ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل ... 5


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1886 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



عندما قدمت أسماء في الصباح وجدت حنبعل عبوسا، يجوب الحديقة أمام البيت. سلّمت عليه بحرارة، لكنه ردّ بفتور. سألته مستغربة:
-ما بك حبيبي؟
-سأنتحر من جديد.
ضمته إليها وهمست له:
-وهل يتنحر المحب السعيد؟
جلسا على مقعد مرمري أمام باب البيت، ثم نظر إليها مليا حتى شعرت بكل جسدها يذوب. لكنه قال:
-لقد صبت عليّ ذاكرتي سيلا من الوقائع جعلتني أكاد أجنّ. لم أنم كامل الليل. صدّقيني لست الوحيد المسؤول عن كل ما وقع. كانت الظروف الموضوعية مسؤولة، والنفاق البشري مسؤولا، ومجلس الشيوخ مسؤولا، وتسامحي مسؤولا. لكن في نهاية المطاف كنت أنا السبب لما حصل لشعبي، أليس كذلك يا أسماء؟
احتضنته وقبّلته قبلة طويلة ثم همست له:
-ومن يحمّلك المسؤولية؟
تملّص من عناقها وقال بصوت مرتجف:
-ضميري. إني أشعر بالذنب لكل ما سببته من مصائب لشعب بأسره.
سألته بلطف:
-ألا تشعر بالراحة عندما ترى أنه كان بإمكانك أن تحرق روما بأسرها وأن تفعل بشعبها ما فعل الرومان بشعب قرطاج ولم تفعل؟
-صحيح لكنه كان بإمكاني أن أفرض السلام على روما دون مهاجمتها في عقر دارها.
-رجعت إلى محاسبة التاريخّ!
-وأنت السبب. لقد ساعدتني على استرجاع ذاكرتي، والآن لم أعد أتحمل كل تلك الذكريات.
-عندي الحل. سنسافر اليوم إلى جزيرة جربة، يقول عنها الإغريق أنها جزيرة النسيان.
-لا، ليس الآن. أريد أن تواصلي سرد التاريخ كما كتبه أعدائي.
قالت له بدلال:
-شهرزاد لا تحكي إلا عندما تغيب الشمس ويجنّ الليل.
-وماذا سنفعل قبل الليل؟
-سنتجول في المدينة بكل حرية. يظهر أن رجال الأمن اقتنعوا أنك لم تكن الإرهابي الذي خمّنوا. فقد توقّفوا عن ملاحقتي تماما.
-فليكن ما ترغبين، لكن لا بد أن تواصلي سرد التاريخ، ولو أني أعتقد أنه مزيّف.
تجولا في مدينة الحمامات الجميلة، وتغديا في أفخر مطاعمها المتنوعة. ولما جاء المساء عادا إلى عشهما، وعادت أسماء إلى تقمّص دور شهرزاد، وحنبعل إلى دور شهريار وقالت:
“لم ينس، يا بطلي العظيم، حنبعل لقاء أبيه بوفد مجلس شيوخ روما أبدا، وما أسرّ له حالما غادر الوفد مدينة الرأس الأبيض. وما فتئ حنبعل يردد بينه وبين نفسه: “متى يكون في وسعي الهجوم على الأفعى؟”
وراح منذ وفاة أبيه يخطط لذلك الهجوم. وضع كل الاحتمالات، ودرسها دراسة دقيقة، واستخلص ضعف كل الخطط التي رسمها. فالأسطول البحري الذي بناه صدربعل لا يسمح بهجوم كاسح من البحر، خاصة بعد أن فقدت قرطاج جزيرة سردينيا وجزءا كبيرا من صقلية. والهجوم من البر تعترضه مشاكل جمّة، فهناك مدن في إيبيريا ما زالت تدين بالولاء لروما مثل ساغانتوم، وكذلك مرسيليا في بلاد الغوليين. أما الابتعاد عن هذه المدن فسيكلفه شق جبال البيريني وجبال الآلب، وهو عمل شاق ومكلف، ويتطلب تحالف شعوب تلك المناطق معه.
بعد تفكير عميق توصل إلى وضع خطة واضحة المعالم، ثم اندفع يهيئ لها كل ظروف النجاح. كان العنصر الأول في خطته سياسيا، فليس من السهل أن يحارب غير الأوروبي روما دون أن يستفز المشاعر العرقية. بدأ اتصالاته بمختلف الشعوب الإيبيرية حتى التي استقرّت بجبال البيريني مثل الباسك. فكانت اتصالات مباشرة ببعضها عن طريق العلاقات الدبلوماسية التي أرساها صهره صدربعل، أو غير مباشرة عن طريق بعض التجار البونيين الذين كانت لهم حظوة في بلاطات الملوك الإيبيرية. وكانت النتائج باهرة، إذ عبّرت تلك القيادات عن ترحيبها بمحاربة روما التي كان توسعها، ولو في بدايته، مخيفا لكل شعوب المنطقة.
ثم انطلق في دراسة جغرافيا المناطق التي سيمر منها جيشه، فكلّف بعض المختصين بالرحيل عبر تلك المناطق، فوافته بتقارير مفصلة عنها. ولما تجمعت لديه المعلومات الكافية، سطّر عدة طرق مختلفة، ودرس كل واحدة على حدة، مستعينا بأهل الذكر من الذين يعرفون الجغرافيا وتشعباتها. حتى اقتنع أن مشروعه ليس بالطوبوي، بل يمكنه أن يتحقق.
وقبل أن يضطلع بقيادة جيش قرطاج في شبه الجزيرة الإيبيرية بسنتين، وبينما كان يقضي عطلة الربيع في قصر قشتالة مع خطيبته ملكا، قال له ملك قشتالة في إحدى جلساته معه:
-لقد ثارت شعوب سهول نهر البو على روما، ورفعت السلاح في وجهها.
سأله حنبعل متلهفا:
-هل لديك تفاصيل عن تلك الثورة؟
-وصلتني أخبار تقول إن مجموعات من غوليين سهل البو، وأخرى من قبائل البيون من بولونيا، والإنسوبر من ميلانو، والتوريين من البييمونت، وقد انظمت إليها عصابات سلتية، كوّنت جيشا يضم أكثر من خمسين ألف مقاتل من المشاة، وعشرين ألف من الفرسان، وهجموا على مقاطعة الإتوريا، ومنها توجهوا إلى روما. وعندما وصلوا مسافة ثلاثة أيام منها تصدت لهم القوات الرومانية وأوقفت زحفهم، وهزمتهم شرّ هزيمة.
قال حنبعل حالما:
-جميل.
سأله ملك قشتالة مستغربا:
-أو يسرك انتصار عدوّك؟
-لا، أبدا. جميل أن تنتفض شعوب إيطاليا على الهيمنة الرومانية.
-لكن تلك الشعوب لا تملك من مقومات القوة والتنظيم حتى تتخلص من تلك الهيمنة.
قال له حنبعل حالما:
-سيأتي من ينظمها.
وما إن أصبح سيد إيبيريا حتى بدأ في تنفيذ خطته. انطلق يجوب البلاد الإيبيرية. فأخمد كل الفتن التي كانت تعصف بالبلاد. ودرّب جيشه على خططه المستقبلية.
بينما كان عائدا من حملة قادها في أحراش طليطلة هاجمته فجأة بقايا جيوش الفكاي التي هزمها سابقا. كان في وضع غير مريح، فسارع إلى قطع الاتصال بالجيوش المهاجمة، واختفى متخطيا نهر التاج، ثم أرسى بجيشه في الجهة الشمالية للنهر تاركا لعدوه مسافة تسمح له بملاحقته. وفعلا فقد انقاد عدوه إلى الكمين الذي نصبه له، إذ سارع باجتياز النهر دون أن يتفطن إلى فرسان الجيش البوني الذين ظلوا مختبئين في الجهة المقابلة للنهر. انقض فرسان جيش حنبعل من جهة اليمين على القوى المعادية دافعا إياها إلى جهة الشمال حيث كانت في استقبالها الفيلة، القوة الضاربة للجيش البوني، فمحقتها، ولم ينج منها إلا القليل إذ غرق جزء كبير من أفراد الجيوش المعادية في النهر، وتشتت البقية. وكان درسا لم ينسه سكان قشتالة الجديدة، فاستتب لحنبعل الأمن في كل مكان إلا في ساغنتوم، فقد بقي السكان منشقين على بعضهم، منهم من يدين لروما بكل الولاء، ومنهم من يحالف قرطاج.
كانت ساغنتوم شوكة في حلق الوجود البوني في بلاد الإيبار. فقبل أن يتوفى صدربعل قامت الفتنة فيها، وأخمدها الرومان عندما حلوا بالمدينة وناصروا حلفاءهم وأرضخوا البقية لهيمنتهم.
ما إن سمع الرومان بتحركات حنبعل داخل بلاد الإيبار حتى بعث مجلس الشيوخ وفدا إلى حنبعل ليحذره من مغبة المساس بساغانتوم التي يعتبرونها محمية رومانية. استقبل حنبعل الوفد الروماني بفتور كبير وأجابهم عن تحذيراتهم بسخرية، إذ ذكّرهم بما فعلوه بسكان ساغنتوم الشرفاء الذين كانوا متحالفين مع قرطاج قبل الحضور الروماني. وبينما هم يغادرون قرط حدشت قال لهم بشموخ:
-ليس من طبع القرطاجيين التخلي عن نجدة من يحتمي بهم.
وربما كانت تلك الجملة الشرارة الأولى في الحرب الرومانية القرطاجية الثانية. إذ تلتها جملة ثانية قالها أحد أعضاء مجلس شيوخ قرطاج عندما استفحلت القضية، وزار وفد من مجلس شيوخ روما قرطاج، وحضر مداولات مجلس شيوخها. عندها قال لهم عضو من مجلس شيوخ قرطاج تلك الجملة التي لم ينسها التاريخ:
-اكشفوا عن مشروعكم الحقيقي فساغنتوم ليست إلا تعلّة، هل تريدون محاربة قرطاج من جديد؟
أجابه رئيس الوفد الروماني:
-نحمل إليكم السلم أو الحرب فاختاروا ما يطيب لكم.
فرد عليه عدد كبير من أعضاء المجلس:
-فليكن الاختيار لكم!
فأعلن بكل صلف:
-ستكون الحرب.
وبعدها بعث مجلس شيوخ قرطاج إلى حنبعل رسالة يعلمه فيها أن روما أعلنت الحرب على قرطاج. ومن ثمّ كانت البداية الرسمية للحرب الرومانية القرطاجية الثانية. إذ حاصر حنبعل مدينة ساغنتوم. ودام حصارها ثلاثة أشهر ولم تهب روما لنجدة حليفتها. وسقطت ساغنتوم ولم يحرك الرومان ساكنا، مما شجع حنبعل على المضي قدما في تنفيذ خطته.”
وسكتت أسماء عن رواية التاريخ. ونظرت إلى حنبعل وهو شارد الفكر.
سألته بود:
-ما لك شارد؟ ألم تقع الأحداث بهذا الشكل؟
لم يجبها في الحين. لكنه بعد فترة من التفكير سألها:
-من أين أتيت بهذه المعلومات؟
-كتبها المؤرخون.
-ذلك التيتوس؟
-وغيره.
-رومان بالطبع؟
-قرأت لأحدهم كان يعيش في فترة زمنية أقرب من تيتوس ليفيوس، إذ حضر أحداث الحرب الرومانية القرطاجية الثالثة. ولكنه كتب تحت الرقابة الرومانية حيث كان يعيش مع الرومان، وقد قدموا به من ميقابوليس باليونان، وكان صديقا لقياصرة روما. ويدعى بوليبوس.
-ويقول نفس الشيء
-تقريبا. بل يقول إن اجتياحك لشبه الجزيرة الإيطالية كان طيشا، وأن قرارك كان نزوة من نزوات الشباب.
قال حنبعل غاضبا:
-فليذهبوا إلى الجحيم! لو كان النصر حليفي لما قالوا هذا الكلام. التاريخ الذي يكتبه المنتصر عادة ما يكون مزيفا.
طوقته أسماء بذراعيها، وقبلته قبلة طويلة، ثم قالت له بحنان:
-غدا سأروي لك قصة اجتيازك الجنوني لجبال الألب.
ثم انصرفت.

6

ومن الغد وعند قدوم الليل عادا إلى السمر.
قالت أسماء:
“تحولت مدينة قرط حدشت الإسبانية إلى عروس. ازدانت بالأعلام، وقدم إليها الناس من كل جهة، وأعلن المنادي عن استعراض عسكري كبير سيشارك فيه جيش حنبعل المتوجه إلى ساحة القتال لمحاربة روما. أقيمت الولائم في كل أحياء المدينة البونية، وفتحت أبواب المعابد للصلوات، وانتشر المرح في كل مكان.
عاد حنبعل من زيارة إلى قادس حيث يوجد معبد هرقل إله المدن. وقد حضر حفلا كبيرا أقيم بقادس دعا الكهنة خلاله هرقل بالنصر لجيش حنبعل.
في الحقيقة لم يذهب حنبعل خصيصا للصلاة، بل ليحضر بنفسه سفر زوجته وابنه إلى قرطاج. لقد ظلّت صورة رحيلهما عالقة في ذهنه طيلة السنوات الخمس عشرة التي قضاها في البلاد الإيطالية يحارب الرومان.
ولم يكن هدف كل تلك الاحتفالات دينيا أو استعراضيا فحسب، بل كان حنبعل يرجو من ورائه حث الشباب الإيبيري إلى التطوع للعمل في الجيش البوني. كان الجيش البوني يتكون أساسا من العناصر البونية في القيادة، والعناصر النوميدية في جيش الخيالة، والعناصر الماورية في قيادة الفيلة، وكل هذه العناصر مدربة تدريبا جيدا، وهي تمثل العمود الفقري للجيش البوني، عناصر محترفة، ذات قيمة قتالية عالية، تطعّمها من حين لآخر عناصر مرتزقة تعمل حسب حاجة الجيش إليها. فكان جيش حنبعل الذي هيأه لاكتساح شبه الجزيرة الإيطالية أحسن جيش في العالم في ذلك العصر، ويمكن اعتباره جيشا متعدد القوميات.
اجتمع حنبعل بقادة جيوشه، حنّون وماهربعل ومتّان وهو قائد من أصل لوبي، وآزربعل، شقيق حنبعل، وهو قائد الجيش البوني الذي سيظلّ يحرس إسبانيا لإخماد الفتن المحتملة، وللتصدي لهجمات البحرية الرومانية، وشقيقه ماغون الذي لم يتجاوز العشرين من عمره. وعرض عليهم الخطة:
“في البداية سينطلق كامل جيشنا نحو جبال البيريني التي تسكنها قبائل ثائرة على كل أنواع السلطة، والتي لن تسمح بمرورنا بسهولة عبر أراضيها. سيتكفل نصف الجيش الذي يقوده آزربعل بمناوشة قوات تلك القبائل حتى يتسنى للنصف الآخر تخطي الجبال والتوجه إلى بلاد الغوليين المتفق مع أهلها على إعانتنا في تخطي جبال الألب لمحاربة روما. عندما نكون قد تخطينا جبال البيريني، يغادر جيش آزربعل جبال البيريني، ويعود إلى الأراضي الإيبيرية.”
سأله أحد القادة:
-وهل سنحمل معنا الفيلة؟
أجابه بعد صمت طويل:
-لا بدّ منها. أعرف أنها لا تقدر على صعود الجبال، وأن تغذيتها ستكون من أكبر المشاكل التي سنواجهها، ولكنها تمثل عنصرا هاما في خططنا الحربية.
سأله آخر:
-والمجانق؟
-تلك نصنعها على عين المكان، نحمل معنا فقط أدوات الصناعة والعمال المختصين.
-والمؤن؟
-لا داعي لها، سنشتريها في الطريق قبل صعود جبال الألب، فالأماكن التي سنمر منها في بلاد الغوليين غنية بالمواد الغذائية وأسعارها رخيصة.
بعد الاجتماع بعث حنبعل رسالة إلى قرطاج يعلمها فيها ببداية حملته على روما. ومن الغد كان في طريقه إلى جبال البيريني يقود جيشا جبارا خرجت لمشاهدته جماهير غفيرة.
كانت في المقدمة فرقة الفيلة، ثلاثون فيلا أتوا بها من جبال الأطلس في الريف المغربي، فيلة فتية، تنتصب على ظهورها أبراج من الخشب، ويجلس داخلها رماة الماور بأقواسهم ونبالهم على أهبة الاستعداد. كان سلاح الفيلة بمثابة المدرعات، ترهب الخيل والمشاة، وتشتت صفوف العدو، وهي مدربة على القتال فلا تتوانى في الهجوم مستعملة خراطيمها حسب الاتجاهات التي تدفع نحوها…
قاطعها حنبعل سائلا:
-وهل ما تزال الفيلة تعيش في جبال الأطلس إلى الآن؟
-مع الأسف انقرضت واندثر جنسها بسبب حملات الصيد التي كان يقوم بها الرومان لتغذية مسارح صراع الحيوانات التي كانوا شغوفين بها.
بعد فترة من الصمت عادت أسماء إلى السرد:
“ثم أتى الفرسان النوميديون، وهم رجال أشاوس، يحملون برانس بيضاء، وسيوفا قصيرة، وخناجر معقوفة. إنهم خيرة الجيش البوني، حاربوا فيه منذ نشأته، وبهم حقق عبد ملقرط جل انتصاراته. ويركب الفرسان خيولا بربرية قصيرة القامة، رقيقة السيقان، لكن شجاعتها مثالية، وجلدها لا نظير له عند الجياد الأوروبية.
وتعاقبت وراءها صفوف المشاة من مختلف الجنسيات، جلّهم من سكان إيبيريا التحقوا بالجيش البوني منذ أن استقرت له السلطة في البلاد الإسبانية. لكنهم يحملون الزي البوني القرمزي وعلى ظهورهم أمتعتهم وأسلحتهم، نبالا وأقواسا وسيوفا وخناجر.
كان الجيش البوني مسلحا أحسن تسليح، ومدربا أحسن تدريب، ويقوده أعظم قائد عرفه التاريخ القديم بعد الاسكندر المقدوني. وكانت مهمته صعبة وشاقة، لكن القيادة هيأت له كل ظروف النجاح، ورفعت من معنويات الجند إلى حد كبير. وقد سرّح حنبعل عند جبال البيريني كل الجنود الذين أصابهم الوهن أو أظهروا التراخي وقلّة الحماس.
كان حنبعل شديدا مع جنوده إلى حد القسوة في كل ما يخص الانضباط، لكنه يعاملهم كالأصدقاء لا يفرّق بين الضابط والجندي البسيط، وكان عادلا في حل المشاكل التي تحصل بين الجنود، سخيا عند الوفرة، شحيحا عند الحاجة، يحذق لغات جل الجنسيات التي تشارك في جيشه، فيحدث كل فئة بلغتها. وبهذه الخصال تكوّنت بينه وبين جيشه لحمة لم تستطع سنوات الحرب الطويلة فكّها. بل كثير من الجند والضباط الأجانب رافقوه عند عودته إلى قرطاج، بعد خمسة عشر سنة من الغربة، وواصلوا معه الحرب ضد روما.”
صمتت أسماء والتفتت إلى حنبعل تسأله:
-أليس كذلك يا بطلي العزيز؟
-إنها حقا ذكريات جميلة رغم كل المتاعب. أرقى قيمة عند الإنسان بعد الحب هي الصداقة. لم يكن بيني وبين جنودي ولاء، بل كانت تربطنا صداقة متينة جعلت منا جسما واحدا متماسكا. وربما كانت تلك اللحمة هي التي دفعتني إلى التخلي عن حصار روما. فأنا أعرف جيدا أن الملل هو أكبر عدو للجندي. وحصار روما ربما كان يمكن أن يستمرّ سنوات، فتتلاشى تلك اللحمة.
-يقول السياسيون إن العبرة بالنتائج.
-لم أكن سياسيا بل كنت إنسانا. لم أكن أبحث عن انتصار عسكري سياسي، بل أردت أن يكون انتصارا لمثلي، وجعل العالم أقل جشعا وهيمنة.
-ولكن النتيجة النهائية كانت عكس ذلك. فما أن انتصرت روما عليك حتى أصبحت القوة الوحيدة القاهرة في العالم، ففرضت هيمنتها على كل الشعوب شرقيها وغربيها، وانتصر بذلك الجشع والهيمنة.
بعد برهة من الصمت واصلت أسماء سردها:
“قلت يا بطلي الهمام أن جيش حنبعل انفصل عن جيش أخيه آزربعل على مشارف بلاد الغوليين قرب مدينة نربون في فرنسا الحالية. ولم يتفطّن الجند لذلك الانفصال لكثرة عددهم. ولم يتفطن إليه أحد، واعتقد الكل أن حنبعل سيهاجم روما بجيش قوامه مائة وعشرون ألف جندي، وهو خبر تناقلته الألسن في كل مكان حتى وصل إلى آذان أعضاء مجلس شيوخ الرومان.
دخل الهلع قلوب الرومان، فأرسلوا بتعزيزات إلى المدن الحليفة لها في بلاد الغوليين، مثل مرسيليا ونيس، مدن تقع على الطريق التي كان الرومان يعتقدون أن حنبعل سيسلكها في حملته على روما. ومن ناحية أخرى شعر كل أعداء روما بالارتياح، وهم كثيرون، خاصة سكان الشمال الإيطالي من سهول البو إلى بولونيا. وهي شعوب عانت من قهر الرومان لها، واستحواذهم على خيراتها الوفيرة. واستعدت هذه الشعوب لاستقبال جيش جنبعل ومدّه بكل ما يحتاجه للانتقام من روما وعنجهيتها.
لكن عدوا شديد المراس لم يحسب له حنبعل كثير الحساب كان بالمرصاد له. كانت طبيعة بلاد الجنوب الفرنسي أكبر عدو واجه حنبعل في مغامرته الإيطالية. فبعد أن تخطى جبال البيريني واستقبله سكان منطقة الروسيون بحرارة، نتيجة النشاط الدبلوماسي الحثيث الذي أنجزته الإدارة البونية في إسبانيا قبل الرحلة، وكذلك الهدايا الثمينة التي أغدقها حنبعل على رؤساء عشائر تلك المنطقة، بدأت متاعب الطريق تظهر.
كان الحاجز الأول مائيا: نهر الرون وما أدراك ما نهر الرون. ولم تكن في ذلك الزمان تعبر الأنهار جسور تسمح بمرور الجيوش، ولم يكن في حوزة حنبعل ولا سكان تلك المناطق قوارب كافية لنقل الجنود من ضفة إلى أخرى. فكان على جيش حنبعل محاذاة النهر مسافات طويلة حتى الوصول إلى مكان يمكن فيه تخطي النهر دون خطر. ورغم طول المسافة، فقد فضّل حنبعل عدم سلوك الطريق البحرية القصيرة نسبيا، والأقل صعوبة، لأنها محفوفة بالمخاطر، خاصة أن معلوماته تؤكد أن الجيش الروماني بقيادة سقيبيون، والد سقيبيون الأفريقي، كان موجودا في تلك المناطق لحماية مدينة مرسيليا، إحدى محميات روما في تلك الجهة.
ولمّا همّ جيش حنبعل بتخطي النهر، بعد أن أقام في المكان أسبوعا كاملا هيأ خلاله كل لوازم العبور من قوارب وزوارق ومنصات لمرور الفيلة والعربات، فوجئ بجماعات مسلحة تترصد جيشه في الضفة المقابلة. كانت جماعات من قبائل الفلك لم يرضها الاتفاق الحاصل بين رؤساء القبائل ومبعوث حنبعل فأرادت الحصول على غنائم من الجيش البوني، فنصبت له كمينا. لكن مخبري حنبعل تفطنوا لذلك وأعلموا قائدهم.
أسرع حنبعل بتكليف حنّون، أحد قواده الكبار، وهو شاب مقدام، وابن أخته الكبرى، بتخطي النهر بعيدا عن مكان الكمين، وبالانقضاض على المجموعة المترصدة. تقدم حنّون مع ثلة من الفرسان خمسة وعشرين ميلا بمحاذاة النهر حتى وصل مكانا ينشطر فيه النهر إلى مصبين، فتخطاه متبّعا نصائح أدلته من الغول، وبعد مضي ليلة في الراحة، تقدم نحو مكان الكمين متسترا بالغابة الكثيفة المترامية على ضفة النهر. ولمّا صار قبالة جيش حنبعل أرسل إشارة من الدخان. فاندفعت كتائب الجيش البوني تشق النهر، الفرسان في المقدمة، ومن خلفهم أسراب الرجال على الزوارق والقوارب، ومنصات الفيلة يجرها الرجال على الضفة المقابلة. وما إن حطت الطلائع الأولى للجيش البوني على ضفة النهر حتى استقبلها رجال قبائل الفلك بالنبال، لكن سرعان ما تشتتت صفوفها، إذ هاجمتها من الخلف فرسان حنّون ووقعت بين فكي الأسد.
لكن متاعب حنبعل لم تنته. فأصبح أكثر انتباها، وأرسل أمام جيشه فرقا كشافة تستجلي الأماكن والأوضاع. وقد وقعت لأحداها مناوشات مع الجيش الروماني الذي كان يبحث هو الآخر عن جيش حنبعل يريد إعاقة تقدّمه نحو البلاد الإيطالية. ورغم كل تلك المصاعب فقد واصل حنبعل طريقه المرسومة مسبقا، وتهيأ لتسلق جبال الألب، يريد أن يدرك قمتها قبل وصول فصل الشتاء.”
نظرت أسماء في ساعتها، ثم نهضت وودعت حنبعل، وعادت مسرعة إلى بيت أهلها.

7

وما إن حل الليل وعادا إلى عشهما حتى طلب حنبعل بلهفة من أسماء أن تعود إلى السرد. لبت طلبه وقالت:
“كان المكان الذي يعسكر فيه جيش حنبعل قبل بداية الرحلة الشاقة عبر المسالك الوعرة لجبال الألب أروع ما رأته العين. الخضرة تكسو السهول والمرتفعات، السماء صافية زرقاء، الغابة الكثيفة السوداء تطل كالمغارة الكبيرة، قمم سلسلة الجبال تغطيها ثلوج بيضاء تتلألأ تحت أشعة الشمس، الهواء عليل عطر، الماء ينساب في جداول ضيقة يسمع خريره عن بعد، وأصوات الطيور تغرد سعيدة بالحياة.
كان حنبعل يجلس على كرسي خشبي يتصفح الخرائط المنتشرة على طاولة خشبية صنعت أثناء العسكرة، يترشف نقعا من الزعتر. تقدّم إليه سيلينوس، مؤرخه الصقلي اليوناني الأصل الذي كان يرافق أباه في حملته الإسبانية، وسأله:
-متى سنصل إلى قمة الجبل؟
-قبل حلول الشتاء.
كان سيلينوس يكن احتراما كبيرا لحنبعل رغم أنه كان معلمه. فقد اكتشف عندما كان يلقنه اللغات الأجنبية والتاريخ والجغرافيا أنه يمتلك مواهب غير عادية. كان من الفطنة والقدرة على الاستيعاب أنه لم يكن في حاجة إلى مراجعة أي درس يلقنه إياه، وأنه يسعى إلى تطبيق كل ما تعلم. فلم يجد أي صعوبة في النطق السليم لليونانية، واللاتينية، والفينيقية التي تعلمها على يدي كاهن بوني. وكان وهو طفل يرسم خرائط الأماكن التي يمر بها، والطرقات التي يسلكها في سفراته مع أبيه من قرطاج إلى تبسوس أو حضرم، أو جزيرة قرقنة.
ظل ينظر إليه وهو يرسم طريقا، ثم سأله:
-هل سنسلك هذه الطريق داخل الغابة؟
-نعم. وسنهيؤها حتى تصبح طريقا تمكن من مرور الفيلة، ونستغل الحطب والحشائش التي سنجمعها.
-هل يتطلب ذلك وقتا طويلا؟
-لدينا أكثر من خمسين ألف رجل يا سيلينوس.
عندما انتهى من رسم الطريق، التفت إلى سيلينوس وبقي ينظر إليه شارد الذهن ثم سأله:
-ما رأيك في مغامرتي؟
لم يجبه في الحين، كان يعرف مزاجه جيدا، ويعرف أنه ككل الشرقيين يحب الإطراء، لكنه يعتز به كابنه، فقال له:
-بصراحة مغامرة بكل ما في الكلمة من معنى.
ربت على كتفه وقال:
-سأقص عليك حلما لم أفهم معانيه. كان ذلك ليلة خروجنا من قرط حدشت. وكما عودتني منذ الصبا ستشرح لي الحلم وتدلني على نذيره.
“لقد رأيت في حلمي شابا بهي الطلعة، جميلا كالإله. ابتسم لي ابتسامة عذبة وقال لي بصوت شاد:
-أرسلني إليك الإله ملقرط لأقود خطاك في البلاد الإيطالية. اتبعني ولا تلتفت.
كنت مبهورا أمام كل تلك المهابة وكل ذلك الجمال والوقار. لبيت طلبه، ونفذت أمره، ولم ألتفت. لكن عندما طال بنا السعي، تحركت داخلي غريزة حب الاطلاع، ولم أقدر على مقاومتها، فالتفت خلسة إلى الوراء. فيا لهول ما شاهدت! كان ثعبانا عظيما يخبط برأسه في كل الاتجاهات، يستفز الرعد والبرق، ويقتلع الأشجار من جذورها، ويهدم البيوت على سكانها، ويزرع الموت ويحصد الخراب.
اقتربت من مرشد ملقرط وسألته:
-ما هذه الأعجوبة؟
أجابني عبوسا:
-إنها خراب إيطاليا.
عندما أفقت من حلمي كان العرق يتصبب من كامل جسدي.
قال له سيلينوس:
-ما كان لك أن تلتفت، فقد عصيت أوامر الرب.
-لكني لست معصوما يا سيلينوس، إني إنسان مثلك تتحرك داخلي الغرائز والأهواء.
-إذن عليك ألا تتحول إلى ذلك الثعبان المخرب. انتصر على شر روما، ولا تزرع الشر فإنك إن فعلت فتنشر الخراب مثل ثعبان حلمك.
-أعدك أني أتفادى ما استطعت التخريب المجاني. أنت تعرف الحرب، وتعرف أننا لا نستطيع طهي البيض دون كسرها.
-أدعو ملقرط أن يستجيب لصلواتك.
دعا حنبعل أحد الجنود وطلب منه أن يحضر شهد عسل إلى سيلينوس. امتثل الجندي بسرعة، ومدّ للمؤرخ صحن العسل. قال له حنبعل:
-لقد جمعه الجنود الغول هذا الصباح، لم أذق ألذّ منه في حياتي. هذه البلاد جنة الخلد!
بعد أن احتسى العسل، تقدم سيلينوس من حنبعل وقال له بصوت خافت:
-هل تسمح أن أقبلك، فأنت أعز عليّ من أبنائي الذين تركتهم في قرطاج. أنت رجل فذ يا حنبعل، كل الذين عاشروك أحبوك.
قبّله من جبينه، ثم انصرف. لكن حنبعل ناداه ليقول له:
-هيّئ نفسك الليلة فعندنا زوار محترمون.
-هنا في المعسكر؟!
-نعم هنا. سننصب الخيمة الصحراوية لاستقبال أمير من هذه الجهة طلب مقابلتي.
وعند المساء كانت الخيمة الصحراوية المنسوجة من وبر الجمال قد نصبت، وفرشت بالزرابي الناعمة، ووضعت فوقها الحشايا والوسائد، وانتشرت في داخلها الموائد. كان حنبعل يريد استقبال ضيوفه في جو شرقي ليذكرهم أنه آت من مشارف الصحراء.
عندما وصل موكب الأمير وحاشيته عزفت فرقة من الجند الموسيقى ترحيبا به، ثم قاده حنبعل مباشرة إلى داخل الخيمة. تقدم الأمير برفقة زوجته، وتبعه نفر قليل من الأسرة المالكة. كان حنبعل ينتظر عددا كبيرا مما آثار استغرابه فسأل الأمير:
-ما لسيادة الأمير قادم بهذا العدد الصغير؟
ابتسم الأمير وقال:
-لم نرغب في إزعاج قائدنا العظيم. نعرف أنكم تتهيؤون لمهمة شاقة.
صمت الأمير لحظة ثم أضاف:
-في الحقيقة يا سيدي حنبعل قصدناك في استشارة. ولكي أكون صريحا ودقيقا، قصدناك، ونحن نعرف حكمتك، لمساعدتنا على حل مشكلة طرأت بيني وبين شقيقي.
قال له حنبعل:
-على الرحب والسعة، خاصة أن معنا الآن عالمين إغريقيين تعلّمت على أيديهما الكثير من المعارف.
ثم قدمّ إليهم سوسيلوس أستاذ الفلسفة وسيلينوس أستاذ التاريخ وقد أبى حنبعل إلا أن يشاركهما مغامرته التاريخية حتى يكونا شاهدين عليها.
عاد الأمير يشرح لحنبعل مشكلته:
-لقد توفى والدنا منذ زمن قصير، وتوليت الإمارة بعده، لكن أخي هذا، ثار علي، ورغب أن يكون الوارث لحكم أبي. وهدد بمغادرة أرضنا مع ثلّة من مناصريه. فهل يمكنك أن تحكم بيننا يا سيدي حنبعل؟
لم يكن حنبعل ينتظر أن يقوم بهذه المهمة في هذا المكان بالذات، ولو أنه تعرض لمثلها عدّة مرات عندما كان يتدخل في الفتن التي كانت تنشب بين القبائل الإيبيرية. بعد صمت طويل سأل حنبعل:
-من منكما الأكبر؟
سارع الأمير بالإجابة:
-أنا يا سيدي حنبعل.
التفت حنبعل إلى العالمين الإغريقيين وسألهما:
-ما رأيكما؟
قال سوسيلوس:
-لقد جرت العادة عند جل القبائل في أوروبا أن يرث الحكم الابن الأكبر…
قاطعه الأمير قائلا:
-وهو ما فعلته.
فقال حنبعل:
-عليك يا سمو الأمير أن تعد أخاك أنه يكون ولي عرشك، ووزيرك الأكبر.
وتصالح الأخوان، وتعاهدا أمام حنبعل ألاّ يتخاصما أبدا. ثم طاف الجنود على الضيوف بالمأكولات الشهية، وشرب الجميع الخمر القرطاجي المعتق. وعاد الأمير وأسرته إلى القصر مسرورين بنتيجة الصلح الذي توصلت إليه مساعي حنبعل. وقبل أن يغادر جيش حنبعل معسكره، وصلت إليه من الأمير مؤن كثيرة هدية منه إلى الجيش البوني، كما بعث وراءه فرقة من جنده تحرس خلفيته من اللصوص وقطاع الطرق حتى غادر حدود الإمارة…”
قاطع حنبعل أسماء وسألها:
-هل قرأت هذه القصة في الكتب؟
-لقد نقلوها على لسان سيلينوس يا بطلي العظيم. أتشك في حدوثها؟
-لم أعد أتذكر. لكن واصلي.
عادت أسماء لسردها:
“طلب حنبعل فرقة الهندسة في جيشه، وأمرها برسم الجزء الأول من الطريق التي وضع مخططها على الأوراق. ثم طلب القائد المسؤول عن التموين وطلب منه جردا في المؤن المتوفرة. سأله بعد أن استمع إليه بكل انتباه:
-وهل فكّرت في الماء؟
-الماء موجود في كل مكان في هذه الجبال.
قال له حنبعل حانقا:
-اصنعوا البراميل واملؤوها بالماء قبل أن نغادر المعسكر.
ولمّا همّ بالانصراف، قال له:
-ضاعف مؤونة الخل فسوف يكون له دور كبير عند الحاجة، ولا تنس الملح، فهو سلاح فعال في حربنا القادمة ضد أهوال الجبل وثلوجه.
ثم كلّف فرقة القناصة بصيد كل دابة يعثرون عليها، وتقديد لحمها، ومعالجة فروها. كان حنبعل يتصوّر مهاجمة الطبيعة لجيشه، فأخذ يعدّ العدّة للمعارك التي سيخوضها مع ذلك العدو العنيد. كان الرأس المدبّر لكل شيء، وكان قادة الجيوش يطمئنون إليه، ويعوّلون على فطنته، وينفذون أوامره بحذافيرها.
ومضى أسبوع والجند يعسكر في سفح الجبل لم يتحركوا من مكانهم حتى خيّل لبعضهم أن حنبعل قد تراجع عن تسلق جبال الألب. لكن عندما أنجز الجزء الأخير من الطريق التي رسمها، واندفعت الأرتال من الفرسان، والفيلة، وعربات المؤن والسلاح، وفرق المشاة تصحبها البغال والحمير، ظهرت مهارات الرجال الذين شقوا الجبال وحفروا ترابها، واقتلعوا الأشجار وحوّلوها إلى حطب، وسووا الأرض وفرشوها بالحصباء.
ولمّا وصلت طلائع الجيش إلى إحدى القمم،كانت بقيته لم تزل تعسكر في السهول تترقب الإذن بالانطلاق. كان المشهد من أروع ما أتيح لتلك الطبيعة طيلة وجودها. كل هذه الجحافل تتعاقب في تناسق تام تحيط بها الأشجار من الجهتين، تنغمس في الطبيعة فتتحول إلى جزء منها، ولو أنها أزعجت الحياة وقضت على بعضها، لكنها خلدت تحدّيا ظل الإنسان يتحدث به مئات السنين.
وعندما عمّ الظلام واضطر الموكب للتوقف، كان المكان قد هيأ للاستقبال. لقد خطط حنبعل لكل تفاصيل مراحل الرحلة. كان يصارع الطبيعة، لكنه لم يقدر على وقف زحف الزمان، فالشتاء القارس في انتظاره، والزوابع الثلجية تترصد به، والجوع القاتل لن يرحمه.”
مضى من الليل شطره فتوقفت أسماء عن سردها، وغادرت حنبعل بعد أن وعدته أنها ستكمل الحكاية غدا كالمعتاد عندما يجنّ الليل.

8

سألت أسماء حنبعل قبل أن تبدأ سردها:
-كيف تسنى لك ضبط كل مراحل تلك الطريق الجبلية الوعرة وأنت ابن البحر والسهول؟
أجابها مبتسما:
-حب الرجال لي.
-لم أفهم.
- الرجال الغوليون رافقونا في رحلتنا عبر جبال الألب، وواصلوا المغامرة معنا إلى نهايتها، كانوا رجالا بأتم معنى الكلمة. تعلّمت منهم كل الدقائق التي مكّنتني من معرفة المكان الذي سأمر به. أرشدوني على نوعية الأشجار وخصائصها، على مصاب المياه وسرعة اندفاعها، على مختلف المسارب وأبعادها، على الأرض وتربتها، على الحجارة وصلابتها، على قمم الجبال ومشارفها. وتكوّنت لي فكرة شاملة على الموقع بكل مكوناته. ولم أرسم طريقا واحدة، بل رسمت طرقا متعددة، وعرضتها عليهم، وناقشنا كلا منها، وتوقّعنا المصاعب التي ستعترضنا، ولم نبدأ في سن طريق إلا بعد أن اتفقنا على كل الاحتمالات والحلول المرتقبة لحل المشاكل التي ستعترضنا.
هل تتصورين أننا رسمنا الطريق النهائية التي أوصلتنا إلى نهر البو؟ لقد جزأنا الطريق إلى أقسام تحددها المخاطر. عندما نصل إلى نهاية القسم الذي رسمناه، نأخذ قسطا من الراحة، ثم نرسم القسم الثاني بعد أن أرسلنا فريق كشافة ليدلّنا على كل الصعوبات التي ستعترضنا. لم نكن مجموعة من الرحالة عبر الجبال، كنا جيشا يضم أكثر من خمسين ألف رجل وأكثر من ثلاثين فيلا، وآلافا من الدواب، وأطنانا من المؤن والأسلحة.
ثم لا تنسي أن العدو في انتظارنا عند السهول وفي بلاد يعرفها جيدا. كان علينا أن نصل حيث لا يتصوّر، وأن نفاجئه من حيث لم يترقب. كل ذلك خمّنته قبل أن تعلن الحرب. وعندما عزمت على المغامرة، كان هاجسي الأول أن يتبنى كل رجالي مغامرتي، ويجعلوا منها مغامرة كل فرد منهم. كنّا كلما فقدنا أحدا منا، لا ندفنه إلا عندما نصلي عليه جميعا، سواء بالحضور أو من أماكن تواجد كل جندي. كانت مغامرة كل الرجال وليست مغامرة حنبعل لوحده.
-لم أفهم كيف توصلت إلى ذلك التناغم الدقيق بين كل عناصر جيشك وهي مختلفة الملل والثقافات والأديان؟
-التنظيم حبيبتي يأتي على الخلافات. لقد أوكلت قيادة كل فرقة أجنبية إلى قائد من بلدها، وقد اخترت القادة قبل الرحيل، ودربناهم على طرقنا في القتال والمناورة، وتعلموا لغتنا فأصبحوا منا، وعاملناهم على أنهم قادة بونيون يتمتعون بنفس الرتب والامتيازات. وعندما أتحدث إلى الجنود بالبونية، فإني متيقن أن جلّهم يفهمني، فقادتهم يترجمون لهم فوريا. ومع ذلك فأنا، كما تعرفين، أجيد عدة لغات، وأحاول أن أخاطب جل الجنود باللغة التي يفهمونها، وهذا ما يجعلهم قريبين مني.
صمت حنبعل ثم ضمّ أسماء إليه وسألها:
-لماذا كل هذا الاستنطاق؟
همست له:
-لأني كلما قرأت ما كتب عنك، ازددت بك شغفا.
بعد أن دخلا في عناق طويل، انسلّت أسماء منه وقالت:
-لا بد أن أتمم سرد أطوار مغامرتك الإيطالية.
همس لها:
-كم أنت شهية!
سألته بدلال:
-ألا ترغب في بقية القصّة؟
-بلى. وأرغب فيك أيضا.
لم تقدر على الهمس إليه: “وأنا كذلك. لكني عزمت على أن أقاوم رغبتي، إلى أن تنتهي قصتي.”
عندما طال صمتها قال لها:
-سأكبح جماحي، وأهتمّ بسردك.
جلست بوقار، وتنحنحت ثم قالت:
” بعد صعود مريح ومبرمج في البداية، بدأت الصعوبات مع ارتفاع الجبل، وكثرة التضاريس والمنحدرات، فتاه حنبعل بجيشه بين شعاب جبال الألب ومضايقها الوعرة أكثر من أسبوعين، نال خلالها العباد والدواب ويلات لم تكن لهم في الحسبان. فهذا فيل يسقط من أعلي الجبل فيحمل معه عشرة مقاتلين يبتلعهم الموت، وهذه صخور تهوي من الأعالي تحصد الأرواح في طريقها، وهذا المكان ينزلق تحت وطأة الزحف فيقبر الدواب والبشر، وهذه الشمس اللافحة رغم تولي الصيف وقدوم الخريف تصيب العشرات بأوجاع الرأس وتداعي الجسد فتؤخر تقدم القوافل المتتالية، وهذا الجوع ظهر كالشبح عندما أخذت كميات الطعام تقل، وهذا العطش يثقل عندما أخذت براميل الماء تلقى فارغة، وهذا الليل الحالك يغطي الجبل بصقيع ينذر بهول ما هو قادم.
لم تفلح خطط حنبعل وتوقعات أدلّته من الغول في كشف كل ما كان يخبّئ الجبل لزواره. كانت الفواجع تتالى، وعدد الأموات يرتفع خاصة من الفيلة التي لم تتحمل صعود المسالك الضيقة، وأضناها التعب، فلم يعد بإمكانها إطاعة سواقها، ولم تفلح كل المحاولات لدفعها إلى الأمام، فتركت في مكانها تترقب الموت المحقق. وأصاب بعض الجنود من الإيبار حالات هستيريا، فعزلهم حنبعل عن بقية الجند، وتحدث إليهم بهدوء، ثم دفع إليهم رواتبهم وسرحهم.
عندما وصل أخيرا جيش حنبعل إلى أحد القمم المشرفة على الجهة الإيطالية لجبال الألب كان ثلث جيشه قد اضمحلّ أو عاد أدراجه. وكانت أكبر خسارة تكبدها هي موت ما يقارب النصف من عدد الفيلة التي أتى بها من جبال الأطلس ليخيف بها الرومان.
لكن حنبعل ليس من طينة الرجال الذين تفلّ فيهم المحن. وقف على صخرة عظيمة ونظر إلى المنحدر أمامه. كان ضباب كثيف يغطي البراري، فالتحمت السماء بالأرض، ولم يعد حنبعل يميز شيئا سوى أن نهاية الصعود المضني قد حلّت.”
صمتت أسماء لحظة ثم قالت لحنبعل:
-هل تعلم أن طبيبا فرنسيا من هذا العصر أفنى أكثر من عشرين سنة من عمره للبحث عن تلك الصخرة التي وقفت عليها تنظر من بعيد إلى سهول البو؟
قال حنبعل ضاحكا:
-ولماذا كل هذا الهوس؟
-البحث عن الحقيقة.
-وهل توصل إليها؟
-رغم كل الشكوك فقد وصل إلى إثبات جزء منها.
-وماذا يقول المؤرخون عن ذلك المكان؟
-أقوالهم متناقضة تماما. بل ذهب بعضهم إلى جعلك تقفز بين قمم الجبال كالنسر.
-وسيلينوس؟
-لقد أحرق الرومان جزءا كبيرا من كتاباته، وتلك التي أوردها عنه مواطنه بوليبس ليست واضحة.
-أإلى هذا الحد وصل حقد الرومان على القرطاجيين؟
-لم يكن حقدهم ضد قرطاج فحسب، بل ضد كل الشعوب التي وقفت في وجههم، وقد وصفوها بالهمجية أو البربرية.
-وماذا فعل حنبعل وهو فوق تلك الصخرة التاريخية حتى تصبح حديث الأجيال منذ اثنين وعشرين قرنا؟
-تريد أن أعود إلى السرد؟
-واصلي إذن.
قالت أسماء:
“وقف حنبعل طويلا فوق تلك الصخرة المطلة على إيطاليا، وقال في نفسه: “إذا هزمت روما وأصبح كل العالم حرا من الهيمنة، سوف يفتح عهد جديد للإنسانية، وستتحرر من الجبروت والاستحواذ، وسوف ننشر ثقافة التبادل التجاري والحضاري، سنجعل الإنسان يعمل من أجل رخاء العامل، والمستثمر، والتاجر. وسنقضي على الذين يتمعشون من الحكم، ويكدسون الثروات من نهب الشعوب.”
ثم التفت إلى الوراء فراعه مشهد جموع العساكر منتشرة على الصخور، وجوهها شاحبة وثيابها بالية، أنهكها الإرهاق وقلّة الغذاء والعطش. لم يكن المكان صالحا لنصب الخيام، لكن حنبعل أراد أن يحوّله إلى معسكر، وأن يزرع روحا جديدة في هذه الأشباح البشرية، ليندفع بها إلى سهول إيطاليا وقد شحنها بشعلة الانتصار.
ماذا يمكنه أن يقدّم لجنده سوى الكلام؟
نفذت المؤن أو أتلفها الجبل، خارت القوى ولم تعد تتحمل الأجساد الجهد. لم يبق من الزاد سوى الخل والملح وبعض الحشائش والشعير لعلف الجياد. لقد أقسم الفرسان النوميديون أن لا يمسها أحد. لأن النوميدي يجوع ولا يأكل طعام جواده.
ظلّ حنبعل يلتفت تارة إلى سهول البو ويحلم، وطورا إلى جنده ويضطرب. ثم نادى على المنادي ليعلن الفزع. فانطلقت صفارات الإنذار رددتها الأصداء في الجبال المجاورة.
التف الجند حول الصخرة التي يقف عليها حنبعل، ولمّا هدأت تحركاتهم ألقى فيهم حنبعل خطابه الشهير:
“أيها الجنود الأشاوس، أيها الرجال الصناديد. لقد رفعتم التحدي وأدركتم قمة الجبل. قهرتم الطبيعة وانتصرتم على قوى الهون داخلكم. لقد خلدتم أعظم مغامرة قام بها الإنسان. لا بد أنكم فخورون بإنجازكم العظيم، ولا بد أنكم تتشوقون لنيل أكاليل النصر. النصر هنا وراء هذه الصخرة. النصر هنا في قلوبكم. النصر هنا في عزيمتكم.
أعرف جيدا أن الجوع يؤلم بطونكم، وأن الإرهاق ينخر أجسادكم، وأن الحرمان يدمي عقولكم. لكني أعرف أيضا أن عزيمتكم لا حد لها، وأن رجولتكم لا مثيل لها، وأن طموحكم يناطح السحاب. ولكل هذه الخصال سيكون النصر حليفنا.
أيها الجندي البطل إن ما ينتظرك وراء هذه الصخرة لم تحلم به في حياتك. سهول البو هي جنة الخلد. ستجد ألذ المأكولات وأشهاها، وستشرب أحلى النبيذ وأرقاه، وستغنم من الخيرات ما لم تحلم به في حياتك. وعن بنات سهول البو حدث ولا حرج. صدور ناهدة، وقدود كاعبة، وأعجاز طرية.”
وانطلق التصفيق والتصفير من كل جهة، وتوقف حنبعل ينظر إلى تلك الوجوه الشاحبة وقد دبّ فيها الأمل، وانتشر المرح بين كل الجنود، وارتفعت أيديهم إلى السماء تصحبها هتافات بحياة حنبعل.
هدّأ حنبعل جنوده بأشارات صارمة، ثم واصل:
“لقد عانينا جميعا ويلات تسلق هذه الجبال العنيدة، لكن النزول إلى إيطاليا سيكون أسهل، ومع ذلك فهو محفوف بالمخاطر. نحن الآن في نهاية فصل الخريف، وقد لاحظتم الثلوج تغطي بعض القمم. وسيغطي المنحدرات الجليد وما أدراك ما الجليد. ستعترضنا مصاعب من نوع آخر، وستحاول الطبيعة أن تثأر لانتصارنا عليها. لذا كونوا بالمرصاد ولا تندفعوا كالمجانين. إننا جيش منظم. وتعرفون جيدا أن قوتنا في نظامنا وانضباطنا ولحمتنا. فلنبق على هذه الخصال التي سترفعنا إلى أعالي قمم المجد.”
وعادت الهتافات بحياة حنبعل.
ثم أمرهم بأن يتفرقوا. جمع قادة الجيوش وأمر بأن تنطلق في الحال أشغال تهيئة المعسكر. وكان له ذلك. فما إن عمّ الليل حتى كان الجند في خيامهم، وانتصبت القدور لأكلة ساخنة ستوزع على الجنود لأول مرة منذ أسبوع. ونام الجند تحت الخيام بعد أن كانوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، بين شعاب الحبال، وتحت الشجيرات القليلة التي كانت تنتشر هنا وهناك، في هذه الأعالي القاحلة المتوحشة التي لم يقدر الإنسان على ترويضها. وسمح حنبعل، على غير عادته، لجنوده بأن يتمتعوا بالنوم إلى ساعة متأخرة من الصباح. ومن الغد ترك لهم الحرية بأن يفعلوا بأوقاتهم ما طاب لهم. إنها استراحة المقاتل قبل المعركة الأخيرة ضد هذه الجبال المتوحشة العنيدة.
وبعد يومين من الراحة والنقاهة، بدأت رحلة النزول. لم تكن في البداية صعبة. كان المنحدر في متناول الرجال والدواب، وخاصة الفيلة التي كان الجند يشدونها من ذيولها حتى لا يحملها المنحدر. ولكن بعد يومين من النزول اعترضت جحافل الجيوش هوة عميقة جعلت من الطريق مسربا ضيقا لا يسمح حتى بمرور البغال.
توقفت المسيرة، وأرسل حنبعل فرقة للاستكشاف. ولما عادت أقنعته أن الموقف حرج. لا يوجد في هذا المكان طريق أخرى تسمح بمرور جحافل الجيوش بجيادها وبغالها وفيلتها. عاد حنبعل إلى مكان الهوة العميقة، وتفحّصها مليا، وعندما سأل الأدلّة الغول عن هذا المكان أعلموه أن هذه الهوة حديثة العهد.
تراجع الجيش إلى الوراء، وبدأت مسيرة مضنية بين مسارب ضيقة شاقة، وبدأ الأمل الذي نشره حنبعل في قلوب جنوده يتضاءل، وأخذ القنوط والملل يستولي على الأدمغة من جديد، خاصة أن عدد الحوادث القاتلة في ازدياد، وسقوط فيل في أحد الأجراف يحدث صدمة تعم الجيش كلّه، القريب من الحادث، والذي ينتبه إليه وهو مار من المكان عندما يرى الجسد العظيم للفيل ممزقا في قاع جرف عميق.
وفجأة توقفت المسيرة من جديد فقد انسدت الطريق، ولم يعد بالإمكان التقدم. صخرة هائلة كانت تمتد على عدة أمتار تقطع الطريق وتسده. وبعد معاينة دقيقة للمكان رأى حنبعل أنه لا مناص من التوقف أمام هذه الصخرة والعسكرة هناك حتى تنجلي الأمور. ومنذ الصباح الباكر جمع حنبعل جنوده، وعاد يحرّضهم على بذل جهد مضاعف. “هذه الصخرة هي الحاجز الأخير قبل الوصول إلى الخط النهائي لعدونا بين شعاب هذا الجبل.” وانطلقت أشغال زعزعة الصخرة من مكانها، أشغال دامت يومين، ذهبت ضحيتها أرواح عدد من الجنود.
كان حنبعل يراقب الأشغال، يشجع الجند على مضاعفة المجهود. وكانت الأشغال شاقة ومضنية، استعملت خلالها المعاول والأيدي، والمياه وحتى الخل لتفتيت الصخرة. ورغم الإرهاق وقلّة التغذية فقد كان الانتصار حليف العزيمة والصمود. وكان آخر انتصار يحققه جيش حنبعل على الطبيعة، إذ انفتح له الطريق حتى سهول البو.”
قالت أسماء لحنبعل:
-ألا ترى أنه غريب أن يظلّ الناس يرددون اسمك حتى اليوم؟ ربما لأنك حققت حلم الإنسان في صراعه الدائم مع الطبيعة؟
-لم أكن أفكر في ذلك، بل كنت أتهيأ لمحاربة عدو قرطاج اللدود، وكانت الطريق وسيلتي للوصول إليه لأن أغبياء السياسة في بلدي تغافلوا عن بناء أسطول ضخم يتصدى لذلك العدو ويردعه.
تفطنت أسماء إلى تقدّم الليل، فقالت:
-غدا سنرى ما سيفعله حنبعل في سهول البو.
اسرعت بالخروج قبل أن يغويها حنبعل بكلامه الساحر.

9

قبل أن تبدأ أسماء سردها سألت حنبعل:
-أستغرب كيف تقوم بتلك الحرب دون حماية خلفية؟
-سؤال وجيه. غلطة استراتيجية أتحمل جزءا من مسؤوليتها، ولكن الجزء الكبير تتحمله الاستراتيجية الحربية العامة لدولة قرطاج. الضعف الفادح في الخطة الحربية لقرطاج يكمن في أسطولها الحربي، لم يكن بالقوة الكافية التي تردع روما، وتحمي قرطاج ومستوطناتها.
-وما سبب ذلك الضعف؟
-لقد بني أسطول قرطاج البحري منذ بداية دولة قرطاج على أسس تجعله حاميا لقوافل التجارة التي كانت تجوب المتوسط. وتعرفين من خلال قراءاتك للتاريخ أن قوافل التجارة القرطاجية ترحل من قرطاج إلى الغرب في بداية فصل الربيع، وتسلك طريقا بحرية سرية لا يعرفها سوى النوتية القرطاجيون، وتكون في حماية أسطول عسكري يؤمن لها سلامة الطريق حتى عودتها إلى قرطاج في بداية الصيف حيث ترحل إلى الشرق باتجاه مصر والشام في حماية نفس الأسطول الحربي. ولم يكن ذلك الأسطول مجهزا للهجوم، كان أسطولا دفاعيا، سريع التنقل، لا يتحمل المعارك الكبيرة في البحر. ولم يفكّر رجال السياسة في تبني استراتيجية بحرية تجعل من أسطول قرطاج البحري أكبر قوّة ضاربة في البحر، لأن ذلك كان باهظ التكاليف، وخزينة الدولة في قرطاج لا تتحمل صرف أموال طائلة دون مردود سريع.
-وهل فكرت في ذلك وأنت تقدم على مغامرتك تلك؟
-بالطبع. لم يكن في مقدوري أن أكون أسطولا بحريا عظيما في أيام، فذلك يتطلب سنين، ولكني كنت أعوّل على المناورات السياسية، خاصة أني أعرف جيدا كره الشعوب التي سأحل بينها لعنجهية روما، وقد وعدتني تلك الشعوب بالإعانة، ومنها من شارك معي في الحرب. فاعتبرتهم حماية خلفية، خاصة أن جلّهم بقي على الحياد عندما اندلعت الحرب.
-لأن الرومان سيستغلون هذا الضعف الفادح، ويهجمون عليك من الخلف أي على إسبانيا.
-لم يكن آزربعل في إسبانيا قائدا بكل معاني الكلمة. كان صغير السن، وتنقصه الخبرة السياسية، ولم تكن إمدادات قرطاج تصل إليه في إبانها.
-لكنك أخذت منه خيرة الجنود‍!
-وهل ستعودين إلى محاسبة التاريخ؟
-إذن تريدني أن أواصل سردي لحملتك على إيطاليا؟
-نعم.
قالت أسماء بوقار:
“حالما وصل حنبعل إلى سهول البو بادر بإحصاء ما تبقى له من الجند. لم يكن يتوقع أن يقتل الجبل كل ذلك العدد من الجنود والدواب. إذ لم يبقى له سوى عشرين ألفا من جيش المشاة، ستة ألاف من الفرسان، وعدد قليل من الفيلة. لكن الكارثة لم تكن من الناحية الحربية كبيرة، لأن النواة الصلبة لجيشه ما زالت على قيد الحياة. لقد نجا جل الفرسان النوميديين، وعدد لا بأس به من جيش المشاة الإيبيريين، وكل القيادات النوميدية، والبونية، والغولية التي يعوّل عليها في استراتيجيته الحربية.
استعرض كل الجيوش، وراعه المشهد. كان الرجال كالوحوش، لم يعد يميّز بينهم شيء. وجوه شاحبة فقدت لونها، فلا الإفريقي أسمر ولا الأوربي أشقر. كلها في لون واحد، لون غبار الجبل، وشمس الجبل، ومعاناة الجبل. أجسام نحيلة نتأت عظامها لكنها ظلّت صلبة كجذع الشجر. زي عسكري أكل عليه الجبل وشرب، فلم يعد له شكل ولا لون. كانت العيون وحدها تتقد كالشرر، تعبّر عن وحشية لا حد لها.
أقام حنبعل معسكره في سهل غير بعيد من مدينة تورينو، ثم أرسل إلى المسؤولين عن المدينة رسلا يعرضون عليهم التحالف معه ضد روما كما وعدوه قبل أن يبدأ حملته، كما طلب منهم المؤن لجيشه. غير أن رسله لم تلق الاستقبال المرجو.
لقد علم سكان تورينو بتحركات جيش روما واقترابه من نهر البو لملاقاة جيش حنبعل. وعندما لاحظوا ما كان عليه الجيش البوني من هون وسوء حال، لم يصدقوا أن مثل هذا الجيش سيتغلّب على جيوش روما، ففضلوا البقاء على الربوة ينتظرون ما سيسفر عنه تصادم الجيشين.
اغتاظ حنبعل لما لقيه موفدوه من سوء معاملة، وقرر أن يلقن سكان تلك المدينة درسا لن ينسوه، ويكونوا في الآن نفسه عبرة لمن يعتبر. جمع جنوده وقال لهم كلمة واحدة:
“هذه تورينو! فهي لكم ! ”
واندفعت الوحوش الشرسة على أسوار مدينة تورينو تحاصرها ثلاثة أيام. ولما دخلتها عاثت فيها فسادا. وكان عقاب حنبعل لمسؤولي المدينة أن أمر بذبحهم على مرأى من السكان. إرهاب يقول المؤرخون إن حنبعل اضطر إليه حتى لا يشعر بقية سكان الشمال الإيطالي بضعفه وتسامحه.
وكان للاستيلاء على تورينو وقع الكارثة على روما التي لم تعلم بعد بوصول الجيش البوني إلى سهول البو. لم يصدّق الرومان أن جيش حنبعل يحط في سهول البو ويستحوذ على مدينة كاملة دون أن تتصدى له جيوشهم المرابطة غير بعيد من هناك. خاصة أنهم كانوا يحضّرون لغزو إفريقيا من البحر. فلم يعد ممكنا غزو إفريقيا وإيطاليا كلها في خطر. فتحركت آلة الحرب الرومانية بكل ما كانت تملك من قوة لاحتواء الغزو البوني.
جاءت التعزيزات عن طريق البحر الأدرياتيكي، وانطلق جيشان رومانيان لملاقاة حنبعل، الجيش القادم من مدينة ريميني من جهة البحر الأدرياتيكي بقيادة سمبرونيوس، والآخر بقيادة سقيبيون، أب سقيبيون الإفريقي، المرابط غير بعيد عن مدينة بليزانسيا حيث كان ينتظر وصول جيش حنبعل، والذي فاجأه بالنزول من الجهة المقابلة. وقبل أن يلتحم جيشا الرومان، كان حنبعل في مواجهة جيش كرنليوس سقيبيون.
جمع حنبعل جيشه، وقد استعاد الجنود بعضا من قواهم، ونفضوا غبار الجبل، وغنموا من مداهمة مدينة تورينو ما غنموا. كان حنبعل يدرك شديد الإدراك ما يترقب مغامرته لو مني بهزيمة أمام الجيش الروماني. وقد أراد أن يصل جنوده إلى مستوى ذلك الادراك، فلم يجد من وسيلة ليشرح لهم الموقف سوى أن يتجسد وضعهم أمام أعينهم.
أقام في وسط المعسكر حلبة نزال، وجاء بجنود من غوليين مدينة تورينو أسروا، وقسمهم إلى أزواج متحاربة. وبدأ النزال. المهزوم مآله الموت، والمنتصر يكون له شرف القتال في الجيش البوني. لم يكن الرهان كبيرا، فكلا المتحاربين في وضع حرج: هذا سيلاقي الموت العاجل والآخر موتا مؤجلا.
كان حنبعل يهدف من وراء هذا التشخيص الدرامي إلى تقديم مثال مصغر لما ينتظر جنوده إذا ما تخاذلوا في القتال. وبعد العرض ألقى فيهم خطابا دعاهم فيه إلى القتال من أجل البقاء. فالعدو أمامهم والجبل وراءهم، ولا مفر من القتال والاستبسال حتى لا يكون مصيرهم الموت أو الأسر وهو أشنع من الموت. لن يفر من المعركة حتى الجبان، فلن يجد المكان الذي يفر إليه.
ولم يكن جنود حنبعل في حاجة إلى مثل هذا الخطاب، فقد صقل همهم محك التجارب حتى أصبحت لديهم الحياة والموت سواء. وجعل منهم الحرمان والتشرد وحوشا لا تعرف الرحمة ولا الخوف. وتعلّموا من قائدهم أن الوجود يكمن في التحدي.
وكان اللقاء الأول بين قائدي الجيشين صدفة، ولكنه كان حاسما. خرج سقيبيون من جهة الشرق في محاذاة ضفة نهر التسون للتعرف على المكان الذي يقيم فيه عدوه، وكان محاطا بعدد من الفرسان ورماة الرماح. كما خرج حنبعل من جهة الغرب على الضفة المقابلة. كانت تلتف حوله فرقة من الفرسان يحيط بها على الجانبين الفرسان النوميديون سريعو التحرك والفطنة. وبعد أن عبر الجيش الروماني النهر متقدما في اتجاه الجيش البوني، تفطن له حنبعل، فأرسل في مواجهته جزءا من الفرسان النوميدين ، بينما دفع البقية لمحاصرة رماة النبال من الخلف. وكانت أول معركة يخوضها حنبعل ضد الجيش الروماني، وكان له النصر، إذ شتت النوميديون الفرقة التي كانت تحمي سقيبيون، ولم يكن لفرقة رماة النبال دور كبير إذ كانت في صراع مع النوميدين من الخلف.
وكادت هزيمة الجيش الروماني أن تكون نكراء. إذ حاصر حنبعل سقيبيون، ولولا بسالة ابنه سقيبيون الإفريقي لكان وقع في الأسر. لكنه جرح جراحا خطيرة اودت بحياته فيما بعد.
كان حنبعل في حاجة إلى هذا النصر. وقد كان سهلا وسريعا، ولكنه كان حاسما. وقد سرى الخبر سريان النار في الهشيم. كل إيطاليا صارت تتحدث بهزيمة قيصر الرومان أمام حنبعل. ومن هنا بدأت تتكوّن الصورة الأسطورية لحنبعل، صورة يصنعها البعض على أنه رجل متوحش، متعطّش للدماء، لا يهوى سوى القتل والدمار والاستيلاء على الأملاك والنفوس. ويصورها آخرون على أنه رجل موهوب لا يقهر أبدا، وقد بعثت به الآلهة لينقذ إيطاليا من جبروت الرومان.
وكانت أول نتائج هذا الانتصار أن حلّت وفود غولي إيطاليا، الذين شككوا في البداية في قدرات الجيش البوني على هزم الرومان، لتعرض على حنبعل كل ما يحتاجه جيشه من المؤن ومن التعزيزات في الرجال والسلاح. أضف إلى ذلك حادثة، ذات دلالة هامة تؤيد نظرية حنبعل في جمع صفوف شعوب أوربا للتخلص من هيمنة روما، وقعت بينما كان جيش حنبعل يبحث عن المؤن بعيدا عن نهر البو، فإذا بقائد حامية بلدة كستجيو، التي كان الرومان يستعملونها كمخزن للحبوب، يسلّم البلدة بكل مخازنها للجيش البوني، والغريب أن قائد تلك الحامية لم يكن من سكان الشمال الإيطالي، بل من جنوبه. وكان حنبعل قد سمع من أبيه أن الجنوب الإيطالي لا يكن كثير الود للرومان، بل يفضّل عليهم البونيين.
ازداد حنبعل اقتناعا بأن الإيطاليين يكنّون كراهية كبيرة للرومان، ما حصل في جيش سقيبيون، الذي كان يعسكر غير بعيد من معسكر الجيش البوني. حدث فضيع لكنه سيرسّخ اقتناع حنبعل، ويعطيه الشحنة المعنوية اللازمة للمضي قدما في تنفيذ مشروعه الطموح.
في إحدى الليالي قدم إلى معسكر الجيش البوني رجل يحمل الزي العسكري الروماني وطلب مقابلة حنبعل. أدخلوه خيمة القائد البوني، وبعد أن قدّم له التحية بكل وقار قال له:
-نحن جند غوليون كنا نعمل في الجيش الروماني، وقد رفضنا جماعيا محاربتك، وثرنا على الجيش الروماني، فقطعنا بعض رؤوس القادة الرومان، أتينا بها هدية لك، وعربونا على تضامننا معك. ونطلب منك، إذا سمحت، أن تضمنا إلى جيشك.
وقف حنبعل للرجل، وظل ينظر إليه بإعجاب، ثم ربت على كتفه، وقال له:
-اعتبر نفسك ومعك بقية زملائك من الآن جنودا في جيشي.
خرج الجندي الغالي مسرعا إلى زملائه الذين كانوا يترقبونه غير بعيد، ثم عاد بهم إلى معسكر الجيش البوني. استعرضهم حنبعل، وحياهم تحية عسكرية، وأحصاهم: ألفا جندي من المشاة، ومئتا فارس.
ولم تتوقف ولاءات الشعوب الإيطالية لحنبعل.
فهذا وفد من شعب البوايان من منطقة بولونيا قدم ومعه مبعوث روما، الذي جاء لتقسيم أراضيهم التي استولى عليها الجيش الروماني. كان الموظف الروماني ومعه إثنان من مرافقيه مكبلين في الأغلال، يرتعدون من الخوف، وتظهر على وجوههم آثار الإهانة والتنكيل.
استقبلهم حنبعل في معسكره وتحت خيمته أحسن قبول، ثم قال لهم:
-نحن نناضل من أجل نفس القضية. نريد التخلص من الهيمنة الرومانية.
ثم طلب منهم أن يحتفظوا بسجنائهم للمقايضة بأسراهم عند الرومان.”
توقفت أسماء عن السرد، وبعد فترة من الصمت قالت لحنبعل:
-لا أظنك ترغب في سماع تفاصيل معركة التريبيا؟
أجابها حنبعل بعد كثير من التفكير:
-كل هذه الذكريات تؤلمني. لقد مات في هذه المعركة أكثر من عشرين ألف رجل من الجهتين.
-لكنها كانت تمثل أول انتصار حقيقي على جيش يضم أكثر من أربعين ألف رجل وهو في الحقيقة جيشان: جيش سقيبيون وجيش سمبرونيوس.
-المؤرخون يهتمون بكل هذه التفاصيل، وبعضهم يضخّمها، والبعض الآخر يحقّرها، لكن الحقيقة تكمن في معاني ذلك النصر. عندما ينتصر جيش أجنبي على جيش محلي يعرف بلاده معرفة جيدة، لا بد أن نتساءل عن أسباب ذلك الانتصار. هل قال المؤوخون لماذا انتصر جيش حنبعل المؤلف من جنود جلّهم أفارقة لا يتحملون البرد القارس في فصل الشتاء، وفي مكان هواؤه رطب، وأرضه طينية مكسوّة بالثلوج، على جيش أخضع كل شعوب المنطقة لجبروته، يتمتّع بحسن التنظيم والتسلح العالي؟
-قالوا أن ذلك النصر يكمن في عبقرية حنبعل.
-ولم يقولوا شيئا عن بسالة الفارس النوميدي الذي لا يثنيه شيء في ساحة الوغى؟
-قالوا إنك كلّفت أخاك الأصغر ماغون بنصب كمين للجيش الروماني زعزع تماسكه.
-ولم يقولوا إن الجندي الروماني كان يرتعد من البرد والخوف، ورفض أن يحارب في ظروف لم يهيئه قادته لها ؟
-قالوا إنك وضعت أمامهم كامل أفراد جيشك في صف وصل طوله ثلاث كيلو مترات، وأن هجوم الفيلة زرع الرعب في الجياد فلم يقدر الفرسان على القتال.
-في الحقيقة لم يقولوا الأهم وهو انتصار عزيمة الرجال المؤمنين بعدالة قضيتهم. جل الجنود الذين قضوا من جنودي في تلك المعركة كانوا من الغوليين المضطهدين من طرف الهيمنة الرومانية.
بعد فترة من التفكير عادت أسماء تسأل حنبعل:
-تعرف أني لا أفقه الكثير في الشؤون العسكرية. قل لي، هل كنت متيقنا من النصر حتى تستفز الجيش الروماني الذي كان يفوق جيشك عددا وعتادا؟
-سأشرح لك الأسباب العسكرية:
أولا، ليس من الحكمة العسكرية أن يظلّ جيش جاء للحرب معسكرا مدة طويلة. فالملل عدو لدود للجندي.
ثانيا، ليس من الحكمة أن لا أستغل الحملة الإعلامية التي ثارت بعد الالتحام الأول بين جيشي وجيش الرومان. الإعلام كنار التبن إذا ما لم تغذها خمدت واندثرت.
ثالثا، وصلتني معلومات ضافية ودقيقة عن العدو، واستخلصت أنه يعاني من كثير المشاكل، من بينها سوء القيادة، فسقيبيون طريح الفراش، و سمبرونيوس قليل الخبرة ومتهور، كان يستعجل نصرا يرشحه إلى منصب قيصر.
رابعا، وهو الأهم، هيأت كل ظروف النصر. أرسيت خطة مفصلة ناقشتها مع القادة المقربين. وضعت الجنود في حالة تأهب قصوى، ومكنتهم من كل ما من شأنه أن يجعلهم في موقف القوة: فطور ساخن ودسم، لباس دافئ يقيهم صقيع الفجر، طلبت منهم طلي جلودهم بدهان يحميهم من الثلج والأوحال المتجمدة، وضعت على ظهور الفيلة نسيجا من الصوف لكي لا تتأثر بالبرد، وقد باتت ليلتها تحت الخيمة الصحراوية.
واستعنت بعنصر المفاجأة. خرجت فرقة الفرسان النوميدين صحبة فرقة رماة النبال من الأيبار تحت جناح الظلام قبل بزوغ الفجر، متوجهة إلى المعسكر الروماني لتستفزه. وبما أني كنت أعرف طبع سمبرونيوس، فقد وقع في الفخ، إذ خرج لتوه دافعا بجنوده، وهم نصف نيام، لملاحقة الفرسان النوميديين الذين لا يساويهم أحد في السرعة والمراوغة.
-إذن كنت واثقا من النصر؟
-بل كانت ثقتي كبيرة في رجالي وفي خطتي. الحرب لا يعرف أحد كيف تكون نهايتها.
قبّلته وهمست له:
-أنت عبقري زمانك وكل الأزمنة.
ضمها إليه وهمس لها:
-وأنت أشهى النساء.
تخلصت من عناقه، وقالت له:
-غدا أواصل الحديث عن مغامرات حنبعل في البلاد الإيطالية.
ثم انصرفت مسرعة.




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„