ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل ... 3


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1080 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



يطلع الفجر حتى نهض حنبعل ينتظر وصول أسماء. ولمّا دخل الخادم يحمل طبق فطور الصباح ارتبك وبقي ينظر إليه باستغراب وكأنه اعتدى على حرمة جناحه. كان الرجل كهلا أسود. ظلّ حنبعل يتبع خطاه بكلّ انتباه حتى خيل إليه أنه خادمه الأسود عيديبعل الذي رعاه في طفولته، واصطحبه في سفره إلى إسبانيا صبياّ لم يبلغ العاشرة من عمره. كاد حنبعل يناديه باسمه، لكنه تفطّن إلى الحقيقة عندما حياه الخادم وهو ينصرف خارج الجناح. وتفطّن كذلك أن ذاكرته بدأت تشتغل.
تناول فطور الصباح بنهم، ثم وقف أمام النافذة يطلّ على البحر. كان البحر المكان الوحيد الذي لا يملّ النظر إليه. فهو يذكّره بطفولته التي قضاها في تبسوس بعيدا عن قرطاج وحركتها الدؤوب. ويذكّره بقادس وشطآن الأطلنتي وأمواجه العاتية، ويذكّره بقرطاجنّة المدينة التي شيدها صهره صدربعل. كانت صور كل هذه الأماكن تتلاحق في مخيلته كشريط قديم. وكان يراوح بين الماضي والحاضر كعقارب الساعة. يرى الأفق فتتوالى صور طفولته مسرعة لتترك صورة أسماء العالقة في ذهنه تحرك شوقه إلى رؤيتها. لأول مرة سيختلي بها دون رقيب.
ترك النافذة وجلس على أريكة قبالة الباب يترصّد كل حركة، ولمّا طال انتظاره عاد إلى النافذة يطلّ على البحر. ولم تمض بعض الدقائق حتى سمع دقات خفيفة على الباب. أسرع يفتحه فإذا بأسماء تندس داخل الجناح بسرعة وهي مرتجفة.
قالت له بصوت خافت:
-تسللت إلى النزل دون أن يتفطن إليّ أحد، وأرجو أن لم يرني أحد وأنا أدخل جناحك.
ظلّ ينظر إليها منشرحا. وجهها المورد المكتنز، وعيناها العسليتان الموشحتان بالكحل، وشعرها الكستنائي السلس المنساب على كتفيها، وحيويتها المفعمة أضفت على شخصها رونقا سحره، فطابت لها نفسه، وأزالت عنه شعوره بالضيق. لم يضمّها إليه بل مسك يدها ومشى بها إلى الأريكة، أجلسها وعاد ينظر في وجهها.
فجأة ظهرت في مخيلته صورة لوجه جميل ناصع البياض تتصدّره عينان واسعتان، وأنف صغير، وشفتان قرمزيتان، ونظرة صارمة وحنون. تلتقي صورة الذاكرة بصورة الواقع فتتشابهان ثم تتنافران. أسماء ومتونبعل. هذه عشيقته في الحاضر وتلك أمه في الماضي. هذه تفيض حيوية وحياة، وتلك صورة جامدة رغم كل ما تثيره داخله من حنين. هذه رقيقة تفعم براءة وحبا، وتلك صارمة لا تتوانى في دفعه إلى المخاطر ليكون شديدا عاتيا.
كانت متونبعل أمه البونية، ويذكر بعضهم أنها من أسرة لوبية عريقة، ويؤكد البعض الآخر على منبتها الفينيقي، وأصلها القرطاجي، قد سخّرت حياتها لتربية أبنائها الثلاث: حنبعل بكرها، وآزربعل، وماغون. تركت حياة الترف في مدينة قرطاج، وانزوت بهم في تبسوس، وسهرت على تربيتهم بصرامة جعلت منهم أكبر قادة جيوش قرطاج. تذكرها الآن حنبعل وهو يرنو إلى وجه أسماء المتهلل. فقال لها:
-كم أنا سعيد بوجودك قربي.
وعاد يرنو إليها متلذذا. قالت بصوت خافت:
-نظراتك تخيفني.
قال حالما:
-وجهك يذكرني بمتونبعل.
-غريب هذا الاسم لم أسمع به من قبل.
-إنه اسم أمّي.
-اسم فينيقي؟
-نعم.
-وهل كنت تعيش معها؟
-عندما بدأت الحرب عادت مع زوجتي وإبني إلى قرطاج.
واكتنفهما الصمت. وفجأة أسرع حنبعل إلى المطبخ حيث وجد كيسي المسحوق المخدّر، حلّهما في كأسين من الماء وأتى بهما. بقيا يتجرعان المحلول ببطء حتى غابا عن الوجود. وعندما أفاقا لم يحسا بآثار زرع الآلة داخل جسديهما. تذكّر حنبعل ما قالته فتاة الفضاء، فمسك يدي أسماء وقبّلهما قائلا:
-الآن لن أخاف عليك. ولن يقدر أحد على إيذائك. فليذهب كل الأعداء إلى الجحيم.
ثم ضمها إليه وهمس:
-أريدك أن تشتري بيتا لنا وتؤثثيه كما يحلو لك وفي أسرع وقت.
-ومن أين سيأتيني المال؟
-هذه البطاقة كالساحر ستفتح لك خزانة المال على مصراعيها.
ثم انحنى يقبّلها أول قبلة في حياته الجديدة.
ظلّت في البداية متحجرة، لكنها سرعان ما اهتاجت داخلها الشهوة فبادلته العناق بكل جموح. ولمّا توقف عن عناقها طفق ينظر إليها كالمتعبّد، قالت له بصوت مرتجف:
-هذا لا يجوز يا سيد حنبعل.
-الحب كالعبادة نستسلم إليه لنطهر أنفسنا.
-لكن للحب طقوسا.
عاد يضمها إليه بقوة وهو يهمس:
-سنتزوج.
ثم مدّ لها البطاقة المغناطيسية وطلب منها أن تأخذ ما تشاء من المال لشراء كل ما ترغب فيه حتى يتمكنا من مغادرة النزل والاختلاء ببعضهما.
تمعنت في البطاقة، ثم قالت حالمة:
-تملك رصيدا في بنك سويسري!
قال غير مبال:
-لا يهمني المال. الحقيقة الوحيدة التي متأكد منها في هذا العالم أني أحبك!
نظرت إليه مليا ثم قالت متحمسة:
-سأستأجر سيارة.
-استأجري لي قاربا قويا مع نوتيين.
-وسأستأجر بيتا مؤثثا ريثما نجد آخر نشتريه في راحة بال.
أخرجت من حقيبتها هاتفا محمولا، وطلبت أحد دور كراء السيارات. سمعها حنبعل تقول بكل جدّ:
-أريدها مرسيدس من آخر طراز وداكنة اللون…
-اليوم…
-إذن أترقبك في نزل عليسة…
-أطلب السيد حنبعل فسينزل لاستقبالك حالا.
أقفلت الآلة والتفتت إلى حنبعل وقد كسا وجهها ظلّ من السعادة. ثم عادت تتحدث في الهاتف المحمول:
-ما هو نوع القارب الذي في حوزتكم…
-أريده حالا…
-سأمر مع الحريف بعد قليل.
بعد أن وضعت الهاتف في حقيبتها قالت لحنبعل:
-لبيت كل رغباتك.
ضمها إليه وعاد يقبلها ثم همس في أذنها:
-ما زالت لي أمنية.
تملصت منه برقة قائلة:
-كل شيء في أوانه.
ثم وقفت واتجهت إلى النافذة، أطلت على الساحة الكبيرة أمام النزل وظلّت تراقب كل السيارات القادمة إليه. أدركها حنبعل وعاد يضمها إليه وهو ينظر إلى الأفق البحري. شعرت بجسده وبحرارته تلفها، فاخترقتها قشعريرة رقيقة، واسلمت جسدها إليه. كانت تذوب من فرط الشهوة التي آثارها فيها، لكن عينيها لم تغادرا باب سياج الحديقة الغناء المترامية على جانبي النزل. وما إن ظهرت سيارة مرسيدس داكنة اللون حتى استدارت في مكانها فوجدت نفسها أسيرة طوق حنبعل الذي ظلّ ينحني عليها ينظر في عينيها قبل أن يلثم ثغرها المتوقد.
بقيا متعانقين ينهلان من بعضهما البعض لفترة من الزمن، ثمّ تخلصت من عناقه وهمست مرتجفة:
-لا بد من النزول فقد حضرت السيارة.
نزلا واتمّا إجراءات كراء السيارة ثم غادرا النزل. أمسكت بالمقود وهو بجانبها يستغرب هذا التحرك التلقائي للآلة العجيبة. كانت تقود السيارة بشموخ وقد فتحت النافذة فنثر الهواء خصلات شعرها. أحست أنها أصبحت من أميرات الدنيا. أليست عشيقة حنبعل الذي تفوق شهرته شهرة أي رجل على وجه الأرض؟ بل ستصبح زوجته. أخذ الحلم يتبلور في مخيلتها، وطفقت ترتب مراحل انجازه. قالت في نفسها: “لن أستسلم إليه بسهولة ولو أني أذوب كلما طوقني بذراعيه.” كانت تضع نظارات سوداء فلمّا التفتت إلى حنبعل لم يظهر على وجهها ذلك الوقار الذي اصطنعته حالما تمكنت من سيارة المرسيدس. كان هو متضايقا، يصرّ جسده داخل الكرسي الأمامي لا يرغب في الحركة. لم يقتنع أن هذه العربة تجرّ نفسها بنفسها. في الواقع لم يقتنع بأشياء كثيرة يعيش بينها وتتطلب تفسيرا، لكنه استسلم لهذا الوجود الغامض، وانساق في خضم الحياة. الحقيقة الثابتة لديه أنه أصبح عاشق هذه الفتاة، وهي ما جعلت لحياته الغريبة هذه بعدا إنسانيا دفعه إلى الرغبة في العيش داخل فضاء جل مكوناته ضبابية.
قالت له ونظراتها لا تفارق الطريق:
-سنمر بالميناء الترفيهي حيث أتركك لهوايتك البحرية. وسأتفرغ للبحث عن بيت يأوي حبنا. ثم نلتقي عند المساء.
لم يقل شيئا. كان يترقب وقوف السيارة ليسترجع أنفاسه. لكن أسماء لم تنتبه إلى وضعه. كانت تنظر إلى الشوارع والمارة والبنايات من حولها بمنظار جديد. تراها وكأنها أصبحت ملكا لها يمكنها أن تقتنيها متى رغبت. عندما نزلا من السيارة، مسكت يده وتوجهت به إلى بناية أنيقة وتقدمت إلى مكتب فخم، أجلسته في ركن منه ثم توجهت إلى الكاتبة وتحدّثت إليها باستعلاء. وبعد ان انهيا إجراءات الاستئجار عادت به إلى الرصيف، وتوجها إلى قارب فخم وجميل كتب على جانبيه بالخط العربي واللاتيني “صلامبو”. كان حنبعل يتبعها مطيعا. التفتت إليه قائلة:
-سأكون في انتظارك هنا عند السادسة مساء.
قال لها مبتسما:
-أمر مولاتي.

9

التقيا حسب الاتفاق. كانت أسماء قد وصلت في سيارة المرسيدس، وقبل أن تغادرها ألقت نظرة شمولية على الميناء، فلاحظت وجود رجلي أمن الدولة أمام المرفأ. اضطربت في البداية لكنها تماسكت، ووضعت السيارة في زقاق غير بعيد عن الميناء، ثم تسللت إلى المرفأ دون أن تجلب أنظار الرجلين، وما أن رسا قارب حنبعل ونزل منه حتى أسرعت إليه. أمسكت ذراعه واندفعت معه بعيدا عن الرصيف وهي تهمس له:
-حذار، فإن رجال الأمن يبحثون عنا، لا تلتفت، اتبع خطاي بسرعة.
وعندما تخطيا الطريق العريضة التفتت، فرأت الرجلين يبحثان عنهما في كل الاتجاهات. أسرعت ومن ورائها حنبعل إلى الزقاق الضيق. وبعد أن صعدا إلى السيارة، ظلّت فترة من الزمن تسترجع أنفاسها وتراقب الشارع العريض وأرصفة الميناء المترامية، وتأكدت أن الرجلين لم يلاحظا سيارتهما. دفعت السيارة بين الأزقة حتى أدركت الطريق المؤدية إلى مدينة الحمامات وهي في اضطرابها وخوفها من أن يعترض سبيلهما الرجلان الغليظان.
عندما وصلت إلى طريق نابل انعرجت على اليسار سالكة مسربا ريفيا ضيقا مغبرا، وبعد قطع مائتي متر توقفت السيارة أمام باب عريض يفضي إلى ضيعة تنتشر في أرجائها أشجار البرتقال اليانعة. ضغطت على المنبه فجرى إلى الباب حارس فتحه، وتقدمت السيارة بين الأشجار حتى توقفت أمام بيت جميل ذي طابقين يكسو سقفه القرميد الأحمر وتزدان نوافذه بالحديد المشبك المطلي بالأزرق، ويغطي جدرانه جير ناصع البياض.
التفتت إلى حنبعل سائلة:
-ما رأيك؟
-في ماذا؟
-في البيت.
-جميل.
-مليون دينار.
-تعرفين أني لا أفهم في شؤون المال والعقار عندكم. لكني لا أمانع في أن أشتريه لك عربون زواجنا.
طوقته بذراعيها تقبّله، ثم أعلنت:
-نمر غدا إلى البنك نتمم إجراءات تحويل المال ثم أتكفل ببقية الإجراءات.
-وهل هو مؤثث؟
-سيترك لنا صاحبه بعض الأثاث.
-طيب. متى نتزوج؟
قبلته قبلة رقيقة وهمست له:
-كل شيء في أوانه.
طافا بالبيت، وعاينا كل غرفه، وصعدا إلى سطحه حيث أشرفا على مشاهد خلابة تحيط به: الأفق البحري أمامه تتلألأ تحت أشعة شمس الغروب، والجبل الأجرد من ورائه يسنده، وبجانبيه حقول البرتقال مترامية يفوح منها عبق الأزهار.
انحنى حنبعل على أسماء وهمس لها:
-لن أغادر هذا المكان. سأبيت الليلة هنا.
-غير ممكن هذه الليلة. فلنترقب قليلا.
مسكت يده ونزلت به الدرج، تمادت تأخذ بيده حتى باب السيارة. فتحت له الباب وعندما أغلقته وراءها ضلّت تفكّر فترة من الزمن ثم قالت له بحماس:
-سنشرع غدا في إعداد ظروف زواجنا.
ثم شغّلت السيارة وانطلقت إلى نزل عليسة. قبل أن يغادر السيارة قالت له بحزم:
-لا بد من إعداد بطاقة تعريف، ومضمون ولادة، وسأقوم ببقية الإجراءات. نم هانئا هذه الليلة، وسآخذك غدا إلى مدينة قرطاج لطلب عقد قراننا.
فتحت له الباب فنزل متباطئا. ولمّا همّت بالمغادرة مسك يدها وقال:
-ربما يصعب عليّ الحصول على الوثائق التي طلبتها.
أجابته بابتسامة ماكرة:
-وهل يصعب على حنبعل شيء؟
بقي ينظر إلى السيارة وهي تندفع في الطريق، ولمّا غابت عنه تقدّم إلى باب النزل وباله مشغول بأشياء كثيرة لم يستوعبها بعد. وجد حياته الجديدة أكثر تعقيدا من حياته القديمة. فهذه الرقابة المستمرة المفروضة عليه من أطراف عدّة، وهذا الإصرار في تأكيد هويته في كل مناسبة، وهذه الآلات المختلفة التي تعمر وجوده. شعر بالحصار يطوّقه، يضيّق من حريته، ويحدّد تصرفاته في المكان وفي الزمان. ولمّا كان يستعدّ لولوج المصعد، جرى نحوه عون الاستقبال، ومدّ له ورقة قائلا بصوت خافت:
-استدعاء من الشرطة يلحون عليك بالاتصال بمركز شرطة الحمامات في أسرع وقت.
أخذ الورقة واندس في المصعد دون أن يلقي عليها ولو نظرة. تمتم داخله: “لا بدّ أن الذي استدعاني غبي. أو يتجرأ أحد على استدعاء حنبعل إلى مركز الشرطة؟!”
فتح باب الجناح وإذا بالرجلين الغليظين يقفان وراءه. لكنهما تجمدا في مكانهما عندما تقدّم نحوهما حنبعل. نظر إليهما باستغراب، ثم سألهما حانقا:
-أو تتجرآن على دخول جناحي؟
ظلاّ جامدين دون أن ينبسا بكلمة. أشار بيده أن ينصرفا، فاندفعا خارج الجناح.
بعد أن أوصد الباب قال بصوت عال وكأنه يخاطب العالم:
-عالم تنتهك فيه حرمة الرجال الشرفاء لا بد أن يكون عالما مقرفا.
وبينما هو في اضطرابه حطت بقربه فتاة الفضاء على بساطها الطائر. لم يستقر البساط على الأرض بل بقي معلقا في الفضاء لا يشدّه أي وتد.
بعد فترة من المراقبة الدقيقة قالت له:
-جئت لأودّعك. فلم يعد لك حاجة لوجودي، سيما وأنني تمكنت من متابعة كل تصرفاتك عن طريق الكمراهات المجهرية المغروزة في جسدك.
قال بامتعاض:
-أنت كذلك تحاصرينني.
-أنا قدرك يا حنبعل. لكن تصرفاتك ملك يديك. فهل أنا اخترت لك الفتاة التونسية لتتزوجها؟ لقد اخترتها بنفسك، أو هي الصدف.
سألها بعد فترة من التفكير:
-كيف أتحصل عليك لو احتجت إلى وجودك؟
-يمكنك طلبي في أي وقت تشاء. أدعني باسم إلهتك تانيت أكن بقربك في لمح البصر.
ثم طرح عليها مسألة زواجه، والإجراءات الإدارية، والأوراق اللازمة. فطمأنته أنه سيجد كل الوثائق المطلوبة على ذمته قبل موعد لقائه مع حبيبته. وبعد فترة من الصمت طلب منها أن تجلس وتحدّثه عن الفضاء، وعن الكوكب الذي قدمت منه، وعن الحياة خارج الأرض. لبّت طلبه، وأطنبت في الحديث عن أشياء لم يصدقها حنبعل. مثل المساواة بين كل سكان الكوكب، وتوفّر كل مستلزمات الحياة لكل الناس مجانا بدون أي مقابل، واندثار الدولة، والحكم، والجيش، والشرطة، وتوفر الحرية المطلقة لكل المواطنين، والتزام الناس بالانضباط لنواميس الحياة الجماعية، ولهفتهم على المعرفة والبحث في كل مجالاتها. أصغى إليها بكل انتباه ثم سالها مترددا:
-ومن يوفّر لكم مستلزمات الحياة؟
-آلاتنا.
-ومن يحكم الآلة؟
-عقولنا.
-وكيف تغلّبتم على نوازع الشر الكامنة في الجنس البشري؟
-بتغليب نوازع الخير عبر الوعي بقيمة الحياة، ونشر قيم الحب والحرية والمعرفة. لكننا لم نصل إلى هذا المستوى إلا بعد مرورنا بعدّة تجارب مريرة، ومآسي العنف التي كادت أن تقضي على الكوكب برمته.
صمتت فترة من الزمن تفكّر وحنبعل ينظر إليها بكل انتباه، ثم قالت له بحماس:
-ما رأيك يا حنبعل لو تساعد سكان الأرض على التخلص من الحروب التي ربما لو تواصل تقدّم العلوم دون الحد من نوازع الشر لتفجّر الكوكب الأزرق ولقضي على أجمل ما يوجد في النظام الشمسي؟
لم يجب حنبعل بل ظلّ يفكّر محاولا استرجاع بعض ذكرياته، لكن أفكاره كانت ضبابية، وتاريخه غير مكتمل المعالم، ونظرته للحاضر لم تكتس بعد الشمولية التي تمكنه من التحرك في كل الفضاءات بمرونة. فقال لها مستسلما:
-قد لا أكون الرجل المناسب لهذه المهمّة.
اقتربت منه أكثر وقالت بحماس:
-سوف أساعدك.
تحاشى نظراتها الثاقبة، ثم سألها:
-لماذا اخترتني أنا بالذات؟
-لأن تاريخك وتاريخ قرطاج يدعم النظرية المتشائمة لمستقبل البشرية على الأرض. قد لا تعرف أنك انتحرت هربا من جبروت القوة التي سيكون على يديها نهاية حضارة من أرقى حضارات المتوسط. لقد محت روما، القوة التي تزعمت العالم، كل معالم الحضارة القرطاجية، أحرقت كل شيء: البشر والمباني والكتب، والمعابد، وحوّلت كيانا بني على مدى ستمائة وخمسين عاما إلى رماد، وحرمت البشرية من جهد أجيال حاولوا التقدم بالإنسان في كل ميادين الحياة. اليوم يا حنبعل تقود الإنسانية قوّة في مثل جبروت روما، وهي تملك من الأسلحة الفتاكة ما يمكنها أن تقضي على الكوكب الأزرق في غضون ساعات. والغريب أن هذه القوة العظمى يحكمها أناس جشعون لا يرون من الأرض إلا ما توفره لهم من أرباح وخيرات.
-أتتصورين أن رجلا مثلي لا يعلم الكثير عن الحياة الآنية على هذا الكوكب المهدد بالفناء كما تتوقعين سيكون مجديا في الحد من غطرسة روما الجديدة؟
-كنت بطلا في عصرك، وظللت بطلا خلال القرون الإثنين والعشرين بعد مماتك. ربما هذه الصفة ستسمح لك بجمع قوى كثيرة محبة للسلام في كل أصقاع الأرض.
بقي يحلم، لكنها استدركت قائلة:
-ما زال أمامنا متسع من الوقت، فكّر جيدا في الموضوع وسوف نعود لمناقشته بعد أن تكتمل عملية استرجاع تاريخك ومقومات شخصيتك.
عنما همت بالجلوس على بساطها الطائر، سألها حنبعل:
-ألا يراك الناس وأنت تشقين الفضاء على هذا البساط؟
ظلت صامتة فترة من الزمن ثم أجابت:
-هذا البساط أستعمله للتنقل من الطبق الطائر إلى النزل. وهو مهيأ لكي لا يرى من بعيد ولا من قريب.
-وأين يوجد طبقك الطائر؟
-راسيا في الفضاء غير بعيد من هنا. إنه كذلك غير مرأي.
لم يستوعب حنبعل شرحها، لكنها تركته مع همومه واندفع بها البساط الطائر خارج الجناح ليبتلعها ليل الحمامات العطر.

10

تسللت أسماء إلى جناح حنبعل دون أن يتفطّن إليها أحد. دخلت غرفة النوم على أطراف أصابعها دون أن تحدث أي صوت. وجدت حنبعل يغطّ في نوم عميق رغم النور الذي اكتسح الغرفة من خلال النافذة المفتوحة. تقدّمت نحوه ولكنها انعرجت إلى منضدة وجدت فوقها أوراقا. أخذت تتثبت فيها: بطاقة تعريف حنبعل، مضمون ولادته، صك سويسريّ على بياض موقّع، البطاقة المغناطيسية. طفقت تحلم أمام المنضدة: البيت والسيارة والمال والزوج والشهرة. زوجة حنبعل وما أدراك ما حنبعل!
عادت تحلم، لترى نفسها عروسا يلتفّ حولها كل نساء الطبقة الثرية بالحمامات، جالسة وبجانبها حنبعل في القاعة الفسيحة لنزل عليسة ذي النجوم الخمس. ويأتي الناس من كل حدب وصوب لتهنئتها على سعادتها، فيلاحظون الحلي المرصعة بالأحجار الكريمة الثمينة التي توشح صدرها وجيدها وأصابعها. ستطلب من حنبعل أن يهدي لها أثمن الحلي وأثقلها. وستقتني أفخم حلّة عروس مطرزة بالألماس والفضّة لتفاخر كل بنات الحمامات. وستدعو فرقة موسيقية من مصر لتنشيط حفل الزفاف. وستحضر الصحافة ومصورو التلفزيون…
أخرجها من حلمها اللذيذ ظهور حنبعل يتقدّم نحوها مبتسما متهللا. انحنى عليها وقبّلها، ثم جلس بجانبها واحتواها بذراعه وسألها:
-كيف دخلت؟
-أنسيت أني أشتغل مضيفة بهذا النزل ؟
وعاد يعانقها ويهمس لها:
-إني حقا سعيد بوجودك. لولا حبك لما تحملت عالمكم.
وضعت رأسها على صدره العاري وأحست بسعادة عارمة تغمرها. بعد برهة من الاسترخاء وهي مغمضة العينين تترشف لمساته، قالت مستدركة:
-سنسافر إلى قرطاج اليوم. فتهيّأ.
انسلّت من عناقه، وتوجهت إلى المطبخ لتأتيه بفطور الصباح. وقف حنبعل متكاسلا. وبعد أن استحمّ وتناول الفطور، غادرا النزل من الباب الخلفي دون أن يتفطّن إليهما أحد.
واندفعت المرسيدس في الطريق السيارة بسرعة ظهرت لحنبعل جنونية. فقال لها وقد ضايقه حزام الأمان الذي يشدّه إلى المقعد:
-لماذا كل هذه السرعة؟
-لا تخف، إننا لم نتجاوز مائة وخمسين كيلو مترا في الساعة.
لم يكن حنبعل يفهم المقاييس الحديثة، ولكنه شعر بالسيارة تندفع كالسهم. كانت المناظر الطبيعية تتعاقب أمامه دون أن يحس بجمالها. ولم تمض ربع ساعة حتى لاحت له جبال الظهر التونسي يتصدرها جبل بوقرنين الأنيق. ألقى عليه نظرة خاطفة، ثم عاد يتثبّت الطريق وهي تشق سهول مرناق الزاهية. وعندما ظهرت له مدينة تونس مترامية الأطراف تعلو في وسطها البنايات الشاهقة، وتتدحرج في أطرافها مداخن المعامل، نسي خوفه، سيما وأن سرعة السيارة قد خفّت مع تكاثر العربات وازدحامها، وتحفزت مداركه لاستقبال فضاء جديد لم يتعوّد عليه من قبل. وكم كان قلقه شديدا عندما حاصرته السيارات من كل جانب، أحسّ أنه يختنق، ولكنه لازم الصمت، ناظرا في كل الاتجاهات كالحائر. ولم يتنفّس الصعداء إلا عندما أخذت السيارة تتسلق هضبة بيرصا.
عندما وصلت إلى قمّة الهضبة طلب حنبعل من أسماء أن توقفها. نزل متباطئا، وخطا بعض الخطوات يرنو إلى الأفق البحري. نظر محتارا في كل الاتجاهات، ثم طفق يقول في نفسه: “أين أنت يا قرطاج؟ أين أسوارك العظيمة؟ أين بناياتك الشاهقة؟ أين شوارعك الشاسعة؟ أين قصورك الفخمة؟ أين معابدك وجامعاتك ومكتباتك؟ أين معالمك الضخمة: مجلس الشيوخ ومجلس القضاة ومجالس الشعب؟ أين الموانئ تمتلئ بأنواع السفن، والمخازن تفيض بالسلع، والأسواق تزدحم بالحركة، والمصانع تعجّ بالضجيج؟ ما هذا السبات؟ أتحولت قرطاج المجيدة إلى مقبرة كئيبة؟! ” عاد يجرجر قدميه إلى السيارة وقد تملكه حزن شديد.
سألته أسماء بكل عفوية:
-ما لك حزين؟
لم يقل شيئا. بقي يتجرّع حزنه كالعلقم. شغّلت المحرك وعادت تدفع السيارة في الطريق. طلب منها حنبعل بصوت متهدج:
-أوصليني إلى البحر.
-هل تريد أن ترى ما تبقى من الميناء العتيق؟
أومأ برأسه: نعم. لمّا نزل من السيارة وسار ببطء نحو الميناء العتيق، كر راجعا، وأمر أسماء بالابتعاد عن هذا المكان بأقصى سرعة. قال متمتما:
-لا يمكن أن تكون هذه قرطاج !
-قرطاج اندثرت منذ ألفين ومائة وخمسين عاما يا حنبعل. هل نسيت هذه الحقيقة؟
لقد بدأ حنبعل يطفو على سطح بحر النسيان. انطلقت ذاكرته تطوي المسافات، تتقدم إلى شاطئ التاريخ، تثير رماله، تبحث عن قطع البزل المتناثرة هنا وهناك لاسترجاع بعض فترات الماضي.
توقفت السيارة أمام قصر بلدية قرطاج. نزلت أسماء وأعلمت حنبعل أنها ستتصل بإدارة البلدية لتحديد موعد القران. لم يكن حنبعل يفكّر في الحاضر الذي تغيّر فيه كل شيء. لكن عندما لمحت عيناه جسد أسماء يتموّج داخل الفستان وهي تصعد الدرج، انتبه إلى الوجود. الحضارة مثل الجسد إذا هرم انتهت الفتنة. هذا البحر المطل عليه من وراء السياج جسد يانع أبدا، مغر أبدا، لا يعترف بقوانين الحياة لأنه لا يعرف الهرم ولا الفناء. لقد أنعشه الأفق البحري وجلا عنه حزنه على اندثار قرطاج. فما إن رجعت أسماء إلى السيارة حتى قال لها بحماس:
-سيري بنا إلى أعالي الجبل المطل على البحر.
واندفعت السيارة متسلّقة جبل سيدي أبي سعيد. تركاها في المربض وواصلا تسلق الجبل على الأقدام. كان الرصيف مغطى بالحجارة الملساء، والبيوت واطئة جدرانها ناصعة البياض، والأزقّة ضيقة تظهر كالمغارات، والدكاكين تعرض سلعها على قارعة الطريق، والمقاهي تنشر كراسيها في الساحة العمومية. لم يستسغ حنبعل كل هذه الفوضى المرتبة، فكأنه في مقبرة جبلية تشرف على البحر. وعندما وصل إلى مكان ظهر منه البحر بكل روعته تنفّس الصعداء. وقف ينظر إلى الخليج بكل أبعاده تكسوه أشعة الشمس الذهبية فيتناثر منه بخار رقيق ينتشر على الأرض المجاورة غبارا فضيا.
ظلّ شاخصا فترة من الزمن، ثم مسك يد أسماء وجرّها وراءه مندفعا إلى قمّة الجبل. ولم يتوقف عن سعيه المضني إلا عندما بلغ مكانا ظهرت له منه كل أبعاد أراضي مدينة قرطاج القديمة. ألقى نظرة دائرية على المكان، ثم انحنى على أسماء وقال مشيرا بإصبعه إلى سفح الجبل من الجهة الغربية:
-هناك كان قصر أسرتي. كان يستند إلى الجبل من الجهة الغربية، وتمتدّ أمامه الحدائق شمالا وجنوبا، ويطل على البحر بطوابقه الأربع من جهة الشرق…
قاطعته أسماء سائلة:
-وهل ولدت هناك؟
-في الحقيقة لا أدري. كل ما أعرفه أني لم أقض فيه طفولتي، ولم يكن لي أصدقاء من سكان قرطاج. لم يكن جو الأرستقراطية القرطاجية يحلو لأبي. وربما لم تكن أمّي في تفاهم تام مع أخواتي الثلاث من زوجته الأولى التي توفيت قبل أن يتزوج أمّي.
-وأين قضيت طفولتك إذن؟
-في تبسوس. كانت أسرتنا تمتلك هناك ضيعة شاسعة، وسفنا للصيد والتجارة، ومخازن كبيرة للمؤن. تبسوس أعرفها جيدا، وأعرف بحرها الجميل، ومياهه الصافية، وفيها تعلّمت ركوب الخيل وصيد الغزلان، وأحبني الناس البسطاء وأحببتهم. أما قرطاج فلم أر فيها سوى الدسائس والخيانات.
ظلّ شاخصا في الأفق فترة من الزمن ثم مسك يد أسماء وقال لها راجيا:
-فلنعد إلى الحمامات. لن أطيق البقاء في هذه المقبرة، أشمّ رائحة الموتى تحوم في كل مكان.
نظرت إليه فلاحظت علامات الكآبة تخيم على وجهه. نزلا الجبل حتى مربض السيارة وعادا بسرعة إلى مدينة الحمامات.




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„