدة التي تطلبت شهورا من التجارب المضنية. وعندما اكتمل نمو جسدك، ودبت فيه الحياة، كانت فرحتي لا توصف. واحتفلنا داخل المحطة بميلادك الجديد.
قاطعها حنبعل حالما:
-هذه الأشياء لا تصدق!
-ألم أقل لك إنها لا تعنيك؟
سألها حنبعل غاضبا:
-وتعني من إذن؟
-تعنيني أنا العالمة بالاستنساخ.
ساد بينهما صمت ثقيل، عاد بعده حنبعل يسأل:
-وكيف تقبلت الحياة للوهلة الأولى؟
-لم تعد إلى الحياة فجأة، فقد مررت بعدة مراحل كنت خلالها في غيبوبة، ثم في منام مستمر تتخلله الأحلام، ثم في فترات قصيرة من الوعي، وأخيرا في مرحلة التعرف على محيطك في غرفة خاصة. عندما أصبحت تعي وجودك المادي أخذنا في تلقينك لغتك الجديدة وعاداتك الجديدة، ودربناك على التصرف المجتمعي كما هو الآن. وكانت أصعب المراحل عندما أخذنا في تنشيط خلايا الدماغ لتسترجع ما يمكن استرجاعه من ذاكرتك.
بعد فترة من الصمت، عادت تقول:
-في الحقيقة وجدنا أن ذاكرتك معطلة، ولم نرغب في تحريكها حتى لا تصاب بانفصام في الشخصية، لكن العالم النفساني الذي أشرف على تهيئتك للحياة في مجتمعك الجديد قال إنك ستستعيد ذاكرتك تدريجيا إذا لم يحصل لك صدام مع مجتمعك الجديد.
ظلّ حنبعل شاردا لا ينظر إلى الفتاة بقربه، فنهضت بخفة وتوجهت بصمت إلى بساطها الطائر وغادرت الغرفة دون أن يتفطن إليها.

7

ما إن بزغت شمس الصباح حتى نهض حنبعل نشطا. ترك النافذة مفتوحة كامل الليل، فغمر الغرفة نور الصباح المنعش، وظهرت السماء صافية تبتسم له. غادر الفراش، ووقف أمام النافذة يطلّ على الدنيا وكأنه يراها لأول مرة. تنفّس بملء رئتيه وغاص ببصره في أعماق اللازوردي المنتشر في الأفق. وتملكته رغبة جامحة في العودة إلى البحر يشق عبابه ويستجلي خليج تونس. لا بد أن يرى قرطاج عروس أحلامه، فقد بدأ الماضي يدبّ داخله كالدم الحار.
رنّ جرس الهاتف مزعجا، فالتفت نحوه وظلّ مترددا قبل أن يتوجه إليه ويحمل السماعة ببطء. وما أن جاءه صوت أسماء حتى انشرحت أساريره، وانقشعت رهبته من الآلة العجيبة التي لم يتعوّد بعد على استعمالها.
-صباح الخير يا سيد حنبعل.
-صباح النور.
-آسفة على الإزعاج، فقد طلبتك لأن رجال الشرطة أصرّوا على أن أطلعهم على بطاقة تعريفك، أكون ممنونة لو تنزلها معك عند خروجك.
-لم أفهم جيدا ما تطلبين، لكني سأنزل عن قريب وتشرحين لي الموضوع.
استحمّ ثم تغدى وخرج. وما إن نزل من المصعد حتى توجه إلى الاستقبال فوجد أسماء تترقب وصوله، وتلفه بنظرة استشفّ منها كل شوقها لملاقاته.
-هل أتيت بالبطاقة؟
-بطاقة ماذا؟
-بطاقة التعريف.
-لا أحمل معي سوى هذه البطاقة المغناطيسية.
تفرّست في البطاقة، لم تر مثيلا لها من قبل. وبينما هي ترجعها إليه، تقدم رجل طويل القامة مفتول العضلات يحمل نظارات سوداء، ثمّ مدّ يده لأخذ البطاقة من يد حنبعل عنوة، لكنه سرعان ما جذب يده بسرعة وطفق يحكها وكأنه الملسوع. بقي مشدوها حتى انحنى عليه رجل آخر في نفس الهيئة وهمس له:
-”آش بيك؟”
-”ما نعرفش اش صار لي. حبيت انفك له البطاقة وإذا بيه حسيت بيدي مشلولة. رد بالك منو هالهمّ!”
مدّ الرجل الثاني يده إلى حنبعل لكنه أحس بلسعة في يده أثنته على مواصلة سعيه. بقي الرجلان مشدوهين يتبعان حديث حنبعل مع أسماء.
طلب منها أن تهيئ له نفس القارب الذي استأجره البارحة، فتركت الاستقبال ورافقته حتى الشاطئ حيث كان المركب في انتظاره. وقبل أن يصعد إلى المركب سألها:
-متى نلتقي؟
-هل تريد أن تأتي إلى البيت؟
-أرغب أن نكون وحدنا لديّ شيء هام أريد أن أطلبه منك.
ارتبكت وقالت له متلعثمة:
-سنتحدث في الموضوع عندما تعود من البحر.
لمّا عادت إلى مكتب الاستقبال أمطرها الرجلان بوابل من الأسئلة، لكن أجوبتها لم تشف غليلهما. فغادرا النزل متوعدين أنهما سيكونان في استقبال حنبعل حال عودته إليه.
وعند المساء، وبعد انتهاء حصة عملها، عسكرت أسماء على الشاطئ تنتظر حنبعل. لم يعد يهمّها ما يقوله الناس، أو ما يمكن أن يلاحظه لها رئيسها في العمل. أحست أن حبّها لحنبعل طغى على كيانها، بل صارت لا تعيش إلا به. تتصوّره أثناء كل ساعات حياتها، وتحلم بقربه وبالحديث إليه وبالولوج إلى قلبه. وكلّما رأته ازداد شوقها إليه. لكن اليوم أحسّت أن شيئا سيئا ربما يحدث له، فظلّت تفكّر كيف تقيه شرّ ذينك الرجلين الفظّين.
كان الشاطئ خاليا من المصطافين، إلا من بعض السواح شبه العراة ممددين على الرمال الفضية، يعرضون أجسادهم إلى شمس العشية، يغرفون منها زادا يلطّف عليهم شتاءهم القاسي. وكان نسيم البحر عطرا، وأمواجه هادئة ترتل أنشودتها السرمدية، وكان قلب أسماء يخفق بين ضلوعها شوقا إلى حنبعل.
ولمّا طال انتظارها طفقت تتمشى على الرمال المبللة وحذاؤها بين يديها. وفجأة اكفهرّ وجهها، وارتفعت دقات قلبها، فقد لاحظت وجود الرجلين الفظّين يعترضان سبيلها. توقفت عن المشي، فتقدّما منها، ولما صارا قربها سألها أحدهما:
-”في اشكون تستنّ؟”
بعد لحظة من الصمت المشحون أجابت:
-في القارب. أريد أن أترك لصاحبه طلبات يوم الغد لأني سأكون في عطلة.
قال لها أحد الرجلين الذي اقترب منها حتى لامست رجله فخذها:
-”وسي حنبعل ما عندكش معاه حاجة؟”
احمرّ وجهها غيظا وكادت أن تدفعه بعيدا عنها، لكنها تماسكت وأجابت بحدّة:
-السيد حنبعل حريف النزل وليست لي به أية علاقة مسترابة.
لكن الرجلين تركاها وتوجها إلى ناحية البحر حيث اقترب القارب من رمال الشاطئ.
نزل حنبعل بإعانة ملاحين، وما إن خطا بعض الخطوات على الرمال المبللة حتى أحاط به الرجلان الفظّان. لم يعرهما أي اهتمام، بل أسرع نحو أسماء التي ظلّت في مكانها مرتبكة. حاول أحد الرجلين الإمساك بحنبعل لكنه سرعان ما جذب يده متوجعا. ثم صرخ خلف حنبعل:
-”يا سي السماء آش بيك حاقر الناس؟”
واصل حنبعل طريقه دون أن يكترث بالصراخ، بل لم يكن يعرف أنه موجه إليه. حاول الرجلان أن يلحقا به، لكنهما تسمرا في مكانهما، فقد شلّت حركاتهما تماما، ولم يعودا قادرين على التنقل. لمّا وصل حنبعل إلى أسماء همّ باحتضانها، لكنه تفطّن من خلال نظرتها المرتبكة أنه لا يجوز فعل ذلك. فسألها مستفسرا:
-ما لك؟ ماذا جرى؟
-لا شيء هذان الرجلان يلاحقانك، وربما يضمران لك الشر.
التفت إليهما فوجدهما في مكانهما جامدين. عاد ينظر إليها بلهفة ثم قال لها:
-لا عليك فلن يمسّني أحد بسوء.
دنا منها ومسك يدها، فهمست له:
-لا أرغب في أن يتحدّث هذان الرجلان عني بأي كلام. إنهما على ما فهمت شرطيان من فرقة أمن الدولة. خطيران للغاية، فلنبتعد عنهما ما استطعنا.
التحقا بالملاحين اللذين كانا يشدان القارب إلى وتد على الشاطئ، وتحدثت إليهما وهي تنظر باستغراب إلى الرجلين الفظّين وهما في مكانهما مسمران، ثم غادرت الشاطئ بسرعة دون أن تلتفت وحنبعل يحث الخطى وراءها. ولمّا أدركت الطريق المعبدة، التفتت إلى حنبعل وقالت له بصوت خافت مرتعش:
-لا بد أن تغادر النزل. فلن يسكت رجال أمن الدولة على الإهانة التي حصلت لهما.
قال لها مبتسما غير مكترث بالخطر الذي يمثله هذان الرجلان المسمران على الرمال:
-سأشتري لك بيتا نختلي فيه بعيدا عن منغصات الدنيا.
أجابته منفعلة:
-ليس الآن وقت مزاح.
قال لها ضاحكا:
-لقد عاش حنبعل كامل حياته جديا. ابحثي عن بيت جميل منزو وسأشتريه لك، لا تفكري في المال، سأشتريه لك مهما غلا ثمنه.
-العاجل الآن أن نجد وسيلة نواجه بها رجال أمن الدولة.
التفت حنبعل ناحية الرجلين فوجدهما مسمرين في نفس المكان. ثم نظر في وجه أسماء فلاحظ مدى خوفها واضطرابها. قال لها:
-الظاهر أن خطر هذين الرجلين عليك أكبر من خطرهما علي. لذا لا بد أن تبتعدي عنهما ما استطعت، ولا تعودي إلى بيتك هذه الليلة فإنهما سيبحثان عنك. انصرفي الآن وتدبري أمرك، وغدا أجد حلا لهذه المشكلة.
ظلّت لحظة تنظر إليه مضطربة، ثم تقدّمت نحو الطريق ولكنها تراجعت لتهمس إليه:
-سأكون عندك في جناحك غدا صباحا.
وافترقا.
عاد إلى جناحه، فاستحمّ، وتعشى، واستلقى على أريكة يفكّر. لم يكن مضطربا، ولا منشغلا بالرجلين الفظّين. كان يفكّر في المستقبل، وفي حبّه الناشئ لأسماء. يريدها أن تشاطره حياته، وأن تعينه على الخروج من بحر النسيان، فيسترجع كل مكونات شخصيته. الحاضر لا يهمّه كثيرا، فهو ضبابي. أما المستقبل فيريده شفافا، ينحت فيه حياته كما يشاء. وكان هاجسه الذاكرة، فكلما حاول استرجاع فترات حياته وجدها مفتتة مبعثرة كقطع البزل.
لمّا تسرّبت فتاة الفضاء من النافذة بعد أن عمّ الليل، استقبلها بترحاب كبير خلافا لعادته. اقترب منها وجلس يحدثها بلطف.
-كنت أترقّب وصولك بفارغ الصبر.
-أعرفكم أناس الأرض تحسنون المراوغة. ماذا تريد مني؟
-لماذا لا تضعين على رأسك شعرا يزينه؟
ضحكت ضحكة رنانة ثم قالت له:
-أتتغزل بي؟
-شعر المرأة يزيدها أنوثة وفتنة. أريدك كاملة الحسن، فهذا الرأس الأقرع غير متناسق مع بقية جمالك.
-ستتعوّد. قل ما هي مشكلتك؟
صمت فترة من الزمن وهي تراقب تصرفاته، ثم قال بصوت خافت:
-البوليس يضايقني خاصة أنه أخذ يحاصر أسماء. لا أريد أن يصيبها سوء.
-سنحميها.
-لقد مللت الإقامة بالنزل، سأشتري لأسماء بيتا نعيش فيه براحة بعيدا عن الأعين.
-يمكنك أن تشتري كل ما ترغب فيه بالبطاقة المغناطيسية.
ظلا صامتين لحظة ثم سألها فجأة:
-وما هي قضية بطاقة التعريف؟
-وفرنا لك بطاقة تعريف تونسية، لماذا لا تستعملها؟ ابحث عنها بين أمتعتك، واستظهر بها لكل من يطلبها منك. ألست مواطنا تونسيا؟
-قرطاجي.
-نفس الشيء. شعب هذا البلد يستوعب كل من حط الرحال بينه ويسبغه بطباعه فيصبح الفينيقي بونيا، والروماني إفريقيا، والعربي تونسيا.
-جيد سأتأقلم مع وضعي الجديد وأمارس مواطنتي التونسية.
-لا تنس أن الظروف تغيرت، وأن تونس اليوم ليست قرطاج الأمس.
-لا أرغب في العمل السياسي. كل ما أريده هو أن أنعم بالحب الذي حرمت منه طيلة حياتي الماضية.
نهضت وانحنت عليه تتفحصّه، ثم قالت له:
-يظهر أن حبك لهذه الفتاة صادق تعبّر عنه عيناك بكل وضوح. تجربة فريدة هذه التي ستعيشها. ولكي لا يعكّر صفوها متاهات السياسة والأمن فإني سأطلب منك أن تسمح لنا بغرس آلات خاصة مجهرية في جسمك وجسم فتاتك لحمايتكما من كل الهجمات التي يمكن أن تتعرضا إليها، خاصة أن مصالح الرصد عندنا توصلت إلى اليقين أنك محاصر من عدة جهات من مصالح الأمن لبعض الدول. وهم يتوجسون أن تكون من الإرهابيين الذين يخططون لعمليات العنف.
-وما علاقتي بالعنف؟ لقد طلقت السلاح والحروب، وتحولت إلى إنسان مسالم ينشد الحب والمعرفة.
-هذا الكلام لا يفهمه الساسة ورجال الأمن، كل الأرضيين يشتبه بممارستهم للعنف في كل لحظة من حياتهم. وبما أنك تدعى حنبعل فلا بد أن تكون عنيفا، تخطط للإرهاب كما يدّعون. أنت الآن في تخمينات رجال الأمن في العالم إرهابي، ولذا ستقع مراقبتك في كل مكان من العالم.
ظلّ يفكّر فترة من الزمن ثم أعلن:
-أنا عاشق، والحب والعنف متنافضان. أنا مسالم، والسلم والإرهاب متناقضان. لكني لن أتركهم ينغصون حياتي، سأناضل من أجل الحب والسلام.
ظلّ يفكّر فيما قاله. فانصب عليه سيل من الأفكار والخيالات والمواقف. وتصور نفسه في بيته الجديد يعيش تجربة حب هادئ مع أسماء دون رقيب ولا إزعاج. وتصور نفسه مواطن العالم، يتجول بين البلدان يدعو إلى الحب والسلام. كانت فتاة الفضاء تراقب شروده، منتظرة حديثه. لكنه اكتفى بقوله:
-هناك أمور عملية تتصل بهذا العصر لا أفهمها جيدا، لذا أتصرف كالأبله. كيف لي أن أعيش العصر بكل تشعباته وأنا لا أعرف عنه الشيء الكثير؟
-اترك الأمر إلى حبيبتك ستعلّمك كل شيء ما دامت الثقة تربط بينكما.
وعاد إلى أفكاره.
قبل أن ترحل فتاة الفضاء، طلبت منه:
-متى سترى حبيبتك؟
-غدا عند الصباح بالجناح.
-جيد. سنزرع في جسمكما بعض الآلات المجهرية تمكننا من حمايتكما من كل اعتداء. العملية لا تستغرق وقتا وليست موجعة.
سألها حنبعل مستغربا:
-لم أفهم جيدا. ما ستفعلون بنا؟
-بكل اختصار سنزرع داخل جسديكما آلة تصوير مجهرية متصلة بشبكتنا للفيديو تعطينا صورة عن كل ما يدور حولكما، وتمكننا من التدخل السريع كلما تعرضتما لخطر.
بعد لحظة من التفكير قال لها:
-يعني أنك ستسكنين في أجسادنا أحد أجنتكم.
-افهمه كما شئت، لكن العملية ستقيكما من كل الشرور المحتملة.
-إنه لصعب على ذهني قبول ما تقولين، لكني سأستسلم للواقع. هذا العصر لا أفهمه.
-ما سأقوم به لا يقدر عليه سكان الأرض اليوم. فعلمنا يتقدم عليهم بأشواط كبيرة. وحتى تجربتي لن يقدر عليها أكبر علماء الأرض الآن. إنك محظوظ يا حنبعل أني اطلعت على حياتك في كتب التاريخ للأرضيين.
ظل ّيفكّر فيما قالته دون أن يدرك تفاصيل العملية التي ستقوم بها. ولمّا رأته غير مكترث بوجودها، تركته في شروده وانطلق بها البساط الطائر إلى الفضاء.




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„