ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل ... 8


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1166 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



الباب الرابع

في عالم الافتراض

ها نحن ندخل في المستقبل القهقرى

بول فاليري

1

تزوج حنبعل بأسماء، وقضّيا شهر العسل في جزيرة جربة، ونسيا مآسي التاريخ، وعرفا ملذات الحب والحياة الزوجية. ثم عادا إلى عشهما بالحمامات. وفي يوم من الأيام بينما كان حنبعل وحيدا في بيته، عادت إليه فتاة الفضاء. دخلت كالعادة على بساطها الطائر دون سابق إنذار. كان حنبعل يتصفح كتابا، فلما سمع زفيف البساط يقترب من الزربية القيروانية الجميلة، رفع نحوها بصره، وظلّ مرتبكا.
قالت له فتاة الفضاء مبتسمة:
-ما لك نسيتني يا حنبعل؟ ألهذا الحد ينسيك الزواج ماضيك ومستقبلك؟
لم يقل شيئا. كان يفكّر في أسماء. لو عادت ووجدت هذه المرأة العارية بجانبه لما تحمّلت.
عادت فتاة الفضاء تقول له:
-ألم أقل لك أني قدرك؟ إني بحاجة إليك، أريد التقدم في أبحاثي. لا بد أن أتحدث إليك بانتظام، وأعرف ما ألت إليه بعد أن تعرفت على ماضيك وضمنت حاضرك. فليس بإمكانك معرفة مستقبلك من دوني.
ظلّ حنبعل يفكّر. هذه المرأة تثير فيه مشاعر متضاربة. فهي تشعره بالعبودية، تشعره بأنه ملك لها كالموت. ومن ناحية أخرى يرى فيها مفتاحا لفهم هذا العالم الغريب الذي حط فيه، وبدأ يكتشف أسراره، ويتأقلم مع مكوناته. فهو في الآن نفسه يخشاها، ويتطيّر منها. ففي كل مرة يراها يشعر بالكآبة تعمّه لأنها تذكره بأنه قادم من عالم الأموات. ولكنها تسحره بكل العجائب التي تحيط بشخصها. ففي عودته إلى الحياة عن طريقها أكبر الأعاجيب، وفي بساطها الطائر سحر ما له سحر، وفي حديثها عن عالمها خيال الشعراء، وفي النظر إلى جسدها العاري المتناسق الفتان، رغم خلو الرأس من الشعر، متعة ليس كمثلها متعة. لم يكن يشتهيها، ولكنها تفتنه بجمالها فتنة العابد بمعبوده.
استرق النظر إليها فبهر بحسن الجسد المتربع على البساط الذي ظلّ معلقا في فضاء الصالون. لم ير في حياته أجمل من هذا الجسد، ولونه الخلاب. كانت تضع يديها على البساط ترتكز إليهما في جلستها المثيرة، فلاحظ كل جزئيات الجسد متناثرة في تناسق ككلمات القصيدة. ولما رفع بصره إلى وجهها بهره جمال عينين سوداوين واسعتين في طرفهما حور يشعان نورا خلابا. ارتبك وغضّ النظر.
سألته بلغتها:
-متى ستعود زوجتك؟
بعد أن وصلته الترجمة عن طريق الآلة في أذنه أجاب بصوت خافت:
-لم تحدد موعدا، لكنها لن تعود عند الغداء فقد طلبت مني أن أتدبر غدائي.
-جميل، يمكننا أن نتحدث بكل انشراح.
أجابها متشنجا:
-فيما تريدين أن نتحدث؟
-في التجربة!
-وأي تجربة؟
-وهل نسيت أنك موضوع بحثي؟ لقد طلب مني المجلس الأعلى للبحوث في قانماد إمداده بتقرير أولي عن تجربتي.
-وما علاقتي بتقريرك؟
نزل بها البساط على أرضية الصالون، نهضت تتبرج برشاقة، وهو يتبع حركاتها مفتونا، ثم تقدمت منه، وجذبت أريكة وجلست قبالته. نظرت إليه مليا ثم قالت له:
-اسمع يا حنبعل، أريد أن تصبح صديقي، كما أرغب أن تقدمني إلى زوجتك حتى أتمكن من زيارتكما متى شئت.
أجابها متضايقا:
-لكننا لا ننتمي إلى نفس العالم!
-ومن أدراك؟ ألم تتأقلم مع عالم تركته منذ ألفين ومائتي سنة؟ فهذا الكون يجمعنا سواء كنا نسكن الأرض أو قانماد. كل المخلوقات العاقلة يمكنها أن تتواصل وتتبادل تجاربها، وتعمل معا من أجل مزيد الرقي للعقل البشري.
ظلّ يفكّر: لو رأتها أسماء في زيها الآدمي لما قبلتها ولو لحظة. وحتى إن أقنعتها فستثير فيها الغيرة والشكوك، وستتنغص حياتنا بأسئلة وتلميحات وشجار. هذه طبيعة المرأة على الأرض منذ بداية حياة الإنسان العاقل كما قالت. ثم أن ما تتحدث عنه لا يصدق: ” آتية من قانماد “! سألها فجأة:
-لماذا أتيت من عالمك البعيد؟
-ألم أقل لك للبحث والمعرفة؟
-عمّ تبحثين؟
-عن العلم.
-وماذا تفعلين به؟
-أثبت به وجودي ككائن يكتشف حقائق الكون. فلولا ولوعي بالبحث لأصبحت حياتي كلها رتابة، ولسقطت إلى مستوى الكائنات الحيوانية. أليس جميلا أني أرجعتك للحياة لتكتشف بلادك من جديد، وتاريخك المفعم بالأحداث، ولكي تحب؟
-جميل، لكن ما نفعك من كل ما فعلته معي؟
-لا أبحث عن المنفعة، أريد إثبات وجودي من خلال ما أكتشفه فيك من حقائق إنسانية. لقد تتبعت كل حركاتك، وسجلت ردود أفعالك، وأحاديثك، وأحاسيسك و…
قاطعها سائلا:
-هل كنت تراقبين كل تصرفاتي؟
-بالطبع، وإلا لما توصلت إلى معرفتك. أنتم سكان الأرض تحسنون التخفي، والمناورة، والزيف…
عاد يقاطعها:
-إذن ما حاجتك بوجودي الفعلي بما أنك تراقبينني ليل نهار؟
-ألم أقل لك إني أريد صداقتك؟ فقد اكتشفت أنك إنسان راق، بل أصبحت معجبة بك، رغم انزعاجي مما فعلته عندما كنت تحارب.
ظلّ صامتا لا يدري إن كان يجب أن يستجيب لعرض صداقتها، أو يتحاشى النظر إليها ويتقوقع ملتحفا بالصمت. لكنه لم يكن مطمئنا إليها. وكيف يطمئن لشخص يراقبه ليل نهار؟ لكن غريزة حب الاطلاع داخله أخذت تتحرك. ماذا لو يعرف عنها كل شيء كما فعلت هي؟
سألها:
-أين تقيمين؟
نظرت إليه مليا ثم لاحت عليها ابتسامة ماكرة وأجابت:
-هنا غير بعيد، في أحد الجبال على مشارف الصحراء.
-وتقيمين وحدك؟
-نحن مجموعة من الباحثين، نقيم في محطة للأبحاث العلمية توجد تحت الأرض، لا يمكن أن يكتشفها الأرضيون.
-وكلكم مختصون في الاستنساخ؟
ضحكت ملء شدقيها، ثم أجابت:
-بالطبع لا. أنا الوحيدة التي تبنت هذه الفكرة الجنونية، ولم يوافقوني عليها إلا بعد إلحاح شديد. لقد أتيت خصيصا من قانماد لهذا الغرض.
-لأجلي أنا؟
-في البداية من أجل استنساخ كائن بشري ميت، ثم لمّا بحثت في تاريخ الرجال وجدتك أكثرهم مدعاة للاهتمام.
أراد أن يواصل استنطاقها ويعرف كيف يعيش أهل كوكبها. لكنه تراجع عن أسئلته، فقد تشابكت الأشياء في ذهنه، فإن تأكد الآن من ماضيه، واستوعب كل مراحله، ونسي آلامه بمعاناة القرطاجيين قبل فناء مدينتهم، فحاضره ما زال ضبابيا، لا يعرف منه سوى لذّة الحب التي يتقاسمها مع أسماء. فكيف له أن يسأل عن حياة أناس في كوكب آخر يبعد مليارا من الكيلو مترات عن الأرض؟ ظلّ صامتا محتارا في ريبة من أمره، حتى جاءه سؤالها:
-ألا ترغب في معرفة العالم الذي تعيش فيه؟
لم يجبها. كان خائفا أن يكتشف عجزه على تقبل صدمة التغيّرات، فهو لم يتعوّد بعد على الآلات الذي تعمر عالمه، فما بالك لو يكتشف بشرا، وحياة أكثر تعقيدا من التي يراها في بلده وهو لا يعرف منه سوى قرطاج الأثرية، وجزيرة حالمة ليس لها زمان، وأناس يستغربون كلما ذكر اسمه، وحتى أسرة زوجته لم تصدق أنه قادم من عالم الأموات.
عادت تقول له:
-سأنظم لك رحلة مع زوجتك لأجمل عواصم أوروبا.
سألها مرتبكا:
-متى؟
-اطرح الموضوع على زوجتك، وناقشاه، ثم نقرر معا.
ولما همّت بالانصراف، سألها:
-متى ستعودين؟
ابتسمت له ابتسامة عذبة وقالت:
-متى شئت.
وعادت إلى بساطها الذي انطلق بها خارج البيت.
حالما اختفت، شعر بالفراغ يعمه. لم يستطع العودة إلى المطالعة، ولا إلى التفكير في أي شيء آخر غير فتاة الفضاء. لم يكن يفكّر فيها كفتاة فاتنة الحسن والجمال، بل ككائن غريب لم يقدر أن يحدد مواقع الغرابة فيها. هي إنسان مثله تستعمل اللغة للتخاطب، ولو كانت غريبة فالترجمة قربتها له. وهي تفكر مثله، بل ربما كان تفكيرها أكثر صفاء ودقة منه. وهي عارفة بأسرار كثيرة عن الحياة على الأرض تمكنها من الإلمام بكل مكوناتها. وهي عالمة بهرته بعلمها الذي لم يفقه منه الكثير. هل يمكن أن تصبح صديقته، يثق بها ويطمئن لنواياها؟
بقي يلوك السؤال حتى رنّ جرس الهاتف. رفع السماعة، فجاءه صوت أسماء وهدأ من تشنجه.
سألته:
-هل تغديت؟
-لا.
-وكيف ستدبر أمرك؟
-لا عليك. متى ستعودين إلى البيت؟
-عند المساء.
-لا تفكري في. نلتقي في البيت.
قفل الخط، وظلّ يفكّر لحظة، ثم اندفع إلى غرفة النوم يغير ملابسه، وغادر البيت، واندفع إلى الشارع يبحث عن تاكسي. عندما وقفت أمامه السيارة الصفراء بقي مترددا قبل أن يستقلّها، ويطلب من السائق أن يوصله إلى وسط المدينة. لكنه عندما همّ بالنزول وطلب منه السائق دفع تكلفة سفره، ارتبك ولم يجد عنده نقودا. كانت البطاقة المغناطيسية في جيبه، مدها إلى السائق، لكنه أعلمه أنه لا يتعامل بها من أجل مبلغ زهيد. ظل لحظة يفكّر، ثم مد للسائق بطاقة شخصية كانت قد أعدتها له أسماء ليعرّف بها نفسه عندما يلتقي شخصا لا يعرفه، وقال له:
-يمكنك أن تتصل بي في هذا العنوان لاستخلاص الدين الذي بذمّتي.
كانت هيئة حنبعل تجلب كل الاحترام، فأخذ السائق البطاقة مترددا، لكنه لم يقل شيئا. كانت تلك أول مغامرة لحنبعل مع أهل بلده الجديد. بعد أن تجوّل في شوارع المدينة، وهو يتفحّص المارة بانتباه شديد، دخل أحد المطاعم المنتشرة على قارعة الطريق. كان المطعم فخما، فاستقبله المسؤول على الخدمة بترحاب كبير. سأله إن كان بإمكانه استعمال البطاقة المغناطيسية، فطمأنه. وبعد الغداء عاد إلى الشارع، ولمّا اعترضه بنك، دخل وطلب أن يمكنوه من كمية من النقود، فلبوا طلبه. شعر وكأنه الطفل الذي بدأ يكتشف العالم من حوله، لكنه ثابر حتى تمكن من فكّ رموز هذا العالم الجديد على مداركه. عالم آلي، تتحكم فيه النقود إلى أقصى الحدود. كما اكتشف أنه بالنقود يسهل التعامل مع هذا العالم الغريب. لكن التجربة كانت مفيدة حيث سمحت له بأن يتحمل مسؤولياته، وبأن يتمتع بحرية التحرك. ولمّا عاد إلى بيته مستقلا تاكسي، كان راضيا على تصرفاته.
وجد أسماء تنتظره في حيرة. وحالما فتح الباب ارتمت في عنقه معانقة، ثم همست له:
-كنت أعتقد أنهم اختطفوك.
-من؟
-رجال الشرطة.
-وما الداعي؟
-لقد رأيتهم يحومون حول بيتنا، فخفت عليك. ولمّا لم أجدك في البيت طار عقلي ولم أدر كيف أتصرف. الحمد لله أنك لم تتأخر.
ثم عادت تعانقه بجموح، وتهمس له:
-لن أصبر على العيش بدونك!
كان شغفها به يزداد يوما بعد يوم. وجدت فيه كل صفات الرجولة، وقد غمرها بحب فياض ملأها سعادة.
-هل تغديت؟
-بالطبع.
-ولماذا غادرت البيت؟
-لأتغدى!
وطفقت تسأل، وهو يجيب بعفوية، حتى اكتشفت أنّه لم يعد قاصرا كما كانت تحسبه. أتت بالشاي، وجلست بقربه تستعذب دفء الحب. بعد فترة من الصمت قال لها مترددا:
-هل تعرفين فتاة الفضاء؟
أجابت مستغربة:
-من تكون؟
-الفتاة التي استنسختني.
-حدثتني عنها، ولكني اعتبرت الأمر مزاحا.
-إنها الحقيقة حبيبتي. أنا إنسان مستنسخ أحببت أم كرهت.
ظلّت تفكر لحظة، ثم سألته بعصبية:
-وماذا تريد هذه الفتاة؟
-تستدعينا لزيارة محطتها العلمية.
صرخت سائلة:
-في الفضاء؟
-بل داخل الأرض.
تشبثت به وسألت مرتبكة:
-أتريد أخذي إلى عالم الأموات؟
قبّلها مهدئا، وهمس لها:
-لا تكوني ساذجة. هذه الفتاة كانت هنا في الصباح، ورأيتها لحما ودما، وهي آدمية مثلنا، وتتحدث لغة أجنبية لكني أفهمها عن طريق الآلة التي في أذني. وقد ألحت أن تستقبلنا في محطتها العلمية…
قاطعته مترجية:
-لا يا حبيبي، هذه الأشياء لا يدركها عقلي بسهولة. بالنسبة إلي: هناك عالم الأحياء، وعالم الأموات، وربما عالم الجن. ولن أغادر عالم الأحياء إلا عند الموت.
كانت ترتعد من الخوف. فأخذ يحنو عليها ويداعبها ويثيرها بلمسات رقيقة حتى ذابت بين يديه. بعد أن ترشفا شراب الحب حتى الثمالة، سألها:
-هل أنت مقتنعة أني لست جنيا ولا قادما من عالم الأموات؟
-كنت مقتنعة منذ اللحظة التي رأيتك فيها أول مرة.
-حتى فتاة الفضاء التي حدثتك عنها، رأيتها لحما ودما وهي مثلنا. أريدك أن تتعرفي عليها لأنّها تحتاج إليّ لدراستها، ومن أجل تلك الدراسة قامت باستنساخي. سأطلبها، وسأعرفك بها، إنّها ترغب في صداقتنا. ما رأيك؟
كانت مسترخية في الفراش تسند رأسها إلى صدره، والسعادة تملأها، فقالت:
-افعل ما تشاء بي فأنا سعيدة بقربك ولو في عالم الجن والأموات.
بعد فترة من التفكير قال لها:
-سنستدعيها هذه الليلة للعشاء معنا. ما رأيك؟
-ما دامت هذه رغبتك فلتكن.

 2

-تانيت! حنبعل يطلب تانيت!
ظلّت أسماء تنظر إلى حنبعل باستغراب.
-هل يمكنك زيارتنا في بيتنا، لقد تحدثت مع زوجتي في الموضوع، وترغب في التعرف عليك.
بعد أن جاءه ردها، التفت إلى أسماء وقال لها:
-ستكون عندنا بعد غروب الشمس.
صمت قليلا ثم أضاف:
-إنّها غريبة هذه الفتاة، فهي عارية دائما. ربما هذا يزعجك، لكنها مصرّة على عريها.
لم تقل أسماء شيئا. ظلّت تفكّر، ثم سألته مترددة:
-أليست لك علاقة خاصة مع هذه الفتاة؟
-كل ما أعرفه عنها قلته لك.
تركت الفراش وخرجت إلى الحمام. بقي حنبعل يتبع تموج الجسد العاري في فضاء الغرفة حتى اختفى. كان مولعا بجسد زوجته: ممتلئا، ناعما. أدركها في الحمام وهي تستعد لدخول الحوض المملوء ماء دافئا ينساب منه بخار رقيق. ضمها إليه، وعادا إلى العناق. وهو يقبّل عنقها همست:
-وهل فتاة الفضاء جميلة؟
احتوى كل جسدها وهمس لها:
-لا تغاري من فتاة الفضاء فهي تنتمي إلى عالم السماء، ولست من هواة النساء. وجدت عندك سعادتي فلا تنغصيها بأشياء لا وجود لها.
همست له:
-أخاف أن أفقدك يوما!
-لا تخافي. لنغرف من السعادة ما استطعنا.
وعادا إلى العناق. وارتويا من الحب.
ولما أتى المساء، وبعد أن نشطت أسماء نشاطا غير عادي ليكون بيتها على ما يرام حتى تستقبل فتاة الفضاء، جلسا يترقبانها. قال لها حنبعل:
-سوف تدخل من النافذة على بساط طائر، لا تخافي منها، ليست بالجنية كما تقولين. ولا تنظري إليها بريبة، فهي ذكية إلى أقصى حدود الذكاء، تفهم حتى خفايا النظرات.
لم تقل شيئا. كانت تنتظرها بصبر نافذ لتكتشف مخلوقا خارقا للعادة. وراح خيالها يصورها لها، وحضرت في مخيلتها تلك الصور البشعة لأفلام الخيال العلمي، حيث غالبا ما صوروا أناس الفضاء فظيعي الهيئة والأفعال. وبعد انتظار طويل اندفع من النافذة البساط الطائر بسرعة، وظلّ مستقرا في فضاء الصالون، وعلى متنه فتاة الفضاء تنظر للزوجين وعلى محياها ابتسامة ودّ.
عندما حطّ البساط أمام حنبعل، وتقدمت منه فتاة الفضاء بخطى ثابتة، قال لها مشيرا إلى زوجته:
-أسماء زوجتي.
رمقتها بابتسامة عذبة، وقالت لها بلغتها:
-أعرفك جيدا رغم أننا لم نلتق من قبل.
ثم استدركت، والتفتت إلى البساط الذي أخذت منه سماعة صغيرة ومدتها إلى أسماء التي بقيت جامدة في مكانها.
طلب منها حنبعل أن تضعها داخل أذنها، وترجم لها ما قالته فتاة الفضاء، ثم أضاف:
-أعطيتها اسم تانيت، يمكنك أن تناديها به.
لم تكن أسماء ترغب في التحدث إلى هذه الفتاة الوقحة العارضة كل مفاتنها أمام زوجها. لكنها بقيت جامدة في مكانها لا تغادر عيناها الفتاة. حتى قالت لها:
-أرى على وجهك انزعاجا كبيرا، ربما لأنك ترينني لأول مرة. لست عدوانية بتاتا كما هو الحال عندكم. أريد صداقتك وصداقة زوجك، هل ترين هذا ممكنا؟
لم تجبها. تدخل حنبعل قائلا لفتاة الفضاء:
-إنها منزعجة من عريك.
ضحكت ضحكة عالية ثم سألت أسماء:
-ألا تجدينني جميلة؟
قالت أسماء في نفسها مستهزئة بعد أن وصلتها الترجمة في أذنها: “وين ها الزين، فرطاسة وعريانة كيف أم البويا!”
ساد الصمت بينهم، وشعر حنبعل بالحرج، فقد رأى في عيني أسماء اشمئزازها، وظلّت فتاة الفضاء تتمعن في وجه أسماء دون حرج. ثم التفتت إلى حنبعل وقالت مبتسمة:
-زوجتك تحبك حبا شرسا، فقد لاحظت في نظراتها خوفها عليك مني.
ثم التفتت إلى أسماء وقالت لها وابتسامة الود لم تفارق ثغرها:
-اتركي الخوف، وتصرفي بالعقل، فالحب ليس امتلاكا ولا هيمنة، إنما هو اكتشاف ووصال.
سألتها أسماء وفي صوتها ارتجاف:
-لماذا تتعرين؟
ضحكت من جديد، وردّت لها سؤالها:
-لماذا تتغطين؟
فاجأها السؤال، فظلت تفكّر. لم تطرح على نفسها أبدا مثل هذا السؤال. لكن فتاة الفضاء عادت تقول:
-العري، أو اللباس بالنسبة للكائنات العاقلة اختيار واع أو غير واع. نحن اخترنا بوعي وقناعة أن نتعرى، فعرينا لا يدل عن الوقاحة كما تتصورين، بل عن رغبة في التحرر من عبث وراءه قيود اجتماعية تعود إلى بداية تطور العقل البشري. وإن كان العري مثيرا في مجتمعاتكم، فلأن العلاقة الجنسية عندكم تراكمت عليها القيود حتى فقد الجسد قيمته وأصبح بضاعة تعرض أو تخفى. هل أجبت عن سؤالك؟
لم يقنعها الجواب، بل لم تقتنع بالوجود الإنساني لهذه الفتاة، إنها جنية اقتبست مظهر امرأة. بعد فترة من التفكير سألتها:
-ألا تحسين بالبرد، ففي الهواء رطوبة هذه الليلة؟
-في الحقيقة لست عارية تماما، فجسدي مغطى بجلد رقيق شفاف يقيه من كل سموم هواء الأرض. نحن لا يمكننا العيش في جو كوكبكم. وحتى التنفس فإني لا أتنشق الآن هواءكم، بل أزوّد بالهواء النقي عن طريق آلة مجهرية مغروزة في أنفي تصفي الهواء من كل السموم التي يحتويها.
سألها حنبعل:
-وكيف يطير بساطك؟
التفتت إليه وقالت:
-هل فهمت كيف تسير السيارة؟
-فسرت لي ذلك أسماء.
-بساطي لا يستعمل طاقة تحرق ليندفع، بل يجذب إليه جزيئات النور المتواجدة بكثرة في الجو ويحولها إلى قوة دافعة، ويتحكم في العملية حاسوب مجهري مبرمج لكل عمليات التنقل والسرعة والتوقف وتغيير الاتجاهات، وهو مزود بكامراهات مجهرية تمكنه من ضبط كل الجزئيات. فلا أحد يقوده أو يزوده بالطاقة. لكن يمكنني أن أخاطب الحاسوب لتغيير وجهتي أو التوقف في مكان ما، فيلبي طلبي آنيا.
التفتت إلى أسماء تسألها:
-أظنك تفهمين هذه الأمور أكثر مما يفهمها حنبعل؟
أجابت متضايقة:
-تتحدثين عن أشياء خيالية صعبة الادراك. فهمت أن تتحول المادة إلى طاقة عن طريق الاحتراق، لكني لم أسمع عن تحويل جزيئات النور إلى طاقة. ولم أسمع عن الحاسوب المجهري…
-وهل تعرفين أين يوجد كوكب قانماد؟
-أبدا!
-إنه أحد أقمار المشتري.
تحمست أسماء لمناقشة هذه الفتاة الوقحة التي لا يكفيها عرض جسدها على زوجها، فهاهي تعرض ما تدعيه علمها بصلف، فقالت لها:
-ما تعلمته أن كواكب النظام الشمسي الأخرى غير مسكونة ولا يمكن للحياة أن توجد فيها. تعرفت على هذه المعلومات بالمدرسة، وقرأتها في الكتب.
-معلومات الأرضيين عن الفلك لا تزال في بدايتها.
ثم التفتت إلى حنبعل تسأله:
-هل ترغب في زيارة محطتنا برفقة زوجتك؟
نظر حنبعل إلى زوجته يترقب منها الموافقة، ثم سأل:
-متى؟
-سأتصل بكما عندما أهيئ الزيارة.
طلبت أسماء من حنبعل أن يأتي من المطبخ بطبق عليه عصير وحلوى، لم تكن ترغب في تركه مع الفتاة العارية. ثم قدمت لها كأس المشروب، لكنها اعتذرت قائلة:
-حقا إني آسفة! لا يمكنني تناول أطعمة أهل الأرض، فهي بالنسبة لنا مسمومة وملوثة، ولو أنكم متعودون عليها.
قالت أسماء داخلها: “أبك! أبك! ما ريتش ها الدعوة!” لكنها حافظت على هدوئها. ليس من شيم الكرام أن تخاصم الضيف في بيتك. ظلّت منكمشة على نفسها حتى أعلنت فتاة الفضاء رغبتها في الانصراف. وما إن طار البساط واندفع بسرعة مذهلة خارج الصالون حتى جرت أسماء إلى النافذة لتتأكد من تحليقه في السماء، لكنها لم تر له أثرا.
عادت إلى حنبعل وهي تقول بصوت عال:
-تانيتك هذه ساحرة كبيرة لعبت بعقلك، أما أنا فلن ينطلي عليّ سحرها.
قال حنبعل ضاحكا:
-ما أجمل وجهك المحمر من الغضب!
قالت بكل جدّية:
-ليس الآن وقت مزاح! أستستجيب حقا لدعوتها؟
-ولم لا؟
-وأين توجد هذه المحطة؟
-قالت إنها على مشارف الصحراء.
-وأي صحراء؟
-لست أدري لكنها ستأخذنا إليها. لديها طبق طائر يحلق بسرعة مذهلة.
دنا منها ومسح على خدها ملاطفا ثم قال لها بهدوء:
-لقد دعتنا لزيارة المحطة. نزورها ونحكم فيما بعد.
-ألم أقل لك إنها ساحرة؟
-الطبق الذي حلق بي في سماء قرطاج كان حقيقة لا لبس فيها. والفتاة لم تكن شبحا. ألم تستمعي للترجمة…
بقي لحظة يفكّر ثم سأل:
-من الذي كان يترجم؟ ومن أي مكان يا ترى؟
لم تسعفه بالجواب. كانت تخمن أن الآلة في أذنها باتصال مباشر مع محطة بث لاسلكي. ظلّت تتساءل إن كانت حقا مخلوقا قادما من الفضاء. سألت حنبعل:
-من أي كوكب أعلنت أنها قادمة؟
-قانماد على ما أظن.
نهضت تحث الخطى إلى المكتب، ثم عادت تحمل حاسوبا محمولا. شغلته وظلت تبحث عن قانماد. ظهرت لها على الشاشة صور أقمار المشتري الكبرى، ثم ركزت الفأرة على إحداها فظهر كوكب كبير برتقالي اللون، تنتشر على صفحته بقع بيضاء. قرأت بالفرنسية المعلومات المتوفرة لدى الحاسوب عن كوكب قانماد. ثم قالت لحنبعل:
-يقولون إن الكوكب يحتوي على مياه، وتربة، وربما أكسجين. ولكنهم لا يتحدثون عن وجود حياة ولا بشر.
كان حنبعل منزعجا من الحاسوب بين يديها، فهو يخاف كل هذه الآلات التي لا يفقه ماهيتها. ولما طلبت منه أن يقترب من شاشة الحاسوب، ظل مترددا، فوضعت الآلة بين يديه قائلة:
-هذا هو قانماد التي تتحدث عنه، قمر يفوق قمرنا حجما مرات عديدة، ويساوي نصف الأرض، وهو حسب المعلومات التي قرأتها ثاني أكبر أقمار النظام الشمسي.
ظلّ يتصفح الصورة، ثم أعلن:
-إن إدراكي بطيء في هذه المسائل، لكني مقتنع أن فتاة الفضاء حقيقة، وعلمها أعجوبة، وأنت تغارين منها بدون سبب. إنها ربتي، أعادتني إلى الحياة بقدرة علمها.
قالت منزعجة:
-أستغفر الله! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!
-تصلين لربك. جميلا فعلت، فهو الوحيد الذي يدفع عنا الشر، والسحر، والحسد، ومكائد البشر.
كادت أن تسأله عن اعتقاداته، لكنها تراجعت، فسوف تفتح تقاشا لن ينتهي. ظلّت تفكر في فتاة الفضاء، فقد أدخلت في ذهنها البلبلة. هل تصدق كل ما قالته؟ هل تصدق أنها حقا استنسخت حنبعل؟ فالاستنساخ أصبح واقعا، كم تحدث أبوها عن النعجة دولي، وأعجب بما حققه العلم، إذ سيخلق أنواعا من الحيوانات الأليفة الخاصة بتغذية البشر لها مواصفات جيدة قد تساعد على القضاء على المجاعة في العالم. لكن استنساخ البشر، وخاصة الموتى منهم، ليس ممكنا… ربما الآن… ربما يصبح في متناول البشر بعد سنين… ربما تكون هذه الفتاة من عالم آخر وصل فيه البشر إلى درجة رقي وتطور أكثر من الأرضيين… ربما… ثارت على نفسها وقالت بصوت عال: “لا… أكاذيب… سحر…”
احتضنها حنبعل سائلا:
-ما لك حبيبتي متشنجة؟
نظرت إليه مليا، مسحت على خده، قبّلت شفتيه، قرصته فقال لها معاتبا:
-هل جننت؟
قالت له معتذرة:
-لقد صرت أشك في كل شيء. أشك في وجودك قربي، في حقيقتك… لكني لن أشك في حبي لك.
ظلّت صامتة تنظر إليه دون أن تراه، ففكرها ما زال مشغولا بفتاة الفضاء، ثم قالت له:
-كيف تتصل بها؟
-اتحدث إليها فتجيبني.
-هيا، افعل!
-ماذا تريدين أن أقول لها؟
-قل لها أني أريد التحدث إليها.
وطفق حنبعل يخاطب الفتاة:
“تانيت، هنا حنبعل.”
وعندما أجابته قال لها:
“أسماء تريد مخاطبتك.”
أعادت أسماء السماعة إلى أذنها فجاءها صوت آلة الترجمة واضحا:
“تفضلي أنا في الاستماع إليك”
بقيت مرتبكة، ثم قالت لها:
” المعذرة على استقبالي البارد لك.”
أجابتها بلطف، ثم اتفقتا على زيارة المحطة مع حنبعل عندما ترغب هي.

3

وصل الطبق الطائر بعد غروب الشمس. كانت فتاة الفضاء قد خاطبت حنبعل تعلمه أنها ستحط في حديقة بيته، فخرج مع أسماء لاستقبالها. حطّ الطبق الدائري البلوري بسرعة البرق على عشب الحديقة، وظهرت داخله فتاة الفضاء بزيها الآدمي. فتح الطبق، فنزلت منه ببطء، واتجهت نحوهما، ولمّا أدركتهما حيتهما بابتسامة عذبة، ثم طلبت منهما أن يصعدا إلى الطبق. ولم يجدا أي صعوبة في الصعود إليه، إذ كانت قاعدته منبسطة على الأرض. وما إن استقرا داخل الطبق تتوسطهما فتاة الفضاء، حتى انغلق عليهما الغطاء البلوري، واندفع الطبق كالشرارة شاقا ظلمة الليل دون أن يحدث صوتا أو يشعل نورا. ولم يجدا مجالا للنظر إلى السماء الحالكة ولا إلى اليابسة مبعثرة في أرجائها الأضواء، فلم تمض دقائق حتى حطّ بهم الطبق في مكان مظلم لم يستطيعا التثبت فيه ولا في المحيط حوله. وبعد ثوان والطبق ينزلق في الظلام، انبهروا بأنوار كثيفة داخل قاعة كبيرة يصطف على جانبيها عدد من الآلات المختلفة الأحجام تشبه الطبق الذي أقلهم. كان ذلك المكان هو المطار السري للمحطة.
ودخلا بلاد العجائب والغرائب. وازداد اضطراب حنبعل وضياعه. فلئن تعود بعد جهد جهيد على عالم الأرض الذي وجده مختلفا تماما عن العالم الذي عرفه، فإن ما رأى في هذه المغارة المنارة من كل الجهات قد أضاع توازنه، ولم يحسن حتى التنقل على الأرضية البلورية المشعّة من تحتها الأنوار. وكانت أول صدماته عندما دخل إلى غرفة ضيقة مخروطة، بعد أن خلع كل ملابسه، وتساقط عليه رذاذ أحس به يكسو كامل جسده. لم يكن الرذاذ سائلا ولا مادة رخوة، كان كالهواء الحار انتشر على كل بقعة في جسده، بل أحس به يندفع من مسام جسده إلى داخله.
ولما خرج من تحت الدش، وجد نفسه مع زوجته في غرفة ثانية لا تقل إنارتها عن كل الأماكن التي دخلاها. كانت هي مثله عارية. سألها:
-أين ملابسنا؟
بحثت داخل الغرفة فلم تعثر على أي شيء يستر عورتهما. لكن صوت تانيت فتاة الفضاء جاءهما:
-آسفة لارغامكما على اتباع طريقتنا في العيش خلال إقامتكما بيننا. فلن تضعا ملابس، حاولا أن تتعودا على العري. وبما إن الذين ستلاقيانهم في المحطة سيكونون عراة، فلن تجدا حرجا في العري.
قال حنبعل غاضبا:
-هذا تعسف!
أجابه صوت تانيت من وراء الجدران:
-تلك هي الديمقراطية يا سيد حنبعل. الرضوخ لإرادة الأغلبية. أليس كذلك؟
لم يقل حنبعل شيئا، فعادت تشرح له قرارها:
-لقد ناقشت المسألة مع أعضاء البعثة، واستقر الرأي على أن تكونا مثلنا عراة حفاة، لكن يمكنكما الاحتفاظ بشعركما.
قال حنبعل متشنجا:
-وإذا ما رفضنا؟
-أرجعناكما من حيث أتيتما.
التفت حنبعل إلى زوجته وسألها:
-ما رأيك؟
كانت رغبتها في معرفة المكان، والناس الذين يعمرونه كبيرة، فأجابت:
-نعتبر أنفسنا في الحمام العمومي، كثير من النساء يدخلن الحمام عاريات تماما، ولا يثرن أحدا.
قبل حنبعل وضعه على مضض، فقال بصوت متشنج:
-قبلنا الوضع على مضض.
ظهرت لهما فتحة في الغرفة الكبيرة الأسطوانية الشكل تشعّ داخلها الأنوار من كل جهة. تقدمت نحوهما تانيت وبابتسامتها العذبة استقبلتهما من جديد، وعادت تعتذر لهما لوجوب مسايرة نمط العيش المتبع في المحطة. ثم أعلمتهما أن طاقم المحطة مجتمع في القاعة الكبيرة للاحتفاء بهما. وتقدمت نحو الباب فأخذا يتبعانها بحذر، فكل ما حولهما يشعّ نورا، وأحسا بعريهما وسط الأنوار المندفعة من الجدران ومن الأرض البلورية التي يتنقلان عليها حافيين. كان الممر طويلا يلتف دائريا، لم يلاحظا فيه فتحات ولا أبوابا، ولم يعترضهما أحد، ولم يسمعا أي صوت، صمت رهيب يعم المكان حتى خطاهم لم يكن لها وقع ولا صدى.
كانت تانيت تتقدمهما، تمشي برشاقة، ومن ورائها حنبعل وزوجته يمشيان بحذر وكأنهما خائفان من النور المنبعث من تحتهما، يدغدغ باطن أقدامهما. ولمّا وصلوا إلى نهاية النفق الحلزوني، انفتح لهم الجدار فجأة، مما زاد في حيرة حنبعل وزوجته، فتردد قبل أن يجتاز الجدار وراء تانيت. وفجأة وجدا نفسيهما داخل قاعة على نفس الشكل، لكنها كانت أكبر، تنتشر على جدرانها البلورية نباتات خضراء يانعة. وكان في وسط القاعة جمع من الناس نساء ورجال كلهم عراة حفاة، ورغم اختلاف ألوان بشرتهم، فقد كانوا في نفس طول القامة العملاقة، ونفس جمال الأجساد، تظهر على وجوههم تلك الابتسامة العذبة التي كانت تستقبلهما بها تانيت.
تقدم أحد الحاضرين، وقد يكون كبيرهم، من حنبعل وزوجته، ودون أن يصافحهما قال لهما بلغة تانيت، والابتسامة لم تغادر وجهه:
-مرحبا أهلا وسهلا.
ثم التفت إلى الحضور وأعلن:
-هذا إنجاز عظيم حققته زميلتنا. فالرجل الماثل أمامكم هو نسخة من أعظم الرجال الذين عرفتهم الأرض، وقد نجح دون صعوبات في التأقلم مع هذا العصر رغم مرور ألفين ومأتي سنة أرضية على وفاته. وأظن أن سبب نجاحه هذا يرجع إلى حد كبير إلى هذه الفتاة الأرضية من بلده، والتي عرفت كيف تحبه، وتعيد له حبه للحياة. فالحب، هذا القاسم المشترك الذي يمكن أن يجمعنا مع إنسان الأرض، هو أكبر قيمة يمكنها أن تجعل من الأرض جنة الخلد للإنسان. وهذه التجربة دليل راسخ على نظريتنا.
ثم التفت إلى حنبعل وزوجته، وأعلن:
-فلنشرب على نخب ضيفينا المبجلين!
وتقدم نحو طاولة كبيرة عليها كؤوس تطفح بالمشروبات المختلفة الألوان. تناول كأسين ومدّهما إلى حنبعل وزوجته.
وقبل أن يرشف حنبعل السائل، تنشق رائحته فوجدها ذكية. ذاق طعمه، ثم التفت إلى أسماء وهمس لها:
-لا يحتوي على الكحول.
التفّ حولهما الجمع، وتحدثوا إليهما بود سائلين عن أحوال الأرض، وعن مصائبها. وأجابهم حنبعل بعموميات غير دقيقة. أما أسماء فلم تنبس بكلمة، كانت مبهورة بالناس حولها. لم تر في حياتها أناسا بمثل هذه القامة وهذه الرشاقة وذلك اللطف. كانت النساء خاصة ينظرن إليها بفضول وانتباه حتى تقدمت منها إحداهن وسألتها:
-أتفهمين ما نقوله لك؟
وصلتها الترجمة، فأجابت نعم بإيماءة برأسها. فعادت تسألها:
-أأنت سعيدة مع هذا الرجل القادم من أصقاع التاريخ؟
بعد قليل من التفكير قالت:
-إني أحبه!
سألتها أخرى:
-ألا تشعرين بأنكما لا تعيشان في نفس الزمان؟
التفتت إلى السائلة فبهرها حسنها. لم تر في حياتها أجمل من ذلك الوجه! ظلّت تنظر إليها بإعجاب، ثم أجابتها:
-من خصال حنبعل أنه سريع التأقلم مع الأوضاع الجديدة، وهو شغوف بالمعرفة، ولذا أشعر أنه سيستوعب بسهولة الزمان الذي نعيش فيه.
سألت إحداهن في المجموعة:
-هل يمكننا نحن أن نعيش مع الأرضيين؟
قالت لها أسماء وقد استعادت ثقتها بنفسها، خاصة أن المجموعة تعاملها معاملة الندّ للندّ، بكل تلقائية:
-ولم لا؟ لكن عليكن أن تلبسن ثيابكن وتحافظن على شعركن.
قالت لها الفتاة ذات الوجه المليح:
-إنك جميلة بشعرك المنساب على كتفيك، مع الأسف نحن فقدنا الجينات التي تنبت الشعر!
سألتها أسماء:
-وكيف ذلك؟
-تطور الجنس وتأثير المناخ. أنتم كذلك فقدتم الشعر من أجسادكم، فالحيوان الذي منه تطورتم ما زال يحمل الشعر على جسده.
ولمّا رأتهن يتثبتن في جسدها خجلت واحمر وجهها، ووضعت تلقائيا يدها على عورتها تسترها. فدهشن لتلك الحركة. لكن تانيت أنقذت الموقف إذ أعلنت:
-لا تحرجن أسماء فهي فتاة رقيقة ومحافظة. أنتن تعرفن أن جل الأرضيين يستحين من أن ترى أجسادهم عارية.
سألت أسماء مترددة:
-أين توجد محطتكم هذه ؟
تبادلن النظر، ثم قالت لها تانيت:
-في الحقيقة وجود محطتنا سر لا نرغب في إفشائه إلى الأرضيين خوفا من تطفلهم علينا. لكنها كما قلت لك من قبل توجد على مشارف الصحراء. هل ترغبين في زيارة أجنحة المحطة؟
أومأت بالقبول، فصحبنها في جولة في أجنحة المحطة، بينما بقي حنبعل يتحدث مع رئيس المحطة القانمادية.
كان العالم القانمادي على دراية كبيرة بأوضاع الأرض والأرضيين. وقد اقتنع بعد حديثه مع حنبعل أنه يجهل تماما تلك الأوضاع. فهو ما زال يعيش بمعرفة الألفية الأولى قبل الميلاد. فأخذ يحدثه عن الجغرافيا السياسية الحالية على كوكب الأرض. وقد استعان في شرحه بالشاشة الافتراضية والخرائط المختلفة للكوكب. لكن حنبعل لم يفهم الكثير من تلك الشروح، وقد تفطن العالم القانمادي لذلك فسأل حنبعل:
-هل ما زلت تهتم بالسياسة؟
ظلّ حنبعل يفكّر، ثم أجاب:
-الذين يهتمون بالسياسة هم الفاعلون فيها، أمّا أنا فلم أعد فاعلا في شيء، أني جئت إلى عالم لا أفهمه جيدا.
-لو ساعدناك على فهم عالمك هذا فهل يمكنك أن تعود فاعلا؟
-لا يمكنني الجواب إلا بعد أن أعي ظروفي وظروف المحيط.
-سوف نعدّ لك برنامجا تثقيفيا يمكنك من الفهم الجيد للمستجدات في عالم اليوم.
صمت لحظة ثم أضاف:
-التغيير الذي حصل بين عالم اليوم وعالمك القديم هو في الشكل لا في اللب. فالإنسان بقي شرسا، احتكاريا، يقدّس القوة والعنف، ويخطط للدمار. لقد سخر الجزء الأكبر من التقدم العلمي الذي أنجزه لبلورة وسائل الدمار، وحتى التقدم الاقتصادي الذي حصل عليه كانت نتائجه وبالا على الطبيعة. عالم الأرض اليوم يا حنبعل تترقبه أخطار يمكنها أن تقضي على كامل الكوكب الجميل…
قاطعه حنبعل سائلا:
-وما هي هذه الأخطار؟
-أخطار بيئية وأخرى متأتية من ترسانة الأسلحة الفتاكة التي يتفنن الإنسان في اختراعها. تصور يا حنبعل أن إنسان اليوم الذي يدّعي التقدم ينمي الأوبئة ليحارب بها أخاه الأرضي! وأنه يفجر الذرة ليقضي على كل المخلوقات الحيّة! ويحارب التنوع الثقافي ليجعل من النموج الاقتصادي والاجتماعي السائد النموذج الأوحد على وجه الأرض من أجل الربح الآني وجشع حفنة من الميسورين!
قال حنبعل متضايقا:
-لن أفهم هذه الأشياء قبل أن تكون في حوزتي كل المعلومات التي تمكنني من صورة واضحة عن هذا العالم الغريب الذي حللت به.
أجابه العالم القانمادي منشرحا:
-سنساعدك على فهمه، وربما تتحمس لفعل شيء يغلّب كفّة المجموعات البشرية الواعية بكل هذه الأخطار والّذين بدؤوا يقاومون من أجل نمط جديد للعيش على الأرض.
عندما التفت حنبعل إلى القاعة وجدها فارغة، لم يبق فيها سوى العالم القانمادي الذي يتحدث إليه. لكن صاحبه طمأنه قائلا:
-تبحث عن أسماء؟ إنها تقوم بجولة بين أجنحة المحطة.
ثم رافقه إلى المجموعة التي كانت تتنقل مع زوجته بين أروقة المحطة وحدائقها. وبعد العشاء عاد حنبعل رفقة زوجته وتانيت إلى بيته على جناح الطبق الطائر.

4

عندما نهض حنبعل في الصباح وجد نفسه يردد “أمريكا… أمريكا” وضع يده على جسد زوجته فالتفتت إليه مذعورة، وسألته:
-ما بك؟
-من هي أمريكا؟
-دولة عظمى. وما شأنك بها؟
صمت وظلّ شاردا. سألته:
-ما الذي ذكّرك بأمريكا؟
-لقد سمعت هذا الاسم البارحة عندما شرح لي العالم القانمادي خريطة عالم اليوم، فبقي صداه يرنّ في ذهني حتى نهضت اليوم وأنا أردده.
دفعت أسماء الغطاء وخرجت من الفراش، وتوجهت إلى الحمام، لكن حنبعل ظلّ مشغولا بأمريكا.
سأل بأعلى صوته:
-أين توجد أمريكا؟
أتاه جوابها وكأنه من قاع البئر:
-في أمريكا!
نهض مسرعا إلى الحمام. وجدها داخل الحوض وقد غطت جسدها رغوة بيضاء. جلس على مقعد صغير بدون ظهر وعاد يسأل:
-هل تعرفين أمريكا؟
-زرتها عندما كنت طالبة، لكني لم أحتفظ منها بذكريات جميلة.
-لماذا؟
-كانت الرحلة شاقة وطويلة، وكانت الأماكن متباعدة بحيث قضينا جل الوقت في السفر. كان نسق الحياة هناك سريعا جدا لم نتمكّن من مجاراته. أمريكا عالم آخر يا حنبعل!
ظل يفكّر وشقشقة ماء الحوض تملأ أذنيه. “لم تكن أمريكا موجودة في عصره. قرأ رحلات حنّون وعملقون عبر الأطلسي إلى أصقاع إفريقيا السوداء، وأروبا الشمالية وكانت تمثّل حدود العالم، ولم يتمكن أحد بعد حنّون من اكتشاف أصقاع أخرى.” ثم عاد يسأل أسماء:
-لماذا لا نسافر إلى أمريكا؟
طلبت منه مناولته البشكير. تلفّفت فيه وخرجت من الحوض والماء يقطر من رجليها، ثمّ قالت له وهي تنشف شعرها:
-وهل تتصور أنك تحصل بسهولة على تأشيرة لأمريكا في هذه الأيام؟ لقد خرّب بن لادن أمريكا، ولم تعد ترغب في مجيء العرب.
ضمها إليه وهمس لها:
-لا عليك سنسافر إلى أمريكا في أقرب وقت.
قالت له منزعجة:
-لا تطلب مني أن أسعى لك في الحصول على تأشيرة، فمشقتها لا تساويها مشقة.
-سأطلب من تانيت، فهي قادرة على كل شيء.
تركته واقفا في الحمام وخرجت غاضبة معلنة:
-ربّتك تانيت قادرة على كل شيء!
ادركها بغرفة النوم وقد خلعت البشكير وظهرت فاتنة في عريها. مسح على كتفها وداعبها قائلا بصوت حنون:
-كانت تانيت ربة كل القرطاجيين، أما هذه فهي قادمة من السماء، صنعتني من جديد، لكنك أنت الوحيدة التي نفخت في روحي الحب، فأحببتك وأحببت الدنيا. تانيت ستساعدنا على السفر إلى أمريكا. أريد أن أراها، لقد قال لي العالم القانمادي إنها روما هذا العصر.
التفتت إليه وهمّت أن تسأله، لكنه غمرها واندفع يقبّل ثغرها بجموح. ثم قال لها:
-سأطلب تانيت وأعرض عليها مشكلة سفرنا إلى أمريكا.
ودون انتظار ردها، تحدث إلى تانيت:
-حنبعل يطلب تانيت!
أجابته، فطلب منها أن تساعده على السفر إلى أمريكا. قالت له أنها آتية عنده بعد غروب الشمس لتتحدث إليه حول الدروس الخاصة التي ستمكنه من فهم أعمق للحياة العصرية. التفت إلى أسماء وقال لها:
-ستكون عندنا هذه الليلة.
ولما رأى فتورها سألها:
-لماذا تغارين من امرأة لا يمكنني أن أعشقها؟ فهل تغارين من ربّة؟
جلست على السرير ترتدي ثيابها، فجلس حذوها يداعب جسدها. سألته:
-هل سيكون عندنا نقود كثيرة عندما نسافر إلى أمريكا؟
-البطاقة المغناطيسية لا تنضب حسب ما قالته لي تانيت.
قالت بالفرنسية زاهية:
- !Chic alors سأشتري أشياء كثيرة لم أكن قادرة على شرائها في رحلتي الأولى عندما كنت طالبة!
ظلّت تحلم كالبنية صباح يوم العيد. لكنه أخرجها من حلمها عندما قال لها:
-أين ذلك الصندوق العجيب الذي قرأت فيه قصة حياتي؟
-تقصد الحاسوب؟
-سميه ما شئت، أريد أن أعرف ما يحتويه من معلومات عن أمريكا.
-هل تريد الدخول إلى الإنترنت؟
-وماذا تعنين بهذه الكلمة؟
-الإنترنت هو عبارة عن مكتبة إلكترونية ضخمة مفتوحة لكل الراغبين في استقاء المعلومات أو بثها.
-جميل، افتحي لي هذه المكتبة.
ارتدت ثيابها ثمّ جلست معه في الصالون وجاءت بالحاسوب المحمول وشغلته، وابحرت في عالم الإنترنت. سألته:
-هذه مكتبة مجلس الشيوخ الأمريكي، ماذا تريد أن تأخذ منها؟
-وماذا يوجد فيها؟
بعد أن تصفحت قائمة المعلومات المتوفرة في المكتبة الإلكترونية، سألته:
-هل تريد أن تقوم بزيارة في أروقة وقاعات مبنى مجلس الشيوخ؟
-وهل هذا ممكن؟
-زيارة افتراضية بالطبع!
وقبل أن يجيب، قربت منه شاشة الحاسوب وعليها شريط من الصور لمبنى المجلس، خارجه وداخله، قاعاته المتعددة، وجلساته النشطة، رئيسه ونوابه، صور كثيرة للوثائق قديمها وحديثها. كانت الصور حية تكاد تنطق، فانبهر بها حنبعل ولم تصدق عيناه ما رأى. عندما انتهى الشريط قالت له:
-يمكنك أن تزور كل البلاد الأمريكية دون أن تغادر مكانك. هل تريد زيارة البيت الأبيض حيث يقطن رئيس أمريكا؟
-وكيف ستتنقلين إليه؟
-سأطلب موقع البيت الأبيض.
وبعد الطلب جاءتها صورة كبيرة للبيت الأبيض بحديقتها الخضراء الشاسعة. ثم صورة الرئيس بوش. قالت له أسماء:
-هذا الرجل يقولون عنه إنه أخطر رجل على الأرض.
-لماذا؟
-لأنه يهوى سفك الدماء.
-وليس له من يردعه في مجلس الشيوخ؟
-تعرف جيدا يا حنبعل أن الديمقراطية البرلمانية مبنية على التكتلات ومصالح الأغنياء. ألم يكن مجلس شيوخ قرطاج لعبة في أيدي أقلية من التجار الكبار؟
-وهل مجلس شيوخ أمريكا يرضخ إلى هاو يسفك الدماء؟
-ما دام يخدم مصالح الأغنياء.
-ولماذا ترتبط مصالح الأغنياء بسفك الدماء؟
-أوه! أوجعت رأسي بالسياسة! أنا أكره السياسة والسياسيين، فكف عن أسئلتك يا حنبعل، واترك السياسة، وفكّر في الحياة.
قال متحمسا:
-سوف أزور أمريكا!
قالت له مستغربة:
-من أجل السياسة!
أجابها حالما:
-من أجل فهم هذا العصر.
بعد أن استوعب كيفية الإبحار عبر شبكة الإنترنت، قضى حنبعل كامل اليوم متنقلا بين مسالك ومنعرجات وخفايا تلك المكتبة الإلكترونية العجيبة. وكانت أسماء تلازمه، لأن اللغة كانت عائقا كبيرا عن الإبحار بسهولة. وعند المساء قدمت تانيت كعادتها عارية، ودخلت عبر النافذة على بساطها الطائر. رحب بها حنبعل بلطف، بينما استقبلتها أسماء بفتور. هذه المرأة العارية ترفض حتى شرب الماء عندهم!قالت في نفسها:
“ما يكبر في دارو كان لقرع!”
لكنها لم تتركها ولو لحظة منفردة مع زوجها.
قالت تانيت لحنبعل قبل أن يطلب منها مساعدته على مستلزمات سفرته إلى أمريكا:
-ستدخل المدرسة الافتراضية. فقد هيأ لك عالم الشؤون البيداغوجية برنامجا يمكنك من استيعاب كل المعلومات التي ترغب فيها بسهولة ودون عناء.
سألها متلهفا:
-أين هو؟
-بالمحطة.
-وتريدين أن أسافر يوميا إلى المحطة لأتعلّم؟
-لا داعي إلى السفر. ضع هذه الخوذة على رأسك، واطلب المعلم الافتراضي، فسيحضر على الشاشة الافتراضية، ويمكنك التخاطب معه وكأنه أمامك.
وضع حنبعل الخوذة الصغيرة على رأسه، وترقب لحظة، ثم سمع في أذنه أحدا يخاطبه، ويقول له أن يختار جنس المعلم وملامحه. ظلّ حنبعل يفكّر، ثم أعلن:
-أريده أن يشبه ساليلوس.
ولم تمض بعض الدقائق حتى ظهرت أمامه شاشة كبيرة ملأت فضاء الصالون يجلس داخلها شيخ ذو لحية بيضاء، وشعر طويل أبيض، وعينين كبيرتين تتفحصانه بانتباه شديد. فزع حنبعل لرؤية ساليلوس كما عرفه قبل أن يفترقا في قرطاج منذ ألفين ومائتي سنة. بقي في ذهوله حتى أتاه صوت يشبه صوت ساليلوس يقول له:
-مرحبا بك يا قائدي العظيم. جميل أنك تعود إلى التعلم. بأي علم تريد أن تتزود؟
بعد الدهشة الشديدة التي أصابت حنبعل، همزته أسماء هامسة:
-قل له إنك تريد تعلم اللغة الإنجليزية.
استدرك حنبعل وقال:
-هل بإمكانك تعليمي لغة أهل أمريكا؟
-طيب. سأعد البرنامج، ونبدأ غدا عند الصباح الباكر. أريدك خالي الذهن، ولا أرغب في وجود أحد معك.
ثم اختفت الشاشة الافتراضية. التفت حنبعل وهو لا يصدّق ما كان يجري على الشاشة، وسأل تانيت:
-ألا تشرحين لي كيف تشتغل كل هذه الأمور المتشعبة؟
-هذه أمور بسيطة: فأنت عندما وضعت الخوذة على رأسك مكنت دماغك من الاتصال مباشرة بالحاسوب المركزي في المحطة. وبدوره قام الحاسوب المركزي بربط الاتصال بدماغك، وببيتك، وأرسل لك الشاشة الافتراضية…
قاطعها حنبعل سائلا:
-وكيف تشتغل هذه الشاشة المعلقة في الفضاء؟
-الشاشة الافتراضية متكونة من خيوط إلكترونية متنقلة عبر اللاسلكي تسمح بإنشاء عمق لالتقاط الصور الإلكترونية المبثوثة من الحاسوب المركزي عبر اللاسلكي.
-لم أفهم جيدا!
-أصغ إلي جيدا. الصورة أو الصوت الإلكتروني يمكنهما التنقل بسهولة في الفضاء عبر الأمواج الاصطناعية. تلك الصور التي رأيتها منذ حين هي في الحقيقة أمواج إلكترونية بعث بها الحاسوب المركزي من المحطة إلى قمر اصطناعي يدور حول الأرض، والذي بدوره بعثها إلى بيتك، فالتقطها جهاز صغير وضعناه على سقف بيتك، ومنه دخلت الصالون وعرضت على الشاشة الافتراضية. لكن لا عليك من فهم الآلة، استوعب المعرفة التي سيمدك بها معلمك الافتراضي.
سأل حنبعل مستغربا:
-وكيف توصلتم إلى صورة ساليلوس؟
-هي الصورة التي كان يرسمها دماغك عندما سألك الحاسوب عن جنس المعلم وشكله.
قال حنبعل مستغربا:
-هذه أشياء صعبة على فهمي!
والتفت إلى أسماء وسألها:
-هل تفهمين شروح تانيت؟
-نحن لا نستعمل الشاشة الافتراضية، فقد رأيت نوع الشاشة التي نستعمل. كما أننا عند الاتصال عن بعد بواسطة الحاسوب نستعمل خيوط الهاتف. ربما تقنياتهم متقدمة أكثر من التقنيات المستعملة الآن على الأرض.
قال حنبعل حالما:
-ما زلت أعيش في العصر الحديدي، لكن لا بأس فسوف أستوعب كل هذه الأشياء.
همزته أسماء وهمست له:
-حدثها عن سفرتك إلى أمريكا!
قالت تانيت وقد أدركت ما همست به أسماء لزوجها:
-لقد تحدثنا في الموضوع. ليس من السهل أن أترككما دون حماية، ولذا قررنا أن نوصلكما إلى حيث تريدان السفر، ونتدبر الأمور الشكلية حتى تتجنبا تعقيدات بيروقراطية النظم السياسية. قال حنبعل:
-جيد.
ثم أضاف:
-لن أسافر قبل أن أتعلم لغة البلاد




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„