ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل ... 4


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1631 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



الباب الثاني

حمامات الذاكرة

هذا الرجل، الأكثر جرأة من جميع الرجال، والأكثر غرابة على ما يبدو، والأكثر إقداما ورسوخا، والأكثر تفتحا على كل الأشياء؛ والذي في السادسة والعشرين من عمره، تصور ما لا يمكن تصوره، وأنجز ما كان يبدو مستحيلا؛ والذي قطع كل اتصال مباشر ببلده، واخترق شعوبا معادية له أو مجهولة لديه فحاربها وانتصر عليها، وتسلق جبال البيريني وجبال الألب العاتية التي لم يخترقها بجيوشه قبله أحد، ولم ينزل منها إلى إيطاليا إلا بعد أن افتدي نصف جيشه، سنده الوحيد في ساحات الوغى، وعضده الوحيد للنزال؛ والذي احتل، واجتاز إيطاليا وحكمها طيلة ستة عشر سنة، ووضع روما المهابة على قاب قوسين من ضياعها ، ولم يترك فريسته إلا عندما وضعت أبعاد درسه في المحك لمّا فهم عدوّه أنه لا مناص من محاربته في عقر داره.

نابوليون بونابارت

1

-متى سنتزوج؟
-ألم تطلب مني أن أعرفك بنفسك؟
-بلى.
-لقد جمعت كثيرا من المعلومات التي صدرت في شأنك سواء في الكتب القديمة أو الحديثة، وتمكنت من معرفة قصّة حياتك منذ ولادتك حتى مماتك. أنا الآن ذاكرتك يا حنبعل…
ضمها إليه ولثم ثغرها وهمس لها:
-عرفت الآن مصدر جنوني. فبك سأبعث من جديد.
شعرت بفيض من السعادة يغمرها، فاستسلمت إلى قبلاته الملتهبة. لكن عندما رغب في المضي قدما في لعبة الاحتواء تملّصت منه وهمست له:
-كل شيء في أوانه.
- ومتى هذا الأوان؟
-سأقص عليك بعض أطوار حياتك كما قرأتها في الكتب. عندما تسترجع ذاكرتك، وتصبح سيد نفسك، يكون قراننا ارتباطا طوعيا لشخصين واعيين ومسؤولين.
قال لها مستغربا:
-من أين أتيت بهذا الكلام؟ فعندما أسمعك تتحدّثين يظهر لي أنك عجوز محنكة لها من الدهاء والحكمة ما لا يمكن أن تكون عليه شابة في سنك.
-لك الحق. لم أطلعك على حياتي لأنك لم تطلب مني ذلك. أنت مولع بجسدي، وترغب مني أن أعرفك على نفسك من خلال حبك لي.
-أعرف عنك الكثير: اسمك أسماء، وأبوك يدعى عبد الله، وتعملين مضيفة في نزل عليسة…
قاطعته متهكمة:
-مولودة في 7 جانفي 1977 بالحمامات. متحصلة على شهادة الأستاذية في التصرف… عاشقة حنبعل البطل الأسطوري…
عاد يحتويها ويهمس لها:
-وحنبعل يعشقك بجنون القرن الحادي والعشرين. قولي متى سنتزوج؟
-لقد عين لنا المجلس البلدي جلسة عقد القران بعد ثلاثة أسابيع، سأغتنم تلك الفترة وأقص عليك الجزء المشرق من مغامرات حنبعل وما يروج عنه من حكايات.
-متى؟
-من الغد. هل تعرف قصص ألف ليلة وليلة؟
-لا.
-كم أنا غبية! فأنت أقدم من ألف ليلة وليلة بعشرة قرون.
-وما هي هذه الحكايات؟
جلست أسماء بوقار، ونظرت في عيني حنبعل ثم قالت بصوت موسيقي:
-اعلم يا بطل الأبطال، أن الملك شهريار، صاحب الشأن والوقار، حصل له حدث مشين، أفقده عقله وصوابه سنين، حتى جاءت شهرزاد، فتاة ذات فطنة وجمال، وروت له مغامرات الأبطال من الأنس والجان. فزال كربه، وعاد له عقله، وأحب شهرزاد بعد أن أقسم بغليظ الأيمان، أن لا يحب امرأة مهما كان جمالها وشأنها…
قاطعها حنبعل ضاحكا:
-ذكّرتني بتمارين البلاغة اليونانية التي كان يضطرني إليها اليوناني سيسولوس عندما كنت صبيا.
-ألا تعجبك هذه الطريقة في السرد؟
-أفضّل السرد العاري كما أرغب في جسدك بدون لباس.
تبرّمت وقالت له معاتبة:
-لا يهمك من شخصي سوى جسدي! أنا إنسان قبل كل شيء!
تركته وخرجت إلى الحديقة. كان الليل يعمّ البرية، والنجوم تطرّز السماء الحالكة، والأشجار تبدو كالأشباح السوداء. لحق بها واحتواها بذراعيه، وهمس لها:
-أحبك كما لم أحب من قبل. أنت دنياي الجديدة. لكن ككل القرطاجيين أكره الاستبداد. فليكن حبنا ديمقراطيا ملكا مشاعا بيننا.
ظلّت بدون حراك، تحسّ بجسده يلتف بها، وبدقات قلبها ترتفع. عندما عاد يهمس لها:
-أما زلت غاضبة؟
سألت بصوت مرتجف:
-أحقا تحبني؟
-وكيف أثبت لك صدق عاطفتي؟
التفتت إليه وضمته إليها معانقة بجموح، ثم همست له:
-أحبّك أحبّك أحبّك لكن لن أمكنك من نفسي إلا ليلة الزفاف.
-ومتى؟
-بعد ثلاثة أسابيع. لقد رتّبت كل شئ: حفل الزفاف، سيكون في نزل عليسة، شهر العسل، سنقضيه في جزيرة جربة، عش الزوجية، سيكون في هذه الضيعة… وسأقص عليك قبل كل ذلك مغامرات حنبعل بكل تفاصيلها. كل ليلة مغامرة كما فعلت شهرزاد مع شهريار.
-متى تبدئين؟
-لماذا أنت مستعجل؟ ألم أقل لك كل شيء في أوانه؟
-فليكن هذه الليلة.
-سأهيئ مكانا خاصا نفرشه على الطريقة القديمة، هذه الحكايات ستكون لها طقوس تخلد ملاحم حنبعل الشهيرة التي ما زال الناس يرددونها حتى الآن.
-ولماذا كل هذا التعقيد؟
-هكذا أريد وهكذا يكون!
-أمر مولاتي… ولو أن الديمقراطية لا تستسيغ هذا الكلام.
نهضت مسرعة، وتوجهت إلى سيارة المرسيدس الرابضة غير بعيد. لوحت له بيدها وقالت دون أن تلتفت:
-نلتقي غدا عند الصباح الباكر لأحملك إلى البحر كالمعتاد.
بقي حنبعل على ظمئه إلى أسماء حتى عادت إليه من الغد. وكالمعتاد أوصلته إلى الميناء، ورجعت عند المساء لتعود به إلى عش حبهما. أدخلته قاعة صغيرة مفروشة بزرابي قيروانية جميلة، وحشية عليها ألحفة من الحرير، وموائد قصيرة فوقها أوان من الفخار والنحاس تلمع تحت أشعّة نور هادئ ينبع من أماكن مختلفة من الجدران والسقف. ظلّ حنبعل ينظر إلى القاعة بإعجاب، ثم قال لها:
-مكان يطيب فيه الغرام.
-ويطيب السمر.
ثم صفقت بكفيها فقدمت امرأة في مقتبل العمر. قالت لها آمرة:
-ضعي الطعام والشراب على الموائد وانصرفي.
بعد أن غادرت المرأة البيت ضمّ حنبعل أسماء وهمس لها:
-ستبدأ حكايات شهرزاد.
-نتعشى ثم أقصّ عليك بدايات حياة حنبعل.
بعد أن أتما العشاء. قالت أسماء وهي تحاكي شهرزاد:
” كان في بلاد قرطاج القديمة رجل همام، وقائد مقدام، من أسرة عريقة، عظيمة الشأن، يعود تاريخها إلى ما قبل وجود قرطاج. بل يزعم أهل البلاد أن الأسرة من سلالة الرب بعل إله الفحولة والخصوبة والسخاء.”
-هل تعرف من هو هذا الرجل يا حنبعل؟
-وكيف لي أن أعرفه وجل رجالات قرطاج الكبار يدعون أنهم من سلالة بعل؟
-إنه أقرب الناس إليك.
-إذن فهو أبي عبد ملقرط.
ضحكت أسماء وعادت إلى سردها الشهرزادي:
“عاد عبد ملقرط العظيم من أرض المعركة كسيرا، يلتهب غيظا وحقدا على مجلس الشيوخ والأعيان لتقاعسه على نجدة جيشه بالمال والرجال. ورمى على أسوار قرطاج ما تبقى له من شتات جيشه المهزوم، وطلّق السياسة والسياسيين، وابتعد عن القيادة، وانزوى في تبسوس بلاد الزيتون والتين والبحر الجميل.”
-أيعرف متى كان ذلك حنبعل؟
-كان في سنة 573 بعد نشأة قرطاج، سة سنوات قبل ميلادي.
-لا أفهم تقويمك جيدا.
-نحن نقوّم بداية التاريخ بنشأة قرطاج.
-جيد. يعني حسب التقويم المسيحي سنة 241 قبل الميلاد.
-إن شئت فأنا لا أعرف التقويم الحديث. واصلي لكن أرجوك أن تغيري أسلوب السرد فإني لا أستسيغه كثيرا.
” بينما كان القائد عبد ملقرط العظيم ينعم بالراحة بين أحضان عروسه الجديدة، وهي امرأة يكتنف تاريخها الغموض، ويرجح بعضهم نسبها إلى أهل البلاد من اللوبيين، تبسوسية من جميلات الساحل اللوبي، حازمة ومقدامة، غيورة على أبنائها كاللبؤة، اندلعت في قرطاج حرب ضروس بين القرطاجيين المسالمين وما تبقى من فلول جيش عبد ملقرط من المرتزقة المنتشرين حول أسوار مدينة قرطاج الشامخة. وكادت تلك الحرب اللعينة أن تأتي على الأخضر واليابس لولا عودة عبد ملقرط الشجاع. لقد دعاه مجلس الشيوخ بالعودة إلى قيادة جيش قرطاج. وكان أول ما بدأ به هو دعوة رجال قرطاج الخانعين بين أحضان نسائهم، الهانئين بملذات العيش وراء أسوارهم إلى الجندية وحمل السلاح. ثم التجأ إلى النوميديين ودعاهم بمدّه بالرجال والعتاد، فبعث له الملك جيّة القائد نوارس أحد أمراء النموديين. وانتصر عبد ملقرط أروع انتصار، وقضى على فلول المرتزقة، وحمى قرطاج من الهمجية والحرب الأهلية، وزوج ابنته الكبرى صالامبو، فاتنة الحسن والجمال، كاملة صفات التقوى والزهد وعبادة اللاهوت. ولما استقرت له الأمور أًٌعلن شفاطا على البلاد، ودانت له كل الرقاب…”
قاطعها حنبعل قائلا:
-تتحدثين عن قرطاج وكأنها مملكة نوميدية يحكمها رجل واحد، تدين له كل الرقاب.
-أعرف أن الحكم في قرطاج كان ديمقراطيا، وأن مواطنيها لا يخضعون لحكم رجل واحد كما هو الحال عند شعوب البربر من حولها وشعوب الشرق البعيدة. ولكن الحكاية حتمت تلك الجملة فلا تجعل منها قضية يا حنبعل. المهم أن حكاياتي تستفز ذاكرتك فتسترجع تاريخك ومقومات شخصيتك.
-فلنغلق القوس. واصلي بربك.
“عندما وضعت الحرب أوزارها، وتنفس مواطنو قرطاج الصعداء، بعد أن ذاقوا أهوال المجاعة والقتل والدمار، وجدت دولة قرطاج خزائنها خاوية، وهي في أشد الحاجة إلى المال لإعادة ما دمرته حرب المرتزقة القذرة، ولتستجيب لقيود معاهدة السلام التي فرضها عليها الرومان بعد حرب صقلية وانهزام قرطاج لأول مرة في تاريخها.
لقد كانت روما بالمرصاد تتحيّن أول فرصة لاسترجاع كامل جزيرة صقلية من أيدي القرطاجيين. فلجأ كبار القوم من جديد إلى منقذ الوطن وابن قرطاج الأبر، عبد ملقرط الأغر…”
قاطعها حنبعل من جديد قائلا:
-بربك تخلي عن كل هذه الألفاظ الرنانة، واستعملي لغة بسيطة تستشف منها الحقيقة بسهولة.
“قلت يا بطلي العظيم إن عبد ملقرط حزم أمره، وجمع شتات جيشه، وهمّ بالسفر في أرض الله، بحثا عن المال يوفره لقرطاج ليخلّصها من محنتها. وقبل أن يغادر أسرته، اختلت به زوجته وسألته:
-هل سيطول غيابك يا بعلي العزيز؟
أجابها عبد ملقرط بودّ:
-وهل يسأل القرطاجي عن مدى سفره؟
قالت متحاشية نظراته:
-هذا ابنك ماغون لم يتجاوز الخامسة من عمره، وهذا أزربعل في السادسة، وهذا حنبعل في التاسعة، كلهم في حاجة إلى رعايتك وحنانك…
قاطعها عبد ملقرط مقطبا:
-وهل يتحمّل السفر ابن الخامسة؟
-علمت أنك لن تمتطي البحر هذه المرة، نسافر معك ما دامت السفرة بالبر وفي بلاد كل سكانها يجلونك ويهابون قرطاج وبطش جيشها.
بقي عبد ملقرط يفكّر وهو ينظر إلى أبنائه الثلاثة يلعبون، ويقول في نفسه: ” ستكون نهاية روما على أيديكم يا أشبال قرطاج! ” ثم صرف زوجته بعد أن وعدها بدراسة الموضوع جليا.
وقرر عبد ملقرط أن يصطحب جميع أفراد أسرته، رغم معارضة بعض أعضاء مجلس الشيوخ، الذي عقد جلسة ليناقش هذا الموضوع بالذات. ووفّر لأسرته عربة مريحة وخدما، وكان معه من كبار قواده صهره صدربعل الوسيم زوج ابنته الوسطى. وطافت مواكب الجيش في شوارع قرطاج الفسيحة، واستقبلتها الجماهير الغفيرة في كل مكان، على الأرصفة وفوق الشرفات وسطوح المنازل الشاهقة.
وخرج حنبعل صحبة أبيه لأول مرة في الصفوف الأمامية لجيش قرطاج العظيم. كان يمتطي جوادا أبيض من الخيول البربرية الأصيلة، ويلبس زيا عسكريا جميلا، ويضع على رأسه خوذة من الفضة، ويكسو جواده غطاء من الحرير القرمزي. فكانت الجماهير تصفق له بحرارة. وسمع الناس يهتفون لأول مرة:
-عاش حنبعل البطل الصغير!
وتوقفت أسماء عن السرد.
نهضت وتركت حنبعل ينظر إليها باستغراب، لكنها أسرعت إلى باب الغرفة، وقبل أن تغادرها أشارت إلى حنبعل بيدها قائلة:
-نم هانئا. غدا كالمعتاد بعد البحر، ومع غروب الشمس يكون السمر من جديد.

2

ولما أرخى الليل سدوله كانت أسماء وحنبعل في مخدع السمر، يجلسان جنبا إلى جنب، هذا يترقب بفارغ الصبر قصة حياته، وتلك ترتب شتات الوقائع التي تجمعت لديها من خلال مطالعاتها:
قالت أسماء على طريقة شهرزاد:
” وصل جيش عبد ملقرط يا بطلي العظيم إلى نوميديا، واستقبله الأمير نوارس على مشارف مملكة الملك العظيم جيّة بحفاوة لا توصف. جاء فرسان القبائل من كل البلاد. من الذي لم تبلغه شهرة عبد ملقرط؟ لقد ذاع صيته في الشرق والغرب، واصبح أسطورة عصره. قهر الرومان، ولولا تخاذل مجلس الشيوخ الذي أمره بالتفاوض لإنهاء الحرب لما ترك صقلية لقمة سائغة، ولما عاد إلى قرطاج كسيرا، ولكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن. ورغم خضوعه لأوامر السلطة السياسية، فقد حافظ عبد ملقرط على هيبة القائد الذي لم يقهر. وازدادت شهرته بعد محقه لثورة المرتزقة، وفرضه هيبة قرطاج على كل ممالك البربر، وقبائلها المتناحرة أبدا.”
توقفت أسماء عن السرد وظلّت صامتة فترة من الزمن، ثم سألت حنبعل:
-هل بوسعك أن تدلني على نوع العلاقة التي كانت قائمة بين قرطاج ودول البربر المجاورة؟
بعد فترة من التفكير سأل حنبعل:
-وما حاجتك لفهمها؟
-لقد عاشت دولة قرطاج بين البربر أكثر من ستمائة سنة. لماذا لم تجعل من ذلك الامتداد الجغرافي والثقافي المتشابه دولة عظيمة واحدة تصمد في وجه تكتلات ذلك العصر؟
-تريدين محاسبة التاريخ؟
-ولم لا؟
-لا يمكن محاسبة أي كان دون الوثائق اللازمة.
-إنك تراوغ يا حنبعل. ربما كانت دولة قرطاج دولة عنصرية بنيت على العنصر الفينيقي ولم تكن ترغب في تمكين البربر من الديمقراطية والتقدم والرخاء التي كانت تنعم بها.
قال حنبعل بحدة:
-وهناك أيضا طبيعة البشر ورسوخ عقلية الهيمنة في البنى الاجتماعية، فلا يمكن أن تتحول شعوب يسوسها الحكم المطلق آلاف السنين إلى تبني الحكم الديمقراطي الذي ينبذ التسلط ويؤمن بالتداول على السلطة، ويقبل بمحاسبة الحكام. الحرية لا تهدى!
-أليست هذه نظرة ديماغوجية؟
-أبدا. كان في مجلس شيوخ قرطاج حزب السلام مع روما، كانت تتزعّمه عائلة حنّون، وكان يدعو إلى أمبراطورية قرطاجية تشبه الأمبراطورية الرومانية. أما الحزب المعارض لتلك الأمبراطورية فهو حزب تتزعمه عائلة بركا وهو يدعو إلى محاربة الهيمنة الرومانية، والحفاظ على التوسع التجاري والاقتصادي القرطاجي دون فرض الهيمنة السياسية. وهو ما يفسّر عدم تدخلنا في الشؤون الداخلية للشعوب التي كانت لنا معها علاقات اقتصادية متينة، ووجود بشري مبني على التبادل التجاري والاقتصادي. لم يكن لقرطاج إديولوجيا دينية أو عقائدية ترغب في فرضها على الشعوب الأخرى…
-كانت إذن دولة أمبريالية همّها الاستحواذ على خيرات الشعوب.
-ولا حتى دولة إمبريالية. كانت قرطاج مركزا تجاريا عظيما، تموله مراكز تجارية منتشرة عبر العالم القديم. وكانت تضطلع بحماية مراكزها التجارية والتصدي لمن يعوق المسالك التجارية المتنشرة في المتوسط، وقد حاولت كذلك نشر تجارتها عبر الأطلنطي سواء في إفريقا السوداء أو أوروبا.
-إذن ترى أنه لم يكن في متناول البربر استيعاب مثل الديمقراطية القرطاجية؟
-الشعوب التي يحكمها الأفراد لا المؤسسات يصعب عليها تبني القيم الديمقراطية. ولكن هذا النقاش عقيم، فقد انتهت قرطاج وبقي البربر رغم حكامهم المتسلطين.
ظلّت أسماء صامتة فترة من الزمن ثم قالت:
-صحيح أن النقاش في هذا الموضوع لا يجدي. فشعوب هذه المنطقة لم تر الديمقراطية حتى في عصرنا هذا!
سأل حنبعل مستغربا:
-أما زال شيوخ القبائل يحكمون الناس؟
-ليس بالصورة التي كانت عليها في القديم، لكن الحكم ما زال يخضع لإرادة الفرد الواحد.
سكبت أسماء لحنبعل عصيرا منعشا ثم قالت:
-ما لي وللسياسة، أنا هنا لأقص عليك تاريخك لا لأناقشك في شؤون الحاضر والماضي. أليس كذلك يا بطلي العظيم؟
-نعم حسنا تفعلين لو تعودين إلى السرد.
“بات حنبعل ليلته في قصر نوارس الأمير النوميدي، بينما حظي أبوه بضيافة الملك جيّة. وقد خصّته أخته زوجة الأمير برعاية كبيرة. وفي الصباح، نهض حنبعل كعادته مبكرا، وطاف بأجنحة القصر. وبينما هو يتجول في الحديقة الشاسعة، سمع زئير أسد. تقدم نحو مصدر الصوت حتى أدرك مكانا محفورا تحت الأرض، فازداد الزئير، وازدادت رغبة حنبعل الطفل في اكتشاف المكان، لكنه كان مغلقا من كل الجوانب، ولم يجد منفذا إليه. طلب من الخادم الذي كان يرافقه أن يدلّه على الباب فقال له مرتعبا:
-هذا المكان لا يدخله أحد. يرمى فيه بالأسود وهي أشبال، وتلقى الرعاية من مختص يعيش بينها، ثم عند بلوغها سن القوّة توضع في أقفاص وتصدّر إلى روما.
كانت رغبة حنبعل الصغير في رؤية الأسود كبيرة لكن مرافقه لم يمكنه من ذلك رغم إلحاحه. فعاد إلى القصر غاضبا متبرما، ولم يرغب حتى في تناول الفطور. ولما لاحظت أخته تجهمه سألته:
-ما لحنّي عبوسا؟
كانت تتربج به فتدعوه “حنّي”
قال لها بعد صمت طويل:
-أريد أسدا صغيرا!
ضمته إليها وقبلته وهمست إليه:
-سأطلب من الأمير أن ينظم لك رحلة صيد للأشبال، ويهديك أسدا صغيرا يرافقك كامل رحلتك إلى أيبيريا. هل أنت مرتاح الآن يا حنّي العزيز؟
لم يصدّق حنبعل كلام أخته، لكنه تناول فطوره عندما ألحت عليه. ولمّا حضر الأمير النوميدي فاتحته زوجته بحضور حنبعل قائلة:
-يا مولاي لقد رغب حنبعل العزيز في مشاهدة صيد الأسود، وقد وعدته بأن الأمير لا يرد رغبة صهره الصغير.
نظر نوارس مليا إلى حنبعل فاقتنع بتصميم الولد. نادى على أحد خدمه وأمره بأن يهيئ في الحين رحلة للصيد. وانطلقت مجموعة من الفرسان النوميديين ببرانسهم البيض ترفرف كالرايات. كان حنبعل بينهم على جواده الأبيض يركض به بسرعة فائقة. وكان شوقه لملاقاة الأسود كبيرا، فكان يدفع الجواد بكل قوة حتى تصدر المجموعة التي سايرت سرعة الجواد ناثرة الغبار من ورائها. عندما وصلوا إلى سفح أحد جبال الأطلس توقفوا، ونصبوا الخيام، وأراحوا الجياد. ثم أرسلوا فارسا يصطحبه عبد أسود للاستطلاع، ولما عادا انطلقت المجموعة من جديد نحو الأدغال الكثيفة لملاحقة الأسود.
كان المشهد رائعا. مجموعة الفرسان تقف على ربوة كثيفة الأشجار تشرف على سهل تغطيه الخضرة ويخترقه جدول يسيل في أعماقه ماء رقراق يتلألأ تحت نور الشمس الحاد. وفي وسط السهل تتربع مجموعة الأسود متكاسلة غير واعية بالخطر الداهم. ظلّ حنبعل يتأمّل المشهد بإعجاب. لقد لفت انتباهه لبؤة تداعب أشبالها الثلاثة ومن حولها أسد يزأر، يكشر عن أنيابه الحادة ينظر نحو السماء.
همس قائد المجموعة لحنبعل:
-ستبقى هنا يحرسك فارسان، وسنهجم نحن على اللبؤة نفتكّ منها أشبالها. لن يكون الهجوم يسيرا خاصة أن بقية الأسود لن تترك المكان بسهولة.
أومأ حنبعل برأسه موافقا. كان يودّ لو يشارك في الهجوم لكنه امتثل لأوامر النوميدي، وظل يراقب المعركة بكل انتباه.
وقع الهجوم من ناحيتين، فريق من الشمال استدرج ثلّة الأسود المنتشرة في السهل، والفريق الثاني من الجنوب حاصر اللبؤة وبعلها اللذين تهيآ لحماية أشبالهما.
انطلقت النبال من كل صوب نحو الأسد فأردته قتيلا، لكن اللبؤة أسرعت إلى صخرة عظيمة جمّعت وراءها صغارها وتهيأت لحمايتهم بكل شراسة. وسرعان ما انطلق جواد بني اللون يركبه عبد أسود عاري الصدر لا يحمل سلاحا، وبسرعة البرق مدّ يده إلى أحد الأشبال الثلاثة وأمسك برقبته ورفعه إليه، لكن اللبؤة مدت نحوه مخالبها فأسقطته على الأرض، وظلّت تزأر والعبد طريح الأرض تنزف من ذراعه الدماء. جرى خلف اللبؤة عبد آخر فمسك برقبة الشبل الثاني وانطلق يركض على قدميه يجر وراءه الشبل الصغير. التفتت اللبؤة لتحمي صغيرها الثالث الذي التفّ بها فاغتنم الفرصة العبد الجريح وفر بجلده دون غنيمته. وانهالت النبال على اللبؤة حتى أردتها على الأرض مخضبة بالدماء وهي تنظر في اتجاه صغيرها المرعوب يعانق جسدها الممزق.
عندما لفظت اللبؤة أنفاسها الأخيرة تقدم أحد الفرسان ورفع بعنف الشبل اللائذ بجسد أمه الصريعة، وانطلقت المجموعة إلى حيث كان حنبعل يراقب المعركة. جمعوا الأشبال الثلاثة في قفص من حديد وضعوه على عربة، وعادوا إلى قصر الأمير بغنيمتهم، غير عابئين بالأسود الصريعة التي تركوها في الغابة، ولا بالعبد الجريح الذي كان يعاني أوجاعه، ولا بالرعب الذي كان يروّع الأشبال الثلاثة. كان الفرسان يلتفون حول حنبعل فرحين بالانتصار العظيم الذي حققوه على مجموعة الأسود. إنه لنصر كبير أن يغنموا في غزوة واحدة ثلاثة أشبال. وكان حنبعل سعيدا بغنيمته: سيصبح له شبل يرعاه طيلة الطريق الطويلة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. لكنه كان في الآن نفسه آسفا على ما حصل للأسود. تلك هي سنة الحياة: غالب ومغلوب، قاتل ومقتول، غانم وغنيمة. أليس كذلك يا بطلي العظيم؟
لم يجب حنبعل على تساؤل أسماء بل ظلّ واجما وكأنه حضر فعلا الهجوم على الأسود. ثم سأل أسماء دون أن ينظر إليها:
-هل قرأت هذه الحكاية في كتب التاريخ؟
سألته مراوغة:
-وهل تذكرتها؟
-لا أستطيع أن أجزم، فقد شاركت وأنا صغير في رحلات الصيد التي ينظمها أبي، لكني لم أتذكر أني اصطدت شبل الأسد.
-وماذا اصطدت إذن؟
دنا منها واحتواها وهمس:
-اصطدت الغزلان مثلك.
سألته بدلال:
-أين؟
-في جنوب جمهورية قرطاج.
-وماذا اصطدت في إيبيريا؟
-الأيائل.
نهضت فجأة، ثمّ قبّلت حنبعل بسرعة وقالت له:
-غدا سأقص عليك نهاية رحلة عبد ملقرط. نم هانئا.
غادرت البيت وحنبعل يتبعها بعينيه ملوحا إليها بيده حتى توارت السيارة عن ناظريه.

3

قالت أسماء بعد العشاء، وبعد أن استقرت قرب حنبعل يداعبها بلمسات رقيقة:
“جمع عبد ملقرط جيشه، واستعرضه فرقة فرقة. وتحادث مليا مع الفرسان النومديين الأشاوس الذين تطوعوا في الخدمة مع أعظم قائد، وانطلق إلى بلاد الماور حيث أقام هناك بعض الأيام لتفقد إسطبلات الفيلة وتمارين القتال التي يخضعون إليها. واجتاز مضيق طارق…
قاطعها حنبعل سائلا:
-وما مضيق طارق؟
-الممر المائي الذي يفصل إفريقيا عن أوربا والذي يصل المتوسط بالأطلنطي.
-تعنين مضيق أعمدة هرقل.
-هو ذاك، لقد سماه العرب مضيق طارق تخليدا لاسم القائد البربري الكبير طارق بن زياد الذي غزا الأندلس.
-ومتى كان ذلك؟
-في أواخر القرن الأول للهجرة.
-لا أفهم جيدا كل هذه التواريخ، ولا حتى من هم العرب الذين تتحدثين عنهم.
-العرب يا بطلي العظيم هم قبائل بدوية نزحت من شبه الجزيرة العربية واستوطنت جزءا كبيرا من العالم القديم.
ظل حنبعل يفكّر ثم قال:
- يصعب عليّ فهم التاريخ بكل هذا الاختصار، لكن واصلي حكاياتك؟
عادت أسماء إلى السرد قائلة:
“توجد في طرف البلاد الإيبيرية، على ساحل الأطلنطي مستوطنة فينيقية قديمة تدعى قادس، ومنها انطلق الرحالة القرطاجي الشهير حنّون لاكتشاف بلاد الزنج. قصدها عبد ملقرط فلقي بها الترحاب وحسن الضيافة. لقد وصل عبد ملقرط وجيشه إلى قادس دون أن يقف في طريقهم أحد. فشعوب إيبيريا كانت منشغلة بتناحر قبائلها، ولم تكن تحكم البلاد سلطة مركزية واحدة. وكان الإغريق يدعّم وجوده في إيبيريا، وللرومان كذلك أطماعهم. فكانت خطّة عبد ملقرط واضحة، لم يأت البلاد للاحتلال ولا للغزو بل لحماية المصالح القرطاجية في تلك الربوع، ودعم الوجود القرطاجي بها. وحسب ما قرأت يا عزيزي حنبعل فإن بلاد الأندلس التي كانت محط أطماع القوى العظمى بالمتوسط مثل الإغريق والرومان والقرطاجيين كانت غنية بمعادنها من الذهب والفضة والنحاس.
“قلت يا بطلي العظيم أن عبد ملقرط أقام بقادس أياما اطلع خلالها على أوضاع البلاد الإيبيرية، ثم جمع قادة جيشه وتشاور معهم على الخطّة التي أعدّها للاستيطان على سواحل المتوسط في بلاد الأندلس الجميلة الحالمة. وراسل قرطاج في الموضوع فأوفدت له كل ما كان يحتاجه من المال والعتاد والمستوطنين الذين سيعمّرون مدنا خطط لإنشائها هناك…
قاطعها حنبعل قائلا:
-يظهر أنك لا تعرفين جيدا بلاد الأندلس في تلك الفترة. فالوجود البوني قديم على تلك السواحل، والمدن البونية كثيرة مثل مالقا، وسترابون، والمنيقرة، وعذرا، وعبدرا. والتجارة مع الإيبيريين كانت مزدهرة، بل كثيرون منهم يحذقون اللغة البونية. لم يكن عبد ملقرط في حاجة إلى غزو الأندلس بل كان يريد حماية تلك البلاد من المد الروماني الذي كانت له أطماع جلية فيها. كان أبي يدعو إلى جعل المتوسط بحر سلام تتعايش فيه الشعوب في أمن ورخاء، وكان الرومان يريدونه ملكية خاصة بهم ليهيمنوا على شعوبه.
-لكنه لقي مقاومة شرسة من بعض شعوب تلك البلاد.
-ليست الشعوب التي ثارت على الوجود البوني بل رؤساء بعض القبائل الذين رأوا في ذلك الوجود استنقاصا للهيمنة التي يفرضونها على شعوبهم. فالمستوطنات البونية في الأندلس كانت تتحلى بنظام سياسي واقتصادي متطور مبني على أسس الديمقراطية وسيادة القانون. أما تلك الشعوب فقد كانت ترزح تحت وطأة نظام الحكم الاستبدادي الذي لا يعترف إلا بقانون مالكي الأرض وسلطة السلاح.
“قلت يا بطلي الهمام أن عبد ملقرط عاين بدقة الأوضاع في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، وارتاح للاستقبال الذي لقيه جيشه من قبل شعوب سواحل المتوسط هناك، وهيأ نفسه للتوغّل في البلاد، خاصة أن مناجم الفضة والنحاس توجد على ضفاف الوادي الكبير في سفوح سلسلة جبال الأندلس، وأن تلك الأماكن وعرة، ومحصنة وتسكنها شعوب لم يستقر فيها الأمن ولم تطلها هيبة الدولة. وكانت أول معارك الجيش البوني في شمال قرطبة وإشبيليا، منطقة وعرة تسكنها قبائل الترديتان والتردول الجبلية.
كانت المعركة شرسة، وقد هب لنجدة قبائل الترديتان والتردول بعض السلتيون بقيادة استولاسيوس. وكان ذلك أول انتصار يحققه عبد ملقرط في البلاد الإيبيرية، فقد محق جيش القبائل وشتت صفوفه وأسر منه ثلاثة آلاف مقاتل عرض عليهم القائد العظيم الانضمام إلى جيشه فقبلوا.
وكان صدى تلك المعركة كبيرا على بقية القبائل، ودخل الرعب صفوفها. من ذلك أن أحد القادة السلتيين ويدعى أندرتاس جمع جيشا بخمسين ألف مقاتل، لكنه انهزم قبل أن يخوض المعركة، فقد فر جنوده عندما رأوا عن بعد جيوش عبد ملقرط تزحف بنظام تتقدمها الفيلة والمجانق. كان مشهد الفيلة يرعب أولئك الجنود الذين لم يروا في حياتهم فيلا واحدا. غير أن أندرتاس أصر على خوض المعركة، فاستنفر ما تبقى من جيشه، واندفع كالمعتوه يصارع جيش عبد ملقرط، فكانت هزيمته. وقد أسر مع أكثر من عشرة آلاف من جنده.
يقول بعض المؤرخين يا بطلي العزيز أن عبد ملقرط لجأ إلى الرعب ليقطع دابر كل محاولات التصدي لجيشه. فقد جعل من العقاب الذي أنزله بأندرتاس درسا قاسيا لكل من زينت له نفسه التعرض لجيش قرطاج.
دخل جيش عبد ملقرط المدينة المهزومة يتقدمه الأسرى في الأغلال، ثم جمع كل السكان، وألقى فيهم خطابا دعا فيه إلى الهدوء، وطمأنهم على أرواحهم وأرزاقهم وقال: “لم نأت إلى بلادكم لنستعبدكم بل لنتعاون معكم على تنمية خيراتكم. لن نكون جيش احتلال بل حراس سلام. إن الذين يتعرضون إلينا هم مستعبدوكم، هم الذين يفرضون عليكم شتى أنواع القهر والظلم والعدوان. ولذا فسوف نلقن هؤلاء الطغاة درسا لن ينسوه أبدا.”
ثم أمر بنصب مسطبة كبيرة، وأتى الجنود بالقائد السلتي أندرتاس مقيدا. وبعد أن عرضوه على الجماهير الغفيرة الدائرة حول المسطبة وقد تعالت الصيحات بموته، تقدم منه الجلاد ففقأ عينيه وتركه يتلوى من العذاب والجماهير تصرخ متلذذة. وتواصل تعذيبه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة والجماهير من حوله تصرخ منادية بموته…
قاطعها حنبعل متشنجا:
-هل قرأت هذا في كتب التاريخ؟
-نعم قرأته.
-لا بد أن المؤرخ روماني.
-لم يكتب تاريخ قرطاج سوى الرومان والإغريق.
-وهم من ألدّ أعداء قرطاج. لكن واصلي.
“استتب الأمن في البلاد الإيبيرية، وعمّ الرخاء، وفتحت مناجم الذهب والفضّة والنحاس من جديد، واستغلّها القرطاجيون أحسن استغلال، إذ بعثوا بكميات هائلة من المعادن الثمينة إلى قرطاج لإعانتها على تسديد ديون الحرب للرومان. وقد صكّ القائد القرطاجي باسم قرطاج نقودا من الذهب والنحاس دعامة لسلطتها على شبه الجزيرة الإيبيرية.
ولكن شاءت الأقدار أن يقع ما لم يكن في الحسبان.
كان جيش عبد ملقرط بعتاده الثقيل وفيلته المخيفة يقيم في مدينة الرأس الأبيض، وهي مدينة أنشأها عبد ملقرط، وتقع قرب مدينة أليكانت الحالية، قرب السواحل المتوسطية قبالة جزر البليار التي جعل منها القرطاجيون حصنا منيعا ضدّ كل آت من البحر يهدد مستوطناتهم على الأراضي الإيبيرية.
ففي شتاء سنة 228 قبل ميلاد المسيح، أي تسع سنوات بعد وصول عبد ملقرط الأندلس، إندلعت فتن داخل البلاد الإيبيرية، مما اضطر القرطاجيين إلى إخمادها.
انطلق لتلك الغاية جيش قرطاجي إلى الشمال بقيادة صدربعل صهر عبد ملقرط، بينما اتجه جيش آخر بقيادة القائد العظيم عبد ملقرط إلى جهة الشرق. كان في صحبته ابناه حنبعل، الذي لم يتجاوز بعد العشرين من عمره، وقد أبى أبوه إلا أن يشركه في كل المعارك التي خاضها في إسبانيا، وآزربعل، ابنه الأوسط الذي لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره.
كانت مهمة جيش عبد ملقرط إخماد فتنة اندلعت في مدينة “هالكة” بين فصائل متناحرة من القبائل الإيبيرية. لم يكن جيشه كبيرا ولم تكن مهمته حربية. كان عبد ملقرط يسعى إلى التوفيق لا إلى الحرب. وقد وفّّّق في مسعاه ورجع على التوّ إلى مدينته.
لكن صادف عند نهر سكرو، وكان الطقس رديئا والأمطار تتهاطل، أن هوجم جيش عبد ملقرط من طرف مجموعات مسلحة. هل غضبت جيوش أحد القبائل المتناحرة لموقف عبد ملقرط التوفيقي، فأرادت الانتقام، خاصة أنها رأت جيشه قليل العدد والعدّة؟ أم هي مجموعة من قطاع الطرق أرادت الاستيلاء على سلاح جيش صغير تفوقه عددا؟ أم هي انتفاضة على الوجود القرطاجي بجنوب إسبانيا؟ التاريخ لم يوضح جيدا أسباب التعرض لجيش عبد ملقرط في الوقت الذي لم يكن فيه في حرب مع أي كان.
هوجمت فرقة عبد ملقرط على حين غفلة، فالتف المهاجمون بها، وقتلوا منها عددا من الجنود. كان الوضع حرجا فأمر عبد ملقرط أبنيه بالتوجه إلى جهة الشمال بعيدا عن النهر، ثم نازل المهاجمين حتى أوقعوه في النهر الذي كان طاميا بسبب الأمطار الغزيرة التي نزلت في تلك الأيام.
مات عبد ملقرط غريقا وهو يحمي ابنيه، ويصالح بين الإخوة المتناحرين، ويبني مجد قرطاج. مات شجاعا، مناضلا، مدافعا عن أهدافه إلى آخر رمق من حياته.”
وسكتت أسماء عن الكلام، وظلّت تنظر إلى حنبعل وهو شاخص ببصره في فضاء الغرفة. ثم سألته مترددة:
-هل تذكرت تلك الحادثة؟
لم يجب في الحين. لكنه بعد فترة من الصمت قال:
-تذكرت الآن كل شيء. لقد بدأت ذاكرتي تشتغل، وأخذت الأحداث تطفو على سطحها. كانت تلك الحادثة أشد علي وقعا حتى من الآلام التي خلّفتها هزيمة معركة زامن. لم أشاهد كيف انتهت حياة والدي العظيم لأن أوامره لي آنذاك كانت صارمة إذ قال لي بكل حزم:
-فلترعاك الآلهة. فز بنفسك ولا تترك أخاك!
ثم أشار لي إلى جهة الشمال حيث كان صدربعل يقوم بحملة غير بعيد عن ذلك المكان. مسكت جواد آزربعل وانطلقنا بأقصى سرعة نحو الجهة التي أشار بها أبي. ولم نتوقف إلا عندما أدركناها، وكان الليل قد عمّ المدينة.
صمت برهة ثم أضاف:
-لم يكترث صدربعل بما أعلمته به إذ قال إن عبد ملقرط ليس بالرجل الذي تقف في وجهه عصابة لصوص.
وعند الصباح الباكر خرجت مع فرقة من الجند، وعدنا إلى مكان الحادثة. وجدنا جثثا منتشرة على ضفة النهر، ولكننا لم نعثر على جثة أبي. بحثنا في كل مكان، وطال بحثنا حتى أدركنا الليل، فعدنا إلى صدربعل نعلمه بما وقع.
وعبثا بحث صدربعل عن رفات أبي. لقد ابتلعته المياه الجارفة ورمت به في البحر. قال الكهان وقتها إن الآلهة رفعته إليها فلن نعثر له عن أثر.
أعلم صدربعل قرطاج بالحادث، فأرسلت للتوّ لجنة تحقيق. وقد استخلصت أن عبد ملقرط مات في ساحة الوغى دفاعا عن جمهورية قرطاج.
كان عبد ملقرط أعظم قائد عرفه تاريخ قرطاج.
سألت أسماء مترددة:
-أعظم حتى من حنبعل؟
-عبد ملقرط لم يهزم أبدا. وعبد ملقرط جعل قرطاج تمتد من طرف جزيرة صقلية حتى جزر البليار. وعبد ملقرط أرسى السلام في كامل حوض البحر المتوسط. إنه رجل عظيم يا أسماء.
أتذكّر الآن كيف استقبل والدي وفد مجلس شيوخ روما بكل حفاوة وحسن ضيافة، وكيف سمع منهم تخوفاتهم من المدّ القرطاجي في شبه الجزيرة الإيبيرية. ثم طمأنهم قائلا:
-بين روما وقرطاج معاهدة سلام فلتحفظنا الآلهة من ويلات الحروب. لن يقوم جيش قرطاج بإيبيريا بأي عمل يعرّض معاهدة السلام بيننا إلى الخطر.
فعاد إلى روما وفد مجلس شيوخها مطمئنا. وعمل عبد ملقرط على احترام تعهداته. لكنه قال لي بعد تلك الزيارة:
-لو كان في وسعي الهجوم على روما الآن لما ترددت لحظة، إنها رأس الأفعى التي تسعى لابتلاع كل من يتحرك قربها. احذر يا حنبعل الرومان إنهم الشر بعينه!
-ربما كان هذا الكلام سببا في غزوك لإيطاليا فيما يعد؟
-لا، لم يكن السبب الوحيد. سوف ترين إن كل الظروف كانت سانحة للقضاء على الهيمنة الرومانية على شعوب المنطقة.
نهضت أسماء وغادرت حنبعل وهو مستغرق في تذكر أيام خالدة.

4

وفي اليوم الموالي عادا كالمعتاد إلى استعراض تاريخ قرطاج المجيد. قالت أسماء:
“كان صدربعل، ويدعوه المؤرخون صدربعل الوسيم لبهاء طلعته وأناقة مظهره، رجلا طموحا إلى حد كبير. كلّفه عبد ملقرط عندما حطّ الرحال في الأندلس ببناء أسطول بحري قوي، وجعله أميرا عليه. فقام بالمهمة على أحسن وجه. وما إن توفى عبد ملقرط حتى رشّح نفسه لقيادة جيش قرطاج في البلاد الإيبيرية، فوافق على ذلك قادة الجيوش. ولكنه عندما رأى بعض التردد عند مجلس شيوخ قرطاج في المصادقة على ذلك التعيين، سافر بنفسه إلى قرطاج ليدافع عن قدراته أمام النواب في قيادة الجيش اللوبي في الضفة الغربية من المتوسط. وكان له ما ابتغاه.
ولما عاد إلى إسبانيا منتصرا، كانت تخامر ذهنه فكرة واحدة: تدعيم النفوذ البوني على كامل شبه الجزيرة الإيبيرية.
قلنا إن الرجل كان طموحا إلى أقصى حد، بل يتهمه بعض أعدائه بالإعداد لجعل إيبيريا مملكته الشخصية لا ينازعه فيها أحد. وليلبي ذلك الطموح الجنوني أنشأ مدينة عظيمة سماها قرط حدشت، وتدعى الآن قرطاجنة، وبنى بها قصرا ضخما بقي شامخا مئات السنين بعده. ثم انبرى يحارب القبائل الإيبيرية داخل البلاد. وكان من أول ضحاياه ملك الأورس حيث اتهمه بتدبير الكمين الذي أودى بحياة عبد ملقرط. واستولى على الإثني عشر مدينة التي تسكنها قبائل الأورتان. كما أخضع كل مدن الإيبار لسلطته.
حكم صدر بعل البلاد الإيبيرية بقبضة من حديد وبدهاء أيضا. فما إن توفيت زوجته، ابنة عبد ملقرط الوسطى، حتى تزوج ابنة أحد ملوك الإيبار، وبذلك الرباط الدموي أصبح ينتمي إليهم. وهو ما ساعده على بسط نفوذه، ونشر الثقافة البونية في كامل إسبانيا. هذا التطور في العلاقة بين البونيين وأوربيي إسبانبا أزعج كثيرا الرومان إذ أن الشعوب الغولية على سفحي الألب أخذت تتحرك في اتجاح التحرر من الهيمنة الرومانية.
بعثت روما وفدا من مجلس الشيوخ للتحادث مباشرة مع صدربعل متجاهلة السلطة القرطاجية والأعراف الدبلوماسية. كان الاعتقاد سائدا أن صدربعل أصبح ملكا بونيا على إيبيريا…
قاطعها حنبعل قائلا:
-يظهر أنك تجهلين إلى حد بعيد نوعية الحكم البوني. فقرطاج بنيت على الديمقراطية. عليسة وأتباعها الأولون أرسوا دعائم دولة لا يسوسها سوى القانون والمؤسسات، ولو أن تلك المؤسسات تحجرت في بعض فترات التاريخ فأخضعتها بعض العائلات الغنية لخدمة مصالحها، ولكن الأوائل من مؤسسي قرطاج أوصوا بأن لا يقوم أبدا حكما استبداديا في قرطاج. لم يكن صدربعل سوى ممثل لسلطة المؤسسات الديمقراطية القرطاجية في البلاد الإيبيرية. واعلمي أنه لدى المؤسسات الديمقراطية في قرطاج ممثلون مستقلون يسهرون على رفع تقارير دورية تعالج كل قضايا الحكم في البلاد الإيبيرية. وكان صدربعل يخضع لمراقبة مجلس القضاة الذي لا يتسامح أبدا في شؤون الحكم والمراقبة المالية.
-لكن التاريخ يقول إن الرومان أمضوا معاهدة مع صدربعل يقيدون الوجود البوني في شبه الجزيرة الإيبيرية إلى حدود نهر الإيبار.
-صحيح. وقد وقع التوقيع بحضور نواب عن مجلس شيوخ قرطاج. كوني على يقين أن صدربعل الذي أحترمه لم يكن ملكا ولا مستبدا. كان مغاليا في مظاهر الترف، وكان يغدق على ملوك القبائل الأوروبية المختلفة التي يستدعيها للإقامة في قرط حدشت على نفقة قرطاج. وهي طريقة يسعى من خلالها إلى كسب ود أولئك الملوك حتى يأمن شرهم، إذ ربما يتحالف معهم إذا ما سعت روما إلى مد نفوذها إلى ما وراء جبال الألب.
قالت أسماء بعد فترة من الصمت:
-تعرف أني غير مولعة بالسياسة ولذا دعنا من صدربعل ومن تاريخه المليئ بالتناقضات.
-وماذا ستفعلين؟
- سأقص عليك يا بطلي العزيز كيف تعرّف حنبعل على زوجته وأحبها حبا جما.
سألها حنبعل مستغربا:
-وهل روى المؤرخون ذلك أيضا؟
-بالطبع، فقد كانت حياة حنبعل بكل دقائقها موضوع بحث وتنقيب من عدد كبير من المؤرخين.
قال حنبعل مستغربا:
-واصلي إذن!
“كانت مدينة قشتالة من أجمل وأغنى مدن الأندلس عندما حطّ عبد ملقرط الرحال في قادس. فهي تقع غير بعيد عن مقاطع المعادن الثمينة. ولها علاقات جيدة بقادس المدينة الفنيقية القديمة. وسكانها يحذقون الفنيقية لكثرة تعاملهم التجاري والاقتصادي مع سكان قادس. وكان ملكها فخورا بعلاقاته الممتازة مع البونيين، حيث لم تجتح مملكته الجيوش البونية. وكان سكانها يعيشون في أمن ورخاء بعيدا عن الحروب التي كانت تعصف بالأندلس في تلك الحقبة من تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية.
عندما زار حنبعل وهو ما زال طفلا تلك المدينة الجميلة أعجب بها أيّما إعجاب. كان هواؤها عليلا، وسكانها لطيفين، وليلها مفعما بنغمات شرقية، ورقصات إسبانية مرحة. فدأب على زيارتها كلما أتيحت له الفرصة، وكان ينزل ضيفا على ملكها. ومع الأيام تعرف على ابنة الملك، فتاة رائعة الجمال في مثل عمره تقريبا. كانت حسنة الخلق والأخلاق، مرحة أبدا، تحذق البونية والإغريقية مثله، تهوى الفلسفة والأدب الإغريقي مثله. فتوطدت بينهما علاقة متينة. ولما بلغا سن الرشد تحولت علاقتهما إلى حب عميق وخالص.
لكن ظروف حياة الجندية التي كان يعيشها الشاب حنبعل حالت دون تلاقي المحبين. فكانت لقاءاتهما قليلة ولكنها ممتعة. يحدّثها عن فلسفة أرسطو، فتعرفه بالأدب الأغريقي. كان يجد عندها من صفاء الفكر وتطلّع الروح ما لم يكن يجده في عالم الجندية القاسي الذي كان يترعرع داخله. وحين يفترقان دون تحديد موعد اللقاء، يبقى الشوق يناديهما للقاء جديد.
عندما طلب منها يوما الزواج وقد بلغ العشرين من عمره، قالت له مترددة:
-لم أر فنيقي قادس يتزوجون أجنبيات، فهل يرضى أهلك بزواجنا؟
لمّا طرح السؤال على أمه، رفضت بشدّة، وحذرته أن ذلك الزواج ربما يقف حجر عثرة أمام طموحاته السياسية. لكنه ظلّ على حبه لملكا، وواصل لقاءاته معها دون أن يتحدثا ثانية عن الزواج. كانت العلاقة الثقافية التي ربطتهما تطغى على كل العلاقات الأخرى.
وما إن تزوج صدربعل إسبانية حتى انفتحت أمام حنبعل أبواب الزواج بملكا على مصراعيه. وفي سنة 220 قبل ميلاد المسيح أقام حنبعل بعد أن استلم قيادة الجيش البوني بإسبانيا، حفل زواجه بملكا. وكان حفلا كبيرا دعا إليه كل أعيان البلاد الإيبيرية. وقد كان يسعى من خلاله إلى ربط أواصر الصداقة بين شعب قرطاج وشعوب تلك البلاد الجميلة الحالمة.”
داعب حنبعل أسماء برقة ثم سألها:
-ومن أدراك أني كنت أحدثها عن أرسطو؟
-ألم يكن معلمك سيليلوس الإغريقي؟
-نعم.
-إذن فلا شكّ أنه حدثك عن أرسطو. ثم أن جل تصرفاتك خلال قيادتك للجيش البوني كانت متأثرة بسيرة الاسكندر المقدوني، وبما أن أرسطو كان معلم الاسكندر العظيم فلا بد أن حنبعل العظيم تعرف هو كذلك على تعاليم أرسطو أكبر فلاسفة الإنسانية في ذلك الزمان. أليس هذا التحليل صحيحا يا بطلي العظيم؟
-جميل.
-لي رجاء يا حنبعل. هل تتذكر كيف مات صدربعل؟ لم أفهم جيدا ما رواه المؤرخون عن ظروف وفاته.
-لا أحد يعرف بالتحديد. كان الرجل شغوفا بالأكل والشرب والجنس. يحب السهر وملذات الحياة. لم أكن بقرط حدشت عندما توفى، لكني علمت أن الخدم وجدوه ميتا في إحدى غرف القصر المخصصة لسهراته الخليعة. هل سمموه؟ أم أنه أكل وشرب أكثر مما يتحمله جسده؟ لا أحد يمكنه الجزم. مات صدربعل بعد أن استتب له الأمن في شبه الجزيرة الإيبيرية.
-وخلفته أنت على رأس الجيش؟
-تعرفين التاريخ أكثر مني.
-يقول المؤرخون إنه حالما علم الجنود والضباط بوفاة صدر بعل التفوا أفواجا حول القصر ينادون بتعيينك على رأس جيش قرطاج. وإن مجلس الشيوخ وافق بالإجماع على ذلك التعيين رغم الأحقاد التي كانت بين أهل حنّون وأهل بركا.
-أتعرفين لماذا؟
-لا.
-لأن التقارير التي كانت تصل إلى مجلس الشيوخ عن الوضع في الجزيرة الإيبيرية كانت واضحة بحيث جرّت أعضاء مجلس الشيوخ لاتخاذ ذلك القرار دون أن أتصل بهم وأن أقوم بالحملة اللازمة لنيل ذلك المنصب.
بعد فترة من الصمت، نهضت أسماء وأخذت تبحث في حقيبتها ثم عادت إلى مكانها وفي يدها ورقة. قالت لحنبعل:
-كان الجميع مقتنعا بخصالك يا حنبعل. حتى بعد مماتك بمئات السنين ظلّ المؤرخون يرددون أشياء جميلة حول شخصيتك. وتعرف أن جل الذين تحدثوا عن تاريخك هم أعداؤك. فمثلا هذا المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس الذي لا يكن لك حبا كبيرا يقول:
“كان حنبعل حسب شهادة قدماء الجنود، يشبه أباه عبد ملقرط كثيرا. فله نفس التعبير الدقيق، ونفس الشعلة في النظرات، ونفس الهيئة، ونفس تقاسيم الوجه. ثم إن حنبعل سرعان ما جعل تلك الخصال الموروثة لا تمثل شيئا أمام ما يتحلى به. ورغم تطابق الشخصيتين فإن حنبعل كان يجيد التصرفات المتناقضة، فيحسن الطاعة والتحكم. فلا يمكننا أن نعرف ما إذا كان يطيع الجيش أو قائده. فعندما يحتاج صدربعل إلى عمل يتطلب الشجاعة والحركية فإنه لا يفضل على حنبعل أي قائد آخر. ولا يوجد قائد يثق فيه الجند وفي إقدامه كما يثقون في حنبعل. ولا يوجد شخص يفوقه جرأة عند مواجهة الأخطار، ولا هدوءا في الظروف الحرجة. ولا يفلّ في جسده ولا نفسه كلل ولا ملل؛ فهو يثابر بنفس الروح أثناء الحر الشديد أو البرد القارس؛ ولا يعبأ بالأكل أو بالشرب، يشبع بما توفر له، ولا يبحث عن لذة البطن، وينام كلما رغب في ذلك سواء كانت الساعة ليلا أو نهارا، فلا يرتاح إلا عند انتهاء مهمته، ولا يهمه مكان الراحة، ولا يبحث عنه في الفراش الناعم ولا في الهدوء المطمئن. كثيرون رأوه نائما على الأرض، مغطى بمعطفه، بين الحراس وفي المخافر. ولا يتميز عن الشبان في سنه بزي خاص، كانت أسلحته وخيوله تميزه على الآخرين. فهو أحسن فارس وأحسن جندي. وهو الأول في بداية المعركة والأخير في نهايتها. لكن له عيوبا تعادل هذه الخصال الكبيرة. فهو شديد القسوة، مخادع ككل البونيين، لا يقيم وزنا للحقيقة، ولا يحترم المقدس، ولا يخشى الآلهة، ولا يوفي بالعهد، ولا يقيم وزنا للتدين. بهذه الخصال والعيوب عمل تحت إمرة صدربعل ثلاث سنوات دون أن يتغافل عن أي رقيقة ولا دقيقة ليصبح يوما هذا القائد العظيم.”
سألها حنبعل حالما:
-ومتى عاش هذا المؤرخ؟
-ولد في سنة 59 قبل ولادة المسيح وتوفي سنة 17 بعدها.
-إذن كانت مصادره رومانية بحتة، فهو كذّاب مخادع. ألم تجدي وثائق بونية تروي تاريخ دولة قرطاج؟
-لقد قلت لك إن الرومان أحرقوا كل ما كتب البونيون طيلة وجودهم. كان هاجسهم أن يمحوا من على البسيطة كل أثر يذكّر بوجود قرطاج.
-ولماذا كل هذا الحقد؟
-لأنهم رأوا في وجود حنبعل في عقر دارهم طيلة خمسة عشر عاما أكبر صفعة في تاريخهم، فانتقموا من شعبه أشد انتقام. هل تعلم يا بطلي العظيم أن مغامرتك الإيطالية ظلّت لغزا محيرا لكل المؤرخين بعدك؟
أجاب حنبعل حالما:
-ربما لأني لم أكن اتصف بكل العيوب التي ذكرها تيتوس ليفيوس، لم أنجز كما ينبغي خطتي في تقليص الوجود الروماني في العالم. كان عليّ أن أمحو روما من الوجود ليتحقق مشروعي. وكان ذلك ممكنا في فترة من فترات الحروب التي قدتها في شبه الجزيرة الإيطالية. لم أكن قاسيا بما فيه الكفاية حتى أحرق روما وأمحوها من الوجود كما فعل الرومان بقرطاج.
ضمته أسماء وهمست له مواسية:
-ما فعلته كان كافيا ليجعلك أعظم قائد في التاريخ. غدا نتطرق لهذه المغامرة التاريخية الكبيرة.”
تركته يحلم بتاريخ أخذ يسترجع ملامحه، وخرجت بسرعة قبل أن يدركها. ولمّا أفاق من ذكرياته كانت السيارة قد غادرت البيت تاركة حنبعل في حزن عميق.




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„