ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل ... 6


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 2036 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



سألت أسماء حنبعل:
-ألا تملّ من زياراتك البحرية؟
-البحر هو المكان الوحيد الذي لا يعترف بالزمن، حتى الجبال تتغير، تفلّ فيها الانجرافات، والرياح، وانزلاقات الأرض. البحر يبقى هو البحر.
-ولذلك سألتك: ألا تملّه.
-لا أملّه لأني عندما أكون على ظهره أشعر بالزمان قد تفتت. فأتصور نفسي في أي زمن أتخيّله ولا أحس بالتناقض. لكن ما عليك بالزمان فأنت بنت زمانك، وأنا أعيش زمانين، والبحر يساعدني على مصارعة ذلك التصدّع الذي يرجّ كياني، خاصة عندما عادت ذاكرتي تشتغل.
-أتريدني أن أتوقف عن سرد التاريخ؟
-كلا فسردك يساعدني على فهم ما جرى.
وعادت أسماء تسرد مغامرات حنبعل:
“يقول المؤرخون إن معركة بحيرة ترازيمان قد أظهرت عبقرية حنبعل العسكرية. لقد اخترت المكان والزمان، وكل تفاصيل الخطة، وأرغمت عدوّك على الوقوع في الفخ الذي نصبته له. وقد تمكّنت من ذلك بفضل المعلومات التي استقيتها عن عدوّك، والدراسة الدقيقة لشخصية القائد الذي واجهته.”
صمتت أسماء وبقيت تفكر، ثم قالت لحنبعل:
-عندما قرأت وصف تلك المعركة شعرت بالاشمئزاز. أكثر من خمسة عشر ألف رجل ومعهم قائدهم تقتلهم في معركة واحدة يا حنبعل !
-تلك هي الحرب حبيبتي.
-لكنها فظيعة.
-أعرف ذلك.
-سأصف لك ساحة الوغى، وسترى مدى وحشية الرجال.
“كانت الكتائب تنقض على كل ما تبقى من فلول الرومان المنتشرة على ساحة المعركة تترقب أن يجهز عليها الجند الغوليون. عندما تهوى على رقابها السيوف بعضها لا يقاوم، يغمض عينيه ويلفظ أنفاسه مستسلما لمشيئة الموت. وبعضها، بدافع الحياة، يحاول الفرار فتأتي عليه النبال من كل صوب تمحقه على صخرة، فيبقى يتجرع الموت ملتويا على نفسه كالكلب المسعور.
لقد أمر حنبعل أن لا يقتلوا جنود العدو عندما يفقدون سلاحهم، وأن يكتفوا بأسرهم، لكن الجنود الغوليين لم يبالوا بذلك الأمر، كانت قلوبهم مليئة حقدا على الرومان، وكانوا يشعرون بالنشوة عندما يغرسون سيوفهم في أجسادهم.
ولقد وصل الحقد عند تلك الفئة من الجنود أن أحدهم تمكن من قتل القائد الروماني فلامينيوس، فقطع رأسه واحتفظ به في صندوق ليعرضه على بقية زملائه، وربما يعود به إلى أهله وذويه. وعبثا بحث حنبعل عن جثة فلامينيوس عندما علم بقتله. كانت الرأس قد أرسلت إلى بلاد ذلك الجندي ليتباهى بها ذووه أمام بقية القبائل.”
قال حنبعل متضايقا:
-لم يفعل ذلك بدافع الحقد فحسب، بل لأنها كانت عادة متفشية عند القبائل الغولية في ذلك العصر.
-ألا ترى أنها وحشية كبيرة؟
-لا أعتقد أن حروب عصركم تقل وحشية عن حروب ذلك العصر.
-صحيح، فالحرب العالمية الثانية التي لم تدم خمسة عشر سنة، مثل ما هو الحال بالنسبة لحربك ضد الرومان، مات فيها أكثر من خمسين مليون نسمة.
لكننا لو عدنا إلى حربك في إيطاليا للاحظنا أنك لم تهاجم إلى الآن جيوش الرومان، بل كنت تستدرجها لتوقعها في فخاخك المتعددة.
-الحرب خدعة. وكي يكون الخداع ناجعا لا بد أن تتوفر للمخادع معلومات ضافية عن خصمه وخاصة عن نفسية ذلك الخصم. كانت حربي في بلاد الرومان حرب معلومات. فقد تمكنت من كل المعلومات التي أحتجتها بمساعدة الغوليين وبعض الشعوب الإيطالية. خذي مثلا أخي آزربعل الذي لحقني متبعا نفس الطريق التي سلكتها من إسبانيا حتى نهر البو، عندما وصل إيطاليا لم تكن في حوزته المعلومات الكافية ليتجنب الالتحام مع الجيوش الرومانية هناك. فراح يحاصر بليزانسيا وروميني، في الوقت الذي تحاشيتهما لعلمي أنهما لا يمثلان هدفا استراتيجيا هاما. وقد كانت الكارثة لآزربعل.
-إذن كنت تخوض أول حرب تعتمد على المعلومات في تاريخ الحروب القديمة؟
-لقد تعلمت -عندما شاركت في الحروب التي كان يشنها صدربعل على القبائل الإيبيرية- أن وفرة المعلومات تمكن القائد من أن يكون سيد الموقف. يمكنه أن يوقف حربا ويلجأ إلى التفاوض، أن يزرع الفتنة بين صفوف العدو، أن يشعل الحرب بين الأشقاء ليستفيد من نتائجها. كان صدربعل خبيرا في هذه الأمور، وقد أفادتني تجربته كثيرا.
-لم أفهم كيف يموت عشرون ألف رجلا من أعدائك في وقت وجيز لا يتعدى بضع ساعات؟
-ألم تقرئي عن تفاصيل الخطّة في كتب التاريخ؟
-قرأت لكنني لم أستطع أن أصدق أن عشرين ألف رجل يقضى عليهم دفعة واحدة بدون استعمال أسلحة فتاكة، كما هو الحال اليوم مع أسلحة الدمار الشامل.
-لا تحدثيني عن حروب زمانكم فإني لن أفهمها، لكن أثناء تلك المعركة، كانت الطبيعة أكبر حليف لنا. كانت الآلهة في نصرتنا، فجعلت السماء غاضبة تصب الأمطار كأفواه القرب، والرؤية منعدمة لتلبد السماء بالسحب الداكنة، وامتلاء الجو بالرطوبة، فلا يرى الجندي زميله على بعد أمتار، والريح تعصف بصقيع ينفذ حتى العظام، فترتعد له الأجسام، والبحيرة مغطاة بلحاف رمادي كثيف فلا تظهر ضفافها. لم يكن جند الرومان مهيئين للنزال في ذلك المكان الموحش، ولم يتفطنوا للكمين الذي نصبناه لهم منذ الليل حيث كان الفرسان منتشرين في أرجاء الغابة الكثيفة المطلة على البحيرة.
كنا أسياد الموقف، ولم تتسرب إلى العدو أي معلومة عن خطتنا ولا حتى عن مكان وجودنا. فقد هيأت كل فرقة على حدة، ولم يكن قادة الفرق على علم بتفاصيل خطتي. حتى أخي ماغون لم أعلمه بشيء، حددت له ميدان تحركه كبقية القادة. لكني عينت لهم جميعا إشارة بدء الهجوم.
كنت أراقب تحركات العدو في الضباب الكثيف. وكان الصمت الرهيب يخيم على البحيرة وعلى ضفافها. ولما وصلت جيوش العدو إلى المكان الذي لم يعد يسمح لهم بالتراجع، أشرت لكل الفرق التي كانت تطوق المكان بالهجوم بأقصى سرعة. انهال الفرسان النوميديون والإيبار من الجهات الثلاث ملتفين حول العدو يدفعونه نحو البحيرة التي كانت تختبئ وراء الضباب الكثيف. فلم يكن في وسع جند الرومان سوى اللجوء إلى جهة البحيرة حيث غرق أغلبهم، وانهالت فرق المشاة من الغوليين على فلول جيش الرمان تطاردها وهي لا تدري أين تفرّ. فكانت كارثتهم، ولم ينج منهم سوى النزر القليل. ولم نخسر في تلك المعركة سوى ألف وخمسمائة جندي جلهم من جنود المشاة. وغنمنا أسلحة كثيرة كنا بحاجة إليها في معاركنا القادمة.
-يقول المؤرخون إن ستة آلاف رجل من جنود الرومان استطاعوا الإفلات من قبضة الطوق الذي فرضته عليهم، فأمرت ماهربعل بملاحقتهم وبأسرهم. لماذا هذا الإصرار على القضاء على عدوك حتى آخر رجل؟
-كانت تلك المعركة بالنسبة إليّ حاسمة، فالانتصار على جيش الرومان بتلك الصفة يفتح لي الطريق واسعة إلى مدينة روما. إن تركت بقايا جنود الرومان يفرون، فسوف يكوّنون عصابات تعوق تقدمنا. ومن ناحية أخرى أردت أن يكون صدى المعركة كبيرا فتفل في عزيمة المدافعين على أسوار مدينة روما الحصينة.
-إذن كنت تفكّر في فرض الحصار على روما؟
-كنت أوهم العدو وحتى جنودي بذلك.
-ولماذا توهم ولا تفكّر بجدية؟
-كنت أفكر في معركة أخرى يكون فيها اندحار الجيش الروماني كبيرا وفاجعا. فحتى تلك المعركة لم يفقد الجيش الروماني كل طاقاته العسكرية، ولذا أردته أن يستنفر كل قواه لمعركة حاسمة تكون فيها نهايته.
-عندئذ يتسنى لك الهجوم على روما.
-في الحقيقة لم أخطط لمحاصرة روما لأني كنت أفتقر إلى المعلومات الضرورية لوضع خطة ناجعة.
-يقول المؤرخون إنك بعد تلك المعركة أسرعت إلى جهة البحر للاستراحة.
-لم أر البحر منذ غادرت البلاد الإيبيرية. أحسست بالشوق إليه. لقد ولدت على شاطئ المتوسط، وكنت في صباي أقضي جل أوقاتي في قارب قرب الشاطئ أترقب عودة أبي من صقلية.
-قرأت نصا لتيتوس ليفيوس يلومك فيه على تبذيرك نبيذا معتقا لذيذا أخذته من الفلاحين في جهة البحر الأدرياتيكي وغسلت به الجياد.
-لقد استعملت ذلك النبيذ كدواء ضد أمراض جلدية أصابت الجياد إثر مرورنا بجهة الكوكانيا التي كانت مليئة بالمستنقعات.
-وحرقت محاصيل الفلاحين في تلك الجهة. فكان جيشك وبالا عليهم.
-كنت أقصد بتلك الأعمال آثارة الجيش الروماني، وإشعار السكان بأن قوة روما قد انتهت، ولم يعد في إمكانها حمايتهم.
-ولماذا استثنيت إذن ضيعة قائد الجيش الروماني فابيوس؟
-تعرفين أن قادة الجيوش الرومانية هم ساسة قبل كل شيء. والسياسة هي تنافس، ودسائس، ودعايات مغرضة. وقد روجت بعدما استثنيت ضيعة فابيوس من الحرق أن معاهدة سرية وقعت بيني وبينه في ذلك الغرض. وقد انطلت الحيلة، وأربكت القائد الروماني، ودفعته إلى التخلي عن خطته في حرب الاستنزاف التي كان يتبعها ضدنا.
-وهذا ما يفسر الطوق الذي ضربه على جيشك، فسد كل الطرق أمام تقدمه نحو روما. لكن كيف توصلت إلى الخروج من ذلك الطوق دون ملاقاة الجيش الروماني؟
-الحيلة عزيزتي. الحرب كر وفر، ومغالطات. لم أكن أنوي التوجه إلى روما بل إلى بلاد البوية لقضاء فصل الشتاء هناك، فتلك الجهة من إيطاليا الوسطى غنية، وتعتبر مخزن مؤونة. كان فابيوس الملقب بالنعجة الصغيرة، قد تفطن لخروجي إلى جهة البوية، فسد كل المنافذ إليها. لم أكن أرغب في خوض معركة لم أختر فيها المكان والزمان، ولذا لجأت إلى الحيلة: جمعت عددا هائلا من الأبقار، وكدست من الحطب الجاف أكواما، ثمّ لمّا جنّ الليل، هيأت جيشي للرحيل، وطلبت من عزربعل أحد قوادي بربط الحطب في قرون البقر. وقبل طلوع الفجر أمرت بإشعال الحطب ودفع مجموعات الأبقار بالتوجه نحو الجبل.
وانطلت الحيلة. فقد اعتقد العدو أن جيشي متوجه بعيدا عن المضيق الذي كان يسده، فأمر مينيكيوس قائد جيش الرومان المعسكر في ذلك المكان جنوده بالصعود إلى الربوة حتى يتسنى له الانقضاض علينا أثناء مرورنا بالمضيق. لكن جنودي أخذوا توجها آخر وفكوا الحصار دون معركة. فقد تلهى جنود الرومان بملاحقة قطعان الأبقار المتقدمة تحمل على قرونها المشاعل، بينما كنا نغادر المضيق تحت جناح الظلام وجلبة قطعان الأبقار.
صمتت أسماء لحظة ثم قبّلت حنبعل وقالت:
-كلما تمعنت في مآثرك كلما ازداد حبي لك. سوف أقص عليك في الغد مآثر معركة كانة التي بقيت منارة كل القادة العسكريين إلى يومنا هذا.
نهضت مسرعة لتغادر البيت. ظل حنبعل شارد الذهن يتصفح في مخيلته صورا استحضرتها ذاكرته من ماض يفصله عنه ألفان ومائتان وعشرون سنة.

11

سألت أسماء حنبعل:
-هل كانت قرطاج على علم بما كنت تفعل في إيطاليا؟
قال حنبعل بعد صمت طويل:
-بالطبع. كانت تصلها من حين لآخر تقارير مفصلة من جهتي، وأخرى تبعث بها الخلية المستقلة المصاحبة للجيش، والتي تمثل مجلس الشيوخ ومجلس القضاة، وترصد كل الدقائق. أو تعتقدين أني كنت رئيس عصابة من المسلحين أفعل ما أشاء دون رقيب؟
-لكن المؤرخين لم يتحدثوا عن رد فعل الشعب في قرطاج ولا حتى عن نقاشات مجلس الشيوخ في تلك الفترة.
-علمت أن شعب قرطاج كان يتتبع تحركات جيشه بإيطاليا بكل لهفة. ولكن المؤسسة السياسية القرطاجية لم تكن في مستوى الحدث. لقد شاخت دولة قرطاج، وتحجرت مؤسساتها الديمقراطية، فلم يستطع ساستنا في ذلك الوقت التفطن إلى هدف الحملة التي قدتها على روما، ولم يقدّروا الأحداث حق قدرها، ولم يضعوا خطة سياسية واضحة تمكنهم من استغلال تلك الانجازات العسكرية الهائلة.
لقد ظلوا مشتتين فيما بينهم. كان الشق الذي يساند الحملة متحمسا، لكنه كان يفتقر إلى الرؤية السياسية والاستراتيجية الواضحة. والشق المعارض لها لم يكن يحسب الأخطار التي كانت تحدق بالوطن لو فشلت الحملة، وهو موقف مناف للديمقراطية التي تفرض على الجميع قبول قرارات الأغلبية، ووضع المصلحة العليا للوطن فوق كل الاعتبارات. والواضح أن كلا الطرفين بقي يترقب تطور الأحداث، ويتولّى تصريف الأمور حسب الظروف. ولم يكن لأي أحد في قرطاج القدرة على بناء القوة العسكرية والسياسية اللازمة للاستفادة من الانتصارات العسكرية وتدعيمها. كانت الاستراتيجيا البونية مبنية على نظرة متخلفة، ورثها السياسيون عن أجدادهم، وهي تعتمد على حماية المسالك التجارية، وجعل المستوطنات مراكز تجارية لا تقوم بأي دور عسكري أو استراتيجي لحماية دولة قرطاج وترسيخ نفوذها في العالم. كان الساسة عندنا لا يقدرون نموّ القوّة التوسعية لروما، ولم يفكّروا في بناء قوّة رادعة لكل من تحدثه نفسه بالتعرض إلى مصالح قرطاج العليا، لأن الساسة عندنا كان جلّهم أصحاب تجارة أو مالكي سفن، وهم الممولون لخزينة الدولة، فكل مشروع يستدعي إنفاقا باهظا يتصدون له خوفا على أموالهم. وعندما اندلعت الحرب مع روما، لم يشعروا بالخطر الداهم على كيان دولة قرطاج، لأن تجارتهم بقيت في مأمن، ولم يتعرض إليها الرومان، وحتى عندما فرضت روما هيمنتها على قرطاج، تركت للتجار حقهم في متابعة أعمالهم كما كانوا…
قاطعته أسماء قائلة:
-لكن المؤرخين يقولون إن قرطاج أمرت أخاك آزربعل بالتوجه إلى إيطاليا لحماية ظهر جيشك.
قال حنبعل متحسرا:
-ليتهم ما فعلوا، فقد رموا بآزربعل إلى التهلكة. لم تكن لآزربعل كما قلت لك الخبرة الكافية في قيادة الجيش، ولا التحكم في شؤون الدولة في البلاد الإسبانية. فقد خسر أول معركة مع الجيش الروماني في البلاد الإسبانية، وعوض أن يتروى ويدرس أسباب هزيمته، صب جام سخطه على جنوده الإسبانيين، واتهمهم بالتقاعس واللامبالاة. كان آزربعل طائشا سريع الغضب، لم يرث عن عبد ملقرط الحكمة والتروي، فكان ضحية تصرفاته الخرقاء، إذ ألب ضده جنوده الذين فروا من الجندية، والتحقوا بأهلهم وساهموا في اندلاع الثورة على الوجود البوني في شبه الجزيرة الإيبيرية. وعوض أن يجمّع قواه لمحاربة الرومان، راح يهاجم القبائل الثائرة، ويشن الحرب على كل من يرى فيه عدوا للوجود البوني هناك. وعندما وصل إلى إخضاع البلاد لسلطته، أمرته قرطاج بالرحيل إلى إيطاليا، وعوضته بالقائد هيرقلون الذي لم تكن له دراية كبيرة بالأوضاع في البلاد الإيبيرية، والذي لم يأت بتعزيزات كبيرة من قرطاج، فكانت النتيجة أن خسرنا في الآن نفسه جيش آزربعل وجيش هيرقلون، وبالتالي كل مكاسبنا في إيبيريا. أرأيت ما أدت إليه السياسة الخرقاء لمجلس الشيوخ القرطاجي؟
-وهل كنت تشعر بذلك الخلل؟
-كان واضحا لكل مبصر. ولذلك تصرفت حسب الظروف، فتحولت من قائد عسكري إلى مفاوض سياسي، وأرسلت الوفود إلى البلدان التي كانت معنية بالنزاع، وحاولت بناء الأحلاف، وجر مدن كانت محايدة إلى أتخاذ مواقف واضحة. لو كان رجال السياسة في قرطاج في مستوى الأحداث، ووعوا خطورة الأوضاع، واتحدوا فيما بينهم من أجل المصلحة العليا للوطن، وقاموا بالعمل السياسي الصحيح، وجندوا الدبلوماسية، وسخروا كل طاقات الوطن للمجهود الحربي في إيطاليا بالذات، لتمكنوا من إنجاح الخطة العسكرية والسياسية التي كنت أتبعها، ولهيؤوا الظروف لتغيير مسار التاريخ.
-لماذا لم تأت إلى قرطاج قبل بداية الحملة لتقوم بشرح مشروعك لنواب مجلس الشيوخ، وتتفق معهم على خطة عسكرية وسياسية واضحة المعالم؟
-لقد قلت لك إن الهياكل الديمقراطية في قرطاج قد تحجرت، وإن المسؤولين السياسيين لم يعد يشغلهم من السياسة سوى ما تدره عليهم من امتيازات ومصالح. لقد تقلص الشعور الوطني لدى تلك الطبقة السياسية إلى حد أن كثيرا من أعضاء مجلس الشيوخ كان يتعامل مباشرة مع روما ضد المصلحة العليا لقرطاج. أقول لك بصراحة إني لم أكن أثق كثيرا برجال السياسة في بلدي، إذ باع عدد كبير منهم ذمّته إلى العدو.
صمت مفكّرا ثم أعلن متشنجا:
-كان لمجلس شيوخ روما نفوذ كبير على بعض أعضاء مجلس شيوخ قرطاج، بل كان هؤلاء يتآمرون على الوطن، ويفشون أسراره. لقد اكتشفت كل ذلك عندما عدت من إيطاليا وانتخبت شفاطا على البلاد. كان عليّ أن أشنق أولئك الأوغاد في الساحة العمومية حتى أطهر ما دنسوه.
-ولماذا لم تفضحهم أمام الشعب؟
-لقد بدأت بإصلاحات جذرية، لكنهم عندما شعروا بأن مصالحهم في خطر تآمروا علي… وتعرفين البقية.
ساد الصمت بينهما وبقي حنبعل يلوك غضبه. لكن أسماء عادت تستفسره:
-لكن أعداءك يقولون إنك كنت تطمح إلى جعل قرطاج تهيمن على العالم بعد القضاء على روما؟
-أبدا كنت أحلم بعالم تكون فيه الشعوب والدول متعاونة لجعل الرخاء في متناول من يسعى إليه بالطرق السلمية، ومن خلال المبادلات، والتجارة الحرة، بعيدا عن الهيمنة العسكرية والأطماع التوسعية.
صمتت أسماء فترة من الزمن، ثم سألت حنبعل:
-بما أنك استرجعت ذاكرتك، فهل يمكنك أن تقص عليّ تفاصيل معركة “كانة”؟
-يعني أنك تريدين قلب الأدوار. أتحول أنا إلى شهرزاد وأنت إلى شهريار!
-ولم لا؟
-لم يكن هذا اتفاقنا في البداية. ثم إني أرغب في معرفة كيف يتحول الواقع عندما يصير تاريخا. كما أني أجد المتعة في طريقة سردك للأحداث. هيا! هاتي ما في جرابك التاريخي!
-لقد اتفق المؤرخون على اختلاف جنسياتهم، وتباعد الأحقاب التاريخية التي ينتسبون إليها على أن تلك المعركة كانت من أهم المعارك في تاريخ الحروب البشرية على الإطلاق. فقد بقيت في أذهان كل قادة الجيوش الذين اطّلعوا عليها في كل العصور حتى في عصرنا هذا. وقد استنبط منها قواد الحرب العالمية الثانية مثل منجمري البريطاني ورومل الألماني، واستشهد بها شوارسكوف الأمريكي في حرب الخليج الثانية. هل رأيت أنك ما زلت حيا بيننا من خلال مآثرك الحربية؟
-غريب هذا الإنسان يتباهى بالرجال الذين لا يقيمون وزنا للروح البشرية! إني اليوم أخجل مما فعلته في تلك المعركة، وعندما أتذكرها أشعر بالذنب لكل تلك الدماء التي سفكت، وتلك الأرواح التي تعذبت قبل أن تتجرع الموت. لقد رأيت جرحى ينزفون طيلة يوم بكامله قبل أن يخلصهم الموت من العذاب، وبعضهم يدفنون مع الأموات وهم أحياء، والبعض الآخر ترفسهم الجياد والفيلة وهم يستغيثون…
-ألا تريد أن يتحدث الناس عن مآثرك ؟
-أكون سعيدا لو تمسك التاريخ بما كنت أطمح إليه من خلال تلك المعارك. أما أن يمجد القتل والدمار، فذلك ينم على انتصار الجانب المتوحش لدى الإنسان. لكن لا بأس صفي لي تلك المعركة التي أراد التاريخ أن يخلدها رغم فظاعتها.
جلست أسماء بوقار، ونظرت إلى حنبعل نظرة تبجيل واحترام، ثم قالت:
-بعد معركة ترازيمان الشهيرة التي مني فيها جيش الرومان بشر هزيمة، قضى حنبعل وجيشه صيفا هادئا على شواطئ الأدرياتيكي، خلد أثناءه إلى الراحة والاستجمام قبل أن يستأنف حرب الاستنزاف التي فرضها على روما، آملا أن يأتي على كل مكونات القوة العسكرية والسياسية وحتى النفسية التي كانت تمتلكها.
وكان المكان هادئا وجميلا فراق لحنبعل وجيشه، ولم يغادروه إلا مع قرب صيف سنة 216 قبل الميلاد. توجهوا إلى الجنوب الإيطالي، واستقروا في مدينة صغيرة تدعى كانة وهي مطمورة حبوب الجيش الروماني. وتحتوي الجهة على أغنى الأراضي الزراعية لدولة روما، وهي مشهورة بتربية الضأن، وإنتاج الصوف الجيد. فلم يكن اختياره اعتباطيا، بل كان يستجيب للخطة العسكرية والسياسية التي ما فتئتت تختمر في ذهنه في تلك الفترة من الحرب الرومانية البونية الثانية. كان حنبعل يرجو استفزاز الدولة الرومانية بكل مكوناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، حتى يتمكن من زعزعة ذلك الكيان الصلب الذي لم تفل فيه الهزائم المتلاحقة لجيشه، ولا عمليات التخريب المتعمد التي تعرضت لها المدن الموالية للدولة الرومانية.
كان حنبعل يبحث عن المعركة الحاسمة، راجيا أن يقصم ظهر التنين فلا يعود بإمكانه المقاومة ولا التصدي. وهو يعوّض بذلك عن خطة حصار مدينة روما التي كانت تؤرقه، ولا يرغب في خوضها.
ووعت الدولة الرومانية نص رسالة حنبعل، فهيأت جيشا يفوق عدده مائة ألف جندي، ضم في صفوفه كل شرائح المجتمع الروماني، من قياصرة، ونبلاء، وأعضاء لمجلس الشيوخ، ومحاربين من خيرة الجيش الروماني، ومتطوعين لم تكن لهم الخبرة الكافية في ميادين القتال. كان جيشا شعبيا بأتم معنى الكلمة.
وفي المقابل كان جيش حنبعل لا يضم في صفوفه سوى الجنود المحترفين، ذوي الخبرة الفائقة، والتنظيم المحكم، والطاعة العمياء للقائد. ولئن كان أفراده من مختلف الجنسيات فإن عبقرية القائد أرست بينهم أواصر الصداقة، وأشاعت في صفوفهم حب الانتصار والتفوق، وجعلت منهم صفا واحدا كالبنيان المرصوص. وكان حنبعل بوسائله المختلفة يبث في عقول جنوده أفكاره، ويدعوهم إلى التحمس لها، والدفاع عنها. فلم يكن جيشه لفيفا من المرتزقة ضمهم حب المغامرة والكسب، بل كانوا رجالا آمنوا بالحرية لشعوبهم، وبمثل الرجولة والمساواة، فلم يكن حنبعل يفرق بين الجندي البسيط والقائد الكبير، ولا بين البوني والنوميدي، ولا بين الإيباري والغولي. كان همه الوحيد النجاعة في الأداء، والجندي المناسب في المكان المناسب. وكان يحتاط لكل شيء، ولا يثق إلا في أقرب المقربين إليه، فكان جل قادة جيشه من أقربائه أو من النوميديين الذين خبرهم طويلا…
قاطعها حنبعل سائلا:
-من قال هذا الكلام؟
-جل المؤرخين.
-جميل. واصلي!
-وهل هو صحيح؟
-لقد قضيت في الجندية كل حياتي. فمنذ أن عاد أبي من صقلية كنت بجانبه أتعلم منه قيادة الجند، وفهم الرجال، ووضع الخطط. وكان صدربعل رجل دولة تعلمت منه السياسة، ومفاوضة الحكام، وأخذ القرارات الحاسمة بدون تردد. فلا غرابة أن تكون لي خبرة في القيادة والإحاطة برجالي. الجندي عندما يحس أن قائده يخاف عليه أكثر مما يخاف على نفسه، يطمئن له، ويطيعه، ولا يتردد في التضحية من أجل إنجاح الخطة. وربما لا يقول التاريخ إن جل جنودي على اختلاف جنسياتهم كانوا يعملون معي على اقتناع وكأنهم متطوعون.
صمتت أسماء لكن حنبعل دنا منها وهمس لها:
-ألا تواصلين؟
قالت بعد فترة من التفكير:
-لا تهمني التفاصيل الحربية. إني معجبة بعبقريتك في إدارة المعركة.
-ولكن تلك التفاصيل تسمح بفهم الظروف التي تجعل القائد يتفوق في خططه.
-تريد أن أسرد لك معركة كانة الشهيرة بكل تفاصيلها؟
-إن كانت لديك تلك التفاصيل.
تكاسلت، ثم تثاءبت وقالت بدلال:
-فلنترك تلك المعركة إلى الغد.
احتضنها وهمس لها:
-أفضل متعة الوصال على التفكير في ويلات تلك الحرب.
وانغمسا في عناق طويل. وقبل أن تغادره سألته:
-كيف كانت تصل أخبارك إلى شعبك في ذلك الوقت؟
قال لها مستغربا سؤالها:
-ألم أقل لك أن للجيش خلية تمثل الهيئات الحاكمة وترسل التقارير باستمرار؟
-بلى، قلت، لكن كيف يعلم الشعب بتلك التقارير؟
-تنشر في معلقات خاصة في الساحات العامة، وفي المجالس المختلفة، وأروقة المعابد، والمكتبات العمومية. كنا شعبا متحضرا. أنسيت أن الفينيقيين هم الأوائل الذين اخترعوا الكتابة بالحروف الأبجدية، قبل الإغريق والرومان؟
أسرعت إلى حقيبتها وأخرجت منها ورقة وقلما، وقالت لحنبعل:
-أكتب لي بالبونية اسمك.
خط لها:

قالت له بعد تمعن:
-هذه الحروف لا تشبه الحروف اللاتينية ولا الإغريقية ولا حتى العربية ولو أنها تكتب من اليمين إلى اليسار.
-إنك تتحدثين عن حروف هذا العصر التي تطورت مع مرور الزمن، لكن صدقيني أن الكتابة الأبجدية هي من اكتشاف الفينيقيين الأوائل، ثم نقلتها عنهم كل الحضارات التي تلتهم.
-لكن المؤرخين يقولون إنهم لم يعثروا على كتبكم، وعلومكم وكل مدوناتكم.
قال غاضبا:
-لا بد أن الرومان حرقوها، وأتلفوها عمدا حتى يطمس التاريخ. خاصة أننا كنا نسجل كل ما نكتب على الورق. لم نستعلمل الحجارة ولا الألواح ولا حتى الجلود للكتابة.
-عجيب! لم يعثر المؤرخين على كتبكم حتى في إسبانيا.
-ألم تقولي إن الرومان احتلوا كل الأماكن التي كنا نتواجد بها؟ إذن فقد محوا كل أثر لنا يدل على حضارتنا!
-لا تغضب يا حنبعل. نحن هنا لنسترجع ذلك التاريخ بعد طمسه.
لم يقل حنبعل شيئا. فنهضت أسماء لتغير ملابسها وتغادره واعدة إياه بمواصلة سرد التاريخ في مساء يوم الغد.

12

عندما حلّ وقت السمر عاد العشيقان إلى مكانهما، وانطلقت أسماء تسرد على حنبعل أطوار معركة كانة الشهيرة:
كان جيش حنبعل يعسكر على الضفة الجنوبية لنهر الأوفنتو، متحاشيا رياح الغبار التي تهب في بداية الصيف على تلك المنطقة. وكانت الجيوش الرومانية تعسكر على ضفتي النهر بعيدا عن معسكر الجيش البوني. ولكن مع نهاية شهر جويلة من سنة 216عندما حاول الرومان الاقتراب من معسكر حنبعل فوجؤوا بهجوم سريع وساحق للفرسان النوميدين، فتوقف زحفهم، وظلوا يراقبون تحركات جيش عدوهم بريبة وتشنج.
وفي ليلة 31 جويلية خرج حنبعل بمفرده من المعسكر. لحق به أخوه ماغون لكنه طلب منه أن يتركه لعزلته. كان الليل هادئا وجميلا، والقمر يشع على النهر بنور رصاصي يتلألأ على صفحة الماء المنساب متدفقا إلى البحر. تمشّى على ضفة النهر في اتجاه معسكر الرومان، وقبل بضعة كيلو مترات منه لاحت له ربوة تشرف على المعسكر، صعد إليها وظل يراقب المكان من بعيد. ظهرت له الحركة الدؤوب داخل المعسكر رغم تقدم الليل. وكانت القناديل مضاءة أمام خيام العساكر، ونور القمر ينير الأرجاء.
ظل فترة من الزمن ينظر إلى الأفق حتى لاحت في مخيلته صورة أبيه وهو يصارع عصابة الإيبار التي هجمت عليهم عند عودتهم إلى أليقنطة في الأندلس. كان ذلك المشهد المروّع من أفظع المشاهد التي بقيت محفورة في مخيلته، لم تمحها مشاهد أخرى أكثر فظاعة تعرض لها طيلة حياته المليئة بالحروب والقتال والدمار. بدأت الصور تتهاطل على مخيلته وهو يقف على الربوة ينظر إلى معسكر الرومان ولا يشاهده. صراخ مخيف ينطلق من كل الأماكن المجاورة للنهر… جياد تتقدم نحوهم بكل سرعة ناثرة من حولها الأوحال… المطر ينهمر مدرارا يحجب الرؤية… أبوه مرتبك يأمر الجنود الملتفين حوله بتنظيم صفوفهم… أبوه يتقدم نحوه ويأمره بكل حزم: “انطلق وأخوك جهة الغرب ولا تتوقفا عن الركض إلا عندما تصلان معسكر صدربعل … ”
ظل المشهد عالقا بذهنه فترة من الزمن. قال في نفسه وصورة أبيه تكبر في مخيلته: “هل كان بإمكاني أن أفعل شيئا آخر غير الفرار بجلدي وبأخي؟” كان حبه لأبيه لا يساويه حب. لقد أقسم بحضرته وهو طفل أن يسخّر حياته لمحاربة روما، وها هو يفعل. لكن صورة أبيه لم تزل عالقة بذهنه وكأنها تطالبه بالثأر، وتذكره بقسمه.
كرّ راجعا إلى معسكره، وقد بدأت تتبلور في ذهنه خطة المعركة التي لا بد له أن يخوضها ضد الفيالق المنتشرة على ضفتي النهر وكأنها تحاصره. كانت جل المعارك التي خاضها حتى الآن في البلاد الإيطالية تقع قرب الأنهار أو البحيرات. هل شاءت الصدف أن يكون الماء المنهمر سواء من السماء أو على الأرض صديقا له، معينا لخططه الجهنمية؟ أم هي روح أبيه التي امتزجت بمياه النهر الطامية تحميه من الهزيمة في كل مرة تكون معركته قرب الماء؟
وما إن وصل المعسكر حتى دعا قادة الجيوش إلى خيمته. نظر إليهم فردا فردا ثم قال لهم بصوت هادئ ورصين: “لقد كدّس العدو جيشا عرمرما حولنا، إنه ينتشر على ضفتي النهر في أهبة الاستعداد للانقضاض علينا. وقد علمت أن للعدو قائدين يتعاقبان على قيادة الجيش، ويضم في صفوفه عددا كبيرا من قياصرة روما القدامى. لقد اعتقدوا أنهم سيهزموننا بسهولة، ولذا جاؤوا ليجنوا غنائم الانتصار قبل أن تبدأ المعركة. هكذا هم رجال السياسة، لا يهمهم سوى الوصول إلى سدّة الحكم. لكننا سنلقنهم درسا لن ينسوه أبدا.”
أمر بإحضار ورقة كبيرة وضعها على الطاولة التي تحتل وسط الخيمة. أخذ قلما غليظا وخط سطرا عريضا يشق الورقة إلى شطرين. قال وهو يرسم ثلاث دوائر: “هذان معسكران للعدو، وهذا معسكرنا. لقد وضع قبالتنا جيشا صغيرا يلهينا به، وأرسى الجزء الكبير من جيوشه على الضفة المقابلة حتى يتسنى له مهاجمتنا من الخلف. ولذا قررت أن نتخطى النهر عند الصباح الباكر وبأقصى السرعة، ونتقدم نحو هذا الجزء الكبير من الجيش الروماني نوهمه أننا نهاجمه حتى نزرع الارتباك في صفوفه، عندها سيضطر للجوء إلى الضفة الجنوبية لأنه لم يزل يتهيأ للمعركة.”
صمت فترة من الزمن ينظر إلى الورقة البيضاء ثم أضاف: “لن نترك له المجال لوضع خططه. سنتخطى النهر من جديد وسنضطره لخوض المعركة.”
وفي الصباح الباكر كانت أوامر حنبعل قد نفذت بأقصى السرعة. وتقدمت جيوشه إلى معسكر الرومان، وقام باستعراض كبير لكل جيشه على مرأى من عدوه. انزعج قادة الجيش الروماني لمّا رأوا الجيوش تقترب، وزاد في اضطرابهم ما يقوم به الفرسان النوميديون من مضايقات متواصلة لكل من يخرج من معسكر الرومان. فقد بدأت الحرب النفسية التي يحذقها حنبعل ويتفنن فيها. وهو ما اضطر الرومان إلى تخطي النهر نحو الضفة الجنوبية تاركين معسكر الضفة الشمالية في حراسة عدد قليل من الجنود.
ومن الغد، وقبل بزوغ الشمس كانت جيوش حنبعل قد تخطت النهر من جديد إلى الضفة الجنوبية لتقف صفا واحدا. يقول بعض المؤرخين إن طوله فاق الثلاثة كيلو مترات، قبالة معسكر الرومان فارضة المعركة عليه. ولم يطل ترقبه إذ خرجت جيوش عدوه من معسكرها قابلة التحدي. وقف حنبعل في مقدمة جيوشه يلاحظ جيوش الرومان الجرارة، كانت آلاف مؤلفة من المشاة والفرسان والآليات تصطف في خط واحد تتهيأ للمعركة الحاسمة. وبعد فترة من المراقبة الدقيقة لكيفية تنظيم صفوف عدوّه، فهم جيدا طريقة القتال التي سيسلكها القادة الرومان.
كانت الصفوف المتراصة لعدوّه تفوقه عددا وعدّة، وكان عددها حسب بعض المؤرخين مائة ألف جندي بينما لا يزيد عدد جيش حنبعل على خمسين ألف. وكان الجدار السميك لجنود المشاة المصطفة في تماسك يمثل القوة الضاربة لعدوّه، لن يمكنه تشتيت تلك الصفوف ولا حتى اختراقها. ولن تفل فيها الفيلة القليلة التي في حوزته. كانت سدا منيعا يصعب تخطيه أو فتح الثغرات خلاله.
بعد فترة من التأمل، أشرقت أسارير حنبعل، فقد اهتدى إلى الخطة التي سيواجه بها ذلك السد المنيع من الجنود المدججين بالسلاح. أمر قادة كل الفيالق أن تلتف حوله. نزل من على جواده وأمرهم بالجلوس على الأرض مكونين دائرة حوله. أخذ رمحا وخط به على التراب شكل صقر عظيم يقف فاتحا جناحيه. ثم قال لهم مشيرا إلى الشكل المخطط على التراب:
-جيوش المشاة من الغوليين والإيبار الصناديد ستكوّن الصدر المتصدي للهجوم الأول. لا بد أن تكبدوا العدو أكبر الخسائر حتى يخفف عنكم الضغط، لكن عندما تحسون به يدفع بكل قواته خففوا الضغط واتركوه يندفع إلى الأمام. جيوش الخيالة الإيبار ستحاول ما استطاعت دفع ميمنة العدو إلى قلب المعركة حتى لا تلتف على جيوشنا. أما ميسرة العدو فسنكثف عليها الضغط ونضع أمامها أكبر قوانا من الخيالة حتى يفقد جيش العدو توازنه ويسهل اختراقه. أما النوميديون فسيقومون بالإحاطة بالعدو من الخلف ودفعه إلى الأمام. لا تتركوا عدوّكم يفرّ من ساحة القتال، فسوف ينظم صفوفه ويهجم من جديد. سيكون نصرنا ساحقا، وستكون الآلهة في عوننا! بعد لحظة من الصمت سأل:
-هل الخطة واضحة للجميع؟
علت من حناجرهم صرخة مدوية:
-يحيا حنبعل!
قبّلهم واحدا واحدا، ودعا الآلهة أن تكون في نصرتهم، ثم أمرهم بالالتحاق بفيالقهم. ولم تمض ساعة حتى تكوّن أمام جيوش الرومان شكل الصقر الذي رسمه حنبعل على التراب منذ حين. كان الصدر المتكوّن من جنود المشاة يقف صفا مقوسا في مقدمته حنبعل رافعا سيفه وكأنه رأس الصقر فاتحا منقاره. وكانت الأجنحة من الفرسان، إثنان على اليمين وإثنان على اليسار، الأول محاذ للصدر والثاني يلتف حول المؤخرة، وإن لم تكن متوازية فقد شدّد حنبعل على تقوية ميمنة جيشه لعلمه بضعف قائد ميسرة عدوه.
عندما تقدم حنبعل ملوحا بسيفه نحو العدو، كان وراءه مباشرة الرجال الغوليون الأشاوس يحملون على رؤوسهم خوذهم ذات القرنين، حاملين الدروع الجلدية الصلبة، والسيوف الطويلة الحادة. كانت حناجرهم تعلو بهدير من الصراخ زرع الرعب في صفوف جيش الرومان، وآثار الحماسة في صفوف المشاة النوميديين الذين كانوا يلتفون حولهم متأخرين ببعض الأمتار ليتسنى لهم احتواء الطلائع الأولى لجيش الرومان التي ستخترق الصفوف الأمامية.
وانطلقت المعركة. والتحمت الجيوش. كانت فرقة من اللوبيين الشجعان مكلفة بمهمة صعبة وهي قطع أحزمة سروج جياد العدو. وكان الجنود اللوبيون قصيري القامة، سريعي الحركة، يتسللون بين أرجل الجياد العالية، وفي لمح البصر يقطعون الأحزمة، وينصرفون إلى الأمام دون أن يتفطن إلى وجودهم أحد. وكانت تلك الأعمال وبالا على الفرسان الرومان إذ قضت على فرق كاملة منهم دون قتال، منهم من سقط على الأرض وأضاع سلاحه، ومنهم من رفسته الأرجل، ومنهم من ركض وراء جواده عله يسترجع مكانه فوقه والعودة إلى القتال.
عندما وصل فرسان الإيبار والغوليون من الجناح الشمالي للجيش البوني والتحموا مع الفرسان الرومان بدأت المعركة الحقيقية. ورغم المقاومة الشرسة التي أبداها الرومان فإنهم في النهاية تقهقروا أمام خبرة وكثرة عدد الفرسان الإيبار والغوليين. كانت عبقرية حنبعل في جعله صفوف الجيش الروماني تنهار وتتشتت من بداية المعركة. فقد تلاشت ميسرة الجيش الرومان وانتشر فرسانها، ولم يعد في استطاعتهم حماية مقدمة جيشهم فتلاشت لحمة ذلك الحصن المنيع من المشاة، فاندفعوا نحو الوسط حيث تقدموا أشواطا إلى الأمام مخترقين صفوف الجيش البوني ومعرضيين المشاة الغوليون والإيبار إلى أفدح الخساير.
كان حنبعل يراقب تطور المعركة غير مبال بذلك الاختراق الخطير لصفوف جيشه، فقد تفطن إليه قبل أن تبدأ المعركة، بل كان جزءا من خطته. إذ حالما تأكد من تورط جيش عدوه، أمر المشاة النوميديين المتواجدين في الصف الثاني لميمنة الجيش البوني وميسرته، أن يدفعوا بسيول الجنود الرومان إلى وسط ساحة المعركة، وأن يتحركوا في اتجاه الالتفاف على عدوهم. وأمر في الآن نفسه الفرسان الإيبار المدعومين بعناصر من السلتيين أن يتحركوا في اتجاه مؤخرة العدو. وعندما جاء دور الفرسان النوميديين كان الرومان قد حوصروا من كل الجهات، وحصل جيش بأكمله في مصيدة أتت على أغلبية أفراده.
كان الجنود الرومان يتلقون الضربات من كل حدب وصوب، وكلما حاولوا فك الحصار ازداد الطوق حولهم. وحتى من رغب في الفرار فلم يكن في وسعه أن يفرّ، لأن الفرسان النوميديين كانوا بالمرصاد، لا يتركون أي ثغرة في الطوق الذي ضرب على ساحة المعركة. ولم ينج من جيش ضم أكثر من مائة ألف مقاتل سوى القليل، بالإضافة إلى عشرة آلاف كان قد أمرهم قائد الجيش الروماني بالبقاء في المعسكر لحراسته. وحتى أولئك تم أسرهم بعد انتهاء المعركة.
حلّت الكارثة بالجيش الروماني، فقد قضى في المعركة زيادة عن الجند جل قادته، وكل المتطوعين من الطبقة السياسية الرومانية، ما يقارب مائة عضو في مجلس الشيوخ ومن القياصرة القدامى، ومئات من أعيان الأرستقراطية الرومانية والضباط الكبار. وقد أحصى المؤرخون الرومان ما يناهز سبعين ألف قتيل في تلك المعركة.
صمتت أسماء عن الكلام. وظل حنبعل واجما. كانت فظاعة تلك المعركة تثير فيه ذكريات أليمة رغم أن جيشه لم يتكبّد فيها خسائر تذكر بالنسبة إلى الكارثة التي حصلت لعدوه. قالت له أسماء وهي تنظر إليه مستغربة حزنه:
-ألم تثر فيك تلك المعركة الشعور بالاعتزاز؟
أجاب بصوت خافت:
-إنه لمن الغباوة أن يفرح الإنسان لقتل أخيه الإنسان حتى لو كان عدوّه. لم أقم بالحملة على إيطاليا من أجل القتل بل من أجل الحياة والحرية.
-لكن التاريخ بقي يفتخر بما حققته من إنجازات حربية رائعة!
-لأن الإنسان بنى جل حضاراته على الهيمنة والعدوان والعنف.
-وحتى قرطاج بنت حضارتها على الهيمنة والعدوان والعنف.
-ربما نختلف في تصنيف الحضارة القرطاجية. الآن وقد استعدت ذاكرتي، فسوف أروي لك بعضا من تاريخ قرطاج كما قرأته أنا كذلك في كتب التاريخ التي كتبها القرطاجيون قبل أن يحرقها الرومان.
-وبقية مغامرتك الإيطالية؟
-فلتذهب إلى الجحيم! لقد تذكرتها الآن وليس لي رغبة في معرفة ما كتبه مؤرخون لا يتحلون بالنزاهة خاصة عندما يكون عدوّهم يواجه الصعوبات…
قاطعته أسماء هازئة:
-إنك لا ترغب في سماع إلا ما يسرك!
أجابها بحدّة:
-لم أنهزم في البلاد الإيطالية ولو مرة واحدة. ولولا الظروف السياسية التي لم تهيئها دولة قرطاج العجوز لحققت خطتي!
عانقته وهمست له:
-سنتبادل الأدوار إذن. تحكي لي ما تعرفه عن قرطاج، وأصغي إليك بكل انتباه. مصادر التاريخ التي في حوزتي تهيمن عليها عقلية المنتصر الذي يروي انتصاراته. وحتى عندما يظهر قوّة عدوّه فلكي يبرر فظائعه.
قبّلها، ثم قال بجدّية:
-لكي تستوعبي أفكاري لا بد لك أن تفهمي ثقافتي.
ظل يضمها إليه وهو منشغل الفكر، ثم أعلن:
-غدا صباحا سنسافر إلى قرطاج، وسأحاول أن أصف لك على عين المكان كيف كانت تلك المدينة العظيمة قبل أن يأتي عليها الزمان بأهواله.
عادت تهمس إليه:
-لا تنس أننا سنسافر إلى قرطاج بعد أيام في موكب كبير احتفاء بعقد قراننا.
-لم أنس يا حبيبتي. فأنا متشوق لذلك اليوم.
-إذن غدا في الصباح الباكر أجدك مستعدا للسفر.
ثم نهضت لتنصرف مسرعة عائدة إلى بيت أهلها.




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„