ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل ... 9


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1123 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



ومن الغد بدأ حنبعل يتعلّم اللغة الإنجليزية بلهجتها الأمريكية. كانت طريقة التعليم حية وجذابة، فلم يجد حنبعل أية صعوبة في استيعاب اللغة ولهجتها، ومفرداتها، وطريقة النطق السليم. فالدرس عادة ما يدور في وسط افتراضي يجسد الواقع الاجتماعي، ويسمح لحنبعل بالتخاطب مع الشخصيات الافتراضية التي تعرضها عليه الشاشة. فلا أستاذ يسأل، ولا كتب تفتح، ولا تمارين مملة.
قال له ساليلوس الافتراضي من البداية إن اللغة ليست علما مجردا، بل هي ممارسة واقعية. ولذا كانت كل الدروس تدور مع أشخاص، وإن كانوا افتراضيين، ولكنهم يتفاعلون مع حنبعل، ويثيرون فضوله، يسألونه ويتحدثون إليه، ويوهمونه أنه يتنقل معهم في وسائل النقل، أو يصعدون معه المصعد، أو يحتسون معه القهوة. فينسى حنبعل حتى حقيقته، ويتحول افتراضيا إلى المجتمع الأمريكي يعيش كما يعيش أهله.
ومن درس إلى آخر تحسنت نتائجه، وأصبح يجيد النطق الأمريكي، وتسلسل الجمل، والنغمة الخاصة باللهجة. ولم ينقض شهر حتى صار حنبعل ماهرا في التخاطب بالإنجليزية، رغم أنه لم يتعلم بعد الكتابة بها. كانت الدروس مركزة على لغة التخاطب، ولم يكن حنبعل بحاجة إلى لغة الكتابة، فلم ير معلمه داعيا لشغله بمعرفة لم يكن في حاجة إليها.
وكان في الآن نفسه يتمرس بالمجتمع الأمريكي من خلال سلسلة من الأفلام الوثائقية، تشرح كل خفايا ذلك المجتمع المليء بالتناقضات. ودأب كل ليلة على الإبحار مع أسماء في عالم الإنترنت، يكتشف المواقع المختلفة، ويطّلع على الجمعيات الكثيرة التي تعمر المكتبة الإلكترونية، ويبعث بالرسائل الإلكترونية ليستفسر، أو يشتري كتبا ومجلات، أو يتحاور في شؤون يعرفها مثل التاريخ القديم، حتى توصّل إلى ربط علاقات بشبكة تعتني بهذا الموضوع. وكانت ذاكرته قد استرجعت جزءا كبيرا من معرفته للعصور القديمة، مما جذب إليه المختصين في التاريخ القديم، فأصبح موقعه منارتهم يبعثون إليه باستفساراتهم، ويبحثون معه مباشرة عن طريق الشاشة الصغيرة مواضيع كانت تؤرقهم.
وفي يوم من الأيام وصلته دعوة لحضور ندوة تقام في إحدى الجامعات الكبرى الأمريكية، فكانت فرحته عظيمة، وأعلم للتوّ تانيت التي رحبت بالفكرة، لكنها رجته ألاّ يتخذ قراره إلا بعد دراسة الموضوع من كل جوانبه. وأخيرا قرر أن يسافر مع زوجته إلى أمريكا. ولكن تانيت اعترضت على سفرهما بالطائرة. قالت له شارحة موقفها:
-أخاف عليك من طائراتهم المتخلفة.
-وما العمل؟
-سنوصلكما على متن الطبق الطائر.
تدخلت أسماء سائلة:
-حتى لو حصلنا على التأشيرة، ماذا تفعلين بإجراءات عبور الحدود؟
قالت لها بعد هنيهة من التفكير:
-سنتصرف على عين المكان.
عادت تسألها:
-وكيف سيتحصّل على جواز سفر من السلط التونسية؟
-لا عليك هذه الأمور تحلّ في أوانها.
التفت حنبعل يقول لزوجته:
-اتركي ربتي تتصرف فهي قديرة مثل الآلهة.
تمتمت أسماء داخلها:
“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!”
كان الصمت سائدا بين الجميع عندما سألت تانيت حنبعل:
-لماذا تصرّ على السفر إلى أمريكا هذه؟
بعد هنيهة من التفكير قال لها:
-لقد اكتشفت وأنا أطالع تاريخ هذه الدولة ومقوماتها أن قرطاج كادت تكون مثلها لو عرف القدامى كيف يخططون بروية لتكوين دولة كبرى تمتد من قرطاج إلى إسبانيا. لو انتصرت على روما لأصبح كامل الحوض المتوسط الغربي تحت السيطرة القرطاجية، ولأمكن عندذاك أن نبني سوقا حرة تشمل كامل أجزاء البحر المتوسط دون اللجوء إلى الهيمنة السياسية، أو الحروب المدمرة التي اجتاحت المنطقة بسبب التوسع الروماني. ولأمكن نشر ثقافة مغايرة للّتي نشرتها الهيمنة الرومانية المذلة للشعوب والمستعبدة لها والناهبة لخيراتها.
قالت له تانيت مستغربة:
-لكن أمريكا هي دولة إمبريالية تستغل الشعوب، وتحارب كل من يعارض هيمنتها، وهي فوق كل ذلك تهدد الأرض بالفناء من جراء ترسانتها من أسلحة الدمار الشامل، وتلويثها الخطير للبيئة. أنسيت هذا يا حنبعل أو انطلت عليك الدعاية الأمريكية التي يروج لها في كل وسائل الإعلام حتى الإنترنت؟
أجاب بهدوء:
-لست غبيا. إني أفهم جيدا أمور السياسة. لكن بذور الخير في المجتمع الأمريكي جلية لكل من يريد أن يرى بموضوعية. لقد اتصلت عبر الإنترنت بجمعيات أمريكية تناضل من أجل حماية البيئة، وأخرى تندد بأسلحة الدمار الشامل الأمريكية. ويوجد كذلك سياسيون أمريكيون يعارضون الهيمنة والإمبريالية وكل أنواع التسلط التي تفرضها سياسات الشركات الكبرى. المجتمع الأمريكي يعيش تناقضات كبيرة، فهمتها جيدا، وأرغب في رؤيتها عن كثب. ولذلك أريد السفر إلى أمريكا.
-عندما نهيئ كل مستلزمات السفر سوف يحملكما الطبق الطائر إلى أمريكا.
ظلّت تنظر إليه مبتسمة، ثم سألته:
-في أي مدينة من مدن أمريكا تريد النزول؟
أسرع يجيب:
-في نيويورك.
-ولماذا هذه المدينة بالذات؟
-لأن اسمها وحتى موقعها يشبه قرط حدشت. أليس كذلك؟
-أنت أدرى مني بهذه الأمور. لكن لا تحلم كثيرا، فأمريكا ليست قرطاج!
ثم غادرتهما من النافذة كالعادة على بساطها الطائر.
خرج حنبعل مع أسماء للعشاء في مطعم فاخر من مطاعم الحمامات الكثيرة، وسهرا إلى ساعة متأخرة من الليل في أحد النزل الفخمة التي تعج بها الحمامات، ثم عادا إلى بيتهما سعيدين. لكن حالما دخلا البيت قال حنبعل لزوجته راجيا:
-افتحي ذلك الصندوق العجيب!
-الساعة متأخرة، اترك ذلك إلى الغد.
أصبح حنبعل مدمنا على الإنترنت، لا يحلو له نوم إلا عندما يقوم بجولة ولو سريعة بين مختلف المواقع التي اعتاد الإبحار إليها. فأسرع إلى المكتب يشغّل الحاسوب، ويدخل عالم الإنترنت. وأول ما سعى إليه هو بريده الإلكتروني. فوجد قائمة من الرسائل المختلفة، والإعلانات الإشهارية، والمقالات الصحفية للجمعيات الكثيرة التي لا تجد إلا الإنترنت وسيلة للتعريف بمواقفها. تصفح البريد بسرعة، وتوقف عند رسالة من إحدى الجامعات الأمريكية المتخصصة في الأبحاث في علوم الإنسان. قرأ الرسالة، ثم نادى على أسماء، وقال لها مزهوا:
-سنكون في ضيافة جامعة نيويورك، فقد أعلموني أنهم سيبعثون لنا تذاكر السفر، وسيتدخلون لدى سفارتهم في تونس لتسهيل الإجراءات، وسيكونون في استقبالنا في المطار عند حلول طائرتنا.
قالت له متحمسة:
-هكذا تستغني عن تانيت!
التفت إليها ضاحكا وسألها:
-لماذا تريدين الاستغناء عنها؟ ألم تكن وراء كل ما ننعم به من خيرات؟
همست له:
-لا أريد أن يشاركني في حبك أحد!
قبّلها قبلة طويلة، ثم قال لها:
-دعيك من هذه الوساوس. هيئي نفسك للسفر. فسأجيبهم أننا سنكون في نيويورك عمّا قريب.
-قبل أن تجيب استشر تانيتك!
أسرع يطلب تانيت ويعلمها برسالة الجامعة وبقراره السفر في أقرب وقت. أجابته أنها ستدرس المسألة وستتصل به لاحقا. وقبل السفر بيوم واحد رحل حنبعل وزوجته إلى المحطة القانمادية على مشارف الصحراء، وبعد أن ناولته تانيت جوازي سفرهما، مع تأشيرة السفارة الأمريكية، وحتى تأشيرة الدخول من مطار نيويورك، وبالحجز في نزل فخم في قلب المدينة، وببعض النقود الأمريكية، استقلا بمفردهما الطبق الطائر الذي حط بهما في غضون دقائق بالحديقة المركزية لمدينة نيويورك.
كان المكان الذي حط به الطبق الطائر بعيدا عن كل حركة. وقبل أن يغادرا الطبق وصلهما صوت تانيت تهنئهما بسلامة الوصول، وتشدد على احترام التوصيات التي أمدتهما بها قبل رحيلهما، كما أكدت لهما أنهما في حماية الروبوات المجهرية من أي اعتداء يمكن أن يحصل لهما.
نزلا من الطبق، وسرعان ما اختفى تاركا شرارة صغيرة في السماء الحالكة. ظلآ فترة من الزمن في دهشة، ينظران في كل الاتجاهات، ثم تقدم حنبعل ببطء على العشب الطري المبلل، وبجانبه أسماء متشبثة بذراعه، غير واثقة بأنها فعلا وصلت إلى أمريكا.
كان حنبعل يلبس كسوة داكنة وربطة عنق، وعلى رأسه قبعة إفرنجية، ويحمل في يده معطفا صوفيا، ومحفظة جلدية. أما أسماء فكانت ترتدي فستانا فاخرا، ومعطفا من الجلد البني، وحذاء ذا كعب عال، وحقيبة سوداء تلمع تحت أنوار الفوانيس الباهتة، في ذلك الركن المنعزل من الحديقة الشاسعة الغناء. لم يكن زيهما ليلفت انتباه أحد في خضم ذلك التنوع من البشر الذين يملؤون شوارع المدينة الضخمة.
عندما بلغا طريقا ضيقة معبدة، توقفا، وأخذ حنبعل من جيب سترته خريطة صغيرة، ثمّ اقترب من الفانوس وتفحصها جيدا، ثم أمسك بيد أسماء واندفع يمشي بكل ثقة في الممر الضيق الطويل حتى وصلا إلى ساحة كبيرة يتصدرها حوض تتعالى داخله دفقات الماء تنيرها الأضواء. عاد حنبعل يتصفح الخريطة فقرأ “نبع بولتزار”. نظرا في كل الجهات حتى عثرا على لافتة تدل على اسم النبع فتأكدا من صحة الاتجاه. دارا بالحوض حتى ظهر لهما من بعيد الباب الحديدي العريض الخارجي للحديقة. توجها نحوه، وعندما تخطياه استقلا تاكسي للذهاب إلى نزل فخم يدعى “بلازا هوتيل”. وبعد أن دفع حنبعل أجرة سائق التاكسي، نزل مع زوجته، ودخلا النزل وكأنهما يعرفانه منذ زمان. تقدما إلى الاستقبال، وقدّم حنبعل الفاكس إلى العون، وبعد أن تثبت في أحد القوائم، نادى على الخادم، وناوله مفتاح الجناح الذي حجزته لهما تانيت.
دخلا المصعد يتبعان الخادم، وما إن أغلق حنبعل باب الجناح وراءه حتى التفّ حول أسماء يعانقها، ويهمس لها:
-أحسست بك خائفة ترتجفين طيلة السفرة، وأثناء اختراقنا للحديقة.
همست وهي تداعب شحمة أذنه:
-لم أصدق أن ما حصل كان واقعا!
خطا بها حتى السرير واستلقيا ينظران إلى السقف العالي المزركش بالنحت الجميل. قال لها حنبعل:
-لم أعد أستغرب أي شيء.
عادت تتساءل:
-هل يمكن أن نقطع كل تلك المسافة في غضون دقائق؟
التفتت إلى حنبعل تنظر إليه وتقول حالمة:
-عندما سافرت إلى أمريكا منذ سنوات، قضيت في السفر أكثر من ثماني ساعات. ركبنا طائرة حتى مطار روما. وهناك ترقبا أكثر من ساعتين حتى أقلتنا طائرة أخرى إلى تورنتو. ثم بعد أن قضينا الليلة بكندا امتطينا الحافلة. كانت رحلة شاقة إلى أقصى الحدود. أما هذه فلم أسترجع أثناءها أنفاسي حتى وجدتني في الحديقة المركزية. ألا ترى أنه شيء لا يصدق؟
قال لها مستغربا:
-وتسألينني أنا الآتي من العصر الحديدي؟ لقد تعودت على السرعة. فما الفرق بين آلة تطير بسرعة الصوت وأخرى بسرعة تقترب من سرعة الضوء. إنه التقدم العلمي. سكان الأرض الحاليون متأخرون عن سكان قانماد، كما شعرت أنا بالتأخر عنكم، في ميادين علمية كثيرة.
صمتت أسماء ثم تساءلت:
-لم أفهم كيف تحصلت تانيتك على التأشيرة من السفارة الأمريكية بتونس، ثم على خاتم الجمارك لمطار نيويورك؟
-أظن إنها استعانت بالروبوات المتطورة التي يمكنها دخول أي مكان دون أن يتفطن لوجودها البشر. عالمكم غريب، ولكن عالمهم أغرب!
قالت له أسماء منشرحة:
-دعنا من هذه الأشياء المحيرة، ولنغتنم حاضرنا، منهاتن هي أم اللهو في الدنيا. سننزل حالا نتجول بين شوارعها.
-وهل تعرفينها جيدا؟
-لا عليك. عندما نشعر بالإرهاق أو بالضياع نأخذ تاكسي تعيدنا إلى النزل.
ودون انتظار أمسكت بيده وجرته وراءها خارج النزل إلى الشوارع المتأججة بالأنوار في بلاد اللهو والمجون.

6

عندما عادا إلى النزل في ساعة متأخرة من الليل وقد أخذ منهما الإرهاق مأخذا، بعد جولة بين الشوارع المكتظة بالسياح والأضواء والضجيج والمغازات المفتوحة كامل الليل تعرض كل أنواع السلع، وبمختلف قاعات العرض لأنواع متعددة من فنون الفرجة، وقد أكلا وشربا، واشتريا ملابس وتحفا، وتفرجا على عروض موسيقية مختلفة، وشاهدا أنواعا من عروض الجنس المبتذلة، قال حنبعل لأسماء مستغربا:
-لماذا كل هذا الجنون؟
قالت له في انشراح:
-الحياة قصيرة، والزمن سريع، والناس يخافون الموت المترصد في كل لحظة. ألم تشعر أننا عشنا في غضون ساعات أعواما كاملة؟
-لن أفهم عصركم!
-ولماذا تريد فهمه؟ عشه وكفى! تمتع بالحياة كما جاءتك ولا تتفلسف كثيرا، فأنت محمي من كثير من أخطار هذا الزمان.
-لكني إنسان، والإنسان الخالي من الحيرة يصير آلة أو حيوانا.
تركته واندفعت إلى الحمام. ظل واقفا أمام النافذة ينظر إلى الشارع، حيث بدا فيه الناس كالدمى وهو في أعالي العمارة الشاهقة. نظر إلى الأفق المفعم بالأنوار، تتعاقب فيه اللافتات الإشهارية المنارة بألوان زاهية، فشعر أنه يحلق وتتنقل به الغرفة، فأحس بالدوار، وابتعد عن النافذة ليرتمي على السرير، ويغمض عينيه وكأنه يهرب من هذا العالم العجيب. حتى عندما خرجت زوجته من الحمام ملفوفة بالبشكير، لم يفتح عينيه. سألته مستغربة:
-أتنام ببدلتك؟
فتح عينيه ونظر إليها وقد تعرت تماما، ثم انهمكت تبحث في حقيبتها عن صندوق صغير أخرجته، واقتربت منه، وفتحت الصندوق عارضة له خاتما جميلا من الألماس، وسألته:
-هل أعجبك؟
انتزعه من الصندوق وألبسه إياها، وقال لها:
-لماذا الألماس؟
-لأنه صاف كقلبك يا حنبعل!
ثم ارتمت عليه تقبّله بجموح، وتهمس إليه:
-هذه هي السعادة يا حبيبي!
كان عبق جسدها منعشا، فظلّ فترة من الزمن غامسا وجهه بين نهديها، في نشوة واسترخاء، حتى سمعها تقول مستغربة:
-ألم يعجبك خاتمي!
قال حالما:
-سأختار لك آخر يتماشى مع ذوقي.
عندما اندسّت داخل الفراش بجانبه، قالت له:
-لقد اشتريت فستانا سكري اللون في تناسق مع لون الخاتم لأخرج به غدا عندما تكون بالجامعة.
-وهل ستتركينني وحدي مع أناس لا أعرفهم؟
-لقد طلقت الجامعة منذ زمان ولا أرغب في العودة إليها. ثم إنك ستخاطبهم في الهاتف ليأتوا إلى النزل يستقبلونك. أليس أفضل لك ولي؟
كان حنبعل في حيرة، فقد أخافته هذه البلاد الكثيرة الحركة، وجدها أكثر جنونا من كل الأماكن التي عرفها. فسأل أسماء:
-ومتى نلتقي إذن؟
بعد هنيهة من التفكير قالت له:
-لا بد أن تقتني هاتفا محمولا. غدا اشتري لك الهاتف وأدربك على استعماله. وهكذا يمكننا أن نتصل ببعضنا عن بعد في أي لحظة نشاء.
نام حنبعل ليلته مضطربا. فقد شعر أنه انتقل إلى عالم آخر مغايرا للعالم الجديد الذي قضى زمنا ليتأقلم معه. ولم يغف قليلا حتى أفاق على كابوس أقضّ مضجعه، وجعله يصرخ بدون أن يسمع لصراخه صوتا. جلس على الفراش والعرق يتصبب منه، فنهضت أسماء والتفتت إليه تسأله عن سبب اضطرابه.
قال لها وهو حاني الرأس، وصور الحلم ما زالت عالقة بمخيلته:
-كان الحلم مريعا، لم أشعر بالخوف في حياتي كما كنت في ذلك الحلم.
بعد صمت طويل طلبت منه:
-قص عليّ حلمك وسوف تتخلص من رواسبه.
رفع نحوها بصره ثم سألها:
-هل تعرفين تفسير الأحلام؟
-قص عليّ الحلم وسوف نناقش رموزه!
-عند بداية الحلم كنت في مدينة قرطاجنة بإسبانيا مقيما في الريف في ضيعة صغيرة كانت على ملكي، أربي فيها الخيل وبعض الأبقار. كنت أتجوّل بمفردي بين البراري الزاهية، وكان الفصل ربيعا، والطبيعة غناء، والطيور تغرد، والشمس تشع بنور فياض. وعندما رجعت إلى البيت الريفي الصغير لأستريح قليلا قبل العودة إلى قرطاجنة، وبينما كنت داخل بهو البيت، وهو عبارة عن ساحة دائرية مبلطة بالحجارة الملساء، إذا بثور هائج يخترق الباب بعنف ويقف وراءه. التفتت إليه مستغربا، فراعني المشهد.
كان الثور غريب الشكل، فالرأس رأس ثور عات ومرعب، والجسد جسد امرأة جميلة فاتنة. بقيت مشدوها أمام ذلك الحيوان الغريب، ولم أدر ما يمكنني فعله. كان موجها بصره إليّ يتفحصني بدقة، يقف كالإنسان على رجليه العاريتين. وكنت في البداية خائفا، ثم لمّا لم تصدر منه أية حركة، طفقت أتسلى بشكله الغريب وقد شدّ انتباهي فتنة الجسد. فقد كان متناسق الأعضاء: نهداه كاعبان، وبطنه مدور، وفخذاه مجدولان. لكن عندما رفعت بصري إلى الرأس أحسست بقشعريرة تخترق كامل جسدي. كان في عدوانيته مخيفا، له عينان محمرتان يتطاير منهما الشرر، وأنف غليظ ينساب منه شيء كريه كالمخاط، وفم لاهث يخرج منه بخار كالدخان.
كان التناقض بين الرأس والجسد بيّنا، أشعرني بالحيرة والضياع، لكنني بدون أن أفكر تقدمت خطوات نحوه، فما كان منه إلا أن اندفع نحوي بسرعة لم تترك لي المجال للهرب، فتسمرت في مكاني حتى أدركني، ووجه نحوي قرنيه المذببين، وبكل ما أوتي من قوة هجم علي يغرز قرنيه في جسدي. أخذت أصرخ بأعلى صوتي مستغيثا حتى أفقت مذعورا والعرق يتصبب من كامل جسدي.
صمت حنبعل وطفق يتمتم:
“سينزلان ببلدك الخراب، ويزيلان طعام فمك، وملابس جسدك، وعبق عطرك.”
سألته أسماء:
-هل كنت تصلي؟
-كنت أرتل.
-وماذا يقول ترتيلك؟
كان الكهنة يقولون أن الإله ملقرط والآلهة عشترت لن يرحما من خالف عبادتهما.
-وما دخل هذه التعاويذ في حلمك؟
-كان الثور يرمز إلى ملقرت وعشترت مزدوجين، أتيا لينتقما مني، ويذكراني بمسؤوليتي في اندثار قرطاج.
-هذا تفسيرك أنت للحلم، أما أنا فأرى شيئا آخر.
-وما هو؟
-أرى أن الثور هو تانيتك العارية أبدا أتت في منامك لتذكرك بأنه عليك غض النظر عن جسدها الفتان.
احتضنها حنبعل مقبلا، ثم نهض إلى الحمام مرددا بأعلى صوته:
-ربما يكون الثور رمزا لأمريكا تستقبلني بالفتنة والعدوانية في الآن نفسه!
قالت له وهو يدخل الحمام:
-أنت حيوان سياسي يا حنبعل، لا يمكنك التخلي عنها حتى في تفسيرك لأحلامك.
ولمّا رجع من الحمام، عاد إلى عبق جسد زوجته، وإلى لذة الحب ينهل منها، وإلى نوم عميق دون كابوس ولا أحلام مزعجة. وعند الصباح، وبعد أن تناولا الفطور في المطعم الفخم، خرجا يتفسحان في الشوارع القريبة من النزل؛ فانبهر حنبعل بالحركة الدؤوب التي كانت تملأ تلك الشوارع. سأل أسماء:
-ألا تنتهي الحركة من هذه الشوارع؟
-تلك هي نيويورك: حركة ليل ونهار.
ثم اقتنت له هاتفا محمولا، وتوجهت معه إلى الحديقة المركزية التي لم تكن تبعد عن النزل إلا ببعض الأمتار. انزويا في أحد أركانها، وأخذت تدربه على استعمال تلك الآلة الصغيرة. وكم شغف بها وكأنه طفل يكتشف لعبة. لم يتوقف عن الضغط على ملامس الأرقام، وعندما يرنّ الجرس في آلة أسماء يأخذ في الضحك كالمعتوه، ثم يقول بالإنجليزية وبوقار:
-ألو أسماء! هنا حنبعل.
فتعيد عليه أسماء:
-ألو حنبعل! هنا أسماء.
كان بوده أن يفتح آلة الهاتف ليتأكد من خلوها من الجن. قال لأسماء مازحا:
-أشعر برغبة في أن أفتح كل هذه الآلات العجيبة التي تسكن عالمكم وأتأكد أنها غير مسكونة بالجن.
سألته مترددة:
-هل تعتقد حقا في الجن؟
أجاب بكل جدية:
-لولاه لما تمكنت الآلهة من ممارسة نفوذها.
عادت تسأله باستغراب أكثر:
-وهل ما زلت تعتقد في آلهتك رغم نهايتها منذ قرون؟
-عندما تفنى الآلهة لا بد أن تعود في شكل آخر ولو بعد مئات السنين، هكذا عالم الإنسان وسيبقى ولو اخترع أذكى الآلات!
وواصلا تجوالهما في الشوارع القريبة من النزل. كان كل شيء يجلب انتباه حنبعل، فقد افتتن بهذه المدينة الدؤوب، وارتاح لأهلها النشطين المرحين لا يبدو على وجوههم تبرم ولا استغراب. شعر أنه مواطن من مواطني نيويورك، لا يميزه عن بقية السكان شيء.
قال لأسماء وهما يعودان إلى النزل راجلين بعد أن أنهكهما التجوال:
-هذه المدينة تذكرني بقرطاج إبان عزها. لم تكن بها البنايات تناطح السحاب كما هو الشأن هنا، ولكنها كانت تعج بالحركة، وبالتنوع، وبالأجناس المختلفة التي كانت تأتيها من الشرق ومن الغرب. ولم يكن الأجنبي في قرطاج يشعر بالرفض أو بالغربة.
أجابته أسماء معاتبة:
-ألا تستطيع أن تنسى الماضي! هذه نيويورك أرقى مدينة في القرن الحادي والعشرين تقارنها بقرطاج المدينة الخارجة من العصر الحديدي!
لم يقل شيئا، ظل صامتا حتى وصلا النزل، لكنه قبل أن يتخطى العتبة قال لأسماء بصوت خافت:
-سأطلب من تانيت أن تتجول بي في نيويورك على متن طبقها الشفاف، هكذا أكتشف جيدا هذه المدينة الساحرة.
قالت له بحنق دون أن ترفع صوتها:
-هل جننت؟ لست في قرطاج حتى تتجول في السماء دون أن تلتقطك رداراتهم. خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر!
وبعد إلحاح شديد رضخ حنبعل لإرادة زوجته، وعدل عن رغبته في التحليق في سماء نيويورك.

7

كان حنبعل يجلس مع بقية المحاضرين على المسطبة قبالة جمهور غفير من الطلبة والمدعوين. وقد أشرفت الحصة الأولى للمحاضرات على نهايتها عندما جاء دوره لإلقاء محاضرته عن الحروب البونية. كان ذلك موضوع الندوة التي نظمتها جامعة نيويورك. عندما أسندت له الكلمة، ارتبك في البداية لكنه سرعان ما تماسك وانطلق يلقي محاضرته تلقائيا دون مدونة ولا كتاب. سأل في البداية بإلحاح:
-لماذا هذا العنوان: “الحروب البونية”؟
ثم خلص إلى الجواب، وأعلن بكل ثقة في النفس:
“هذه التسمية مرفوضة جملة وتفصيلا، فهي تدل على شيء واحد وهو التجني على التاريخ. فإننا نفهم من هذا العنوان أن البونيين هم الذين قاموا بهذه الحروب، في الوقت الذي يعلم فيه كل المؤرخين النزهاء أن تلك الحروب فرضت على البونيين من قبل الرومان.” ثم أخذ يستدل بتواريخ تلك الحروب، مؤكدا أنه في كل بداية حرب بين روما وقرطاج كانت روما هي البادئة، وهي القوة التي تعلن الحرب، وتنقض المعاهدات، ولا تستجيب للسلام إلا بعد أن تصل إلى تحقيق أهداف رسمتها مسبقا. فأثناء الحرب الأولى كانت روما قد نقضت معاهدة التحالف والسلام التي أمضتها في الماضي مع قرطاج، واستولت على جزء كبير من أراضي صقلية التي كانت تحت النفوذ البوني. ثم قبل الحرب الثانية تدخلت روما مباشرة في مدينة ساغانتوم لتغلّب الشق المناهض لقرطاج ضد الساغنتيين المتحالفين مع البونيين. ولم يكفها ذلك فقد أعلن نواب مجلس شيوخ روما، الذين قدموا إلى قرطاج للتفاوض في خصوص الوجود البوني بإسبانيا، الحرب على قرطاج في عقر دارها. وكان إعلان الحرب الثالثة دليلا على نوايا روما العدوانية إزاء قرطاج.
لم يكن حنبعل يقرأ ورقة، أو يسرد نصا، بل كان يتحدث إلى القاعة بهدوء، يطرح السؤال ثم يجيب عليه محللا جوانبه مستدلا بالتواريخ، وبالوقائع، وبالشخصيات المشاركة في صنع تلك الأحداث. وقد كان مقنعا، فجلب إليه انتباه الجميع، رغم معرفته المحدودة باللغة الإنجليزية. وقبل أن ينهي محاضرته طرح سؤالا على القاعة مباشرة:
-هل منكم من يعرف حقيقة الصراع بين روما وقرطاج؟
ترقب لحظة وهو ينظر في وجوه الحاضرين، ثم قال بهدوء:
“إن الصراع بين روما وقرطاج هو صراع حضاري. لم يكن صراعا بين الخير والشر، ولا بين الشرق والغرب، ولا بين قوتين متنافستين في الهيمنة على شعوب البحر الأبيض المتوسط. بل كان صراعا بين نمطين مختلفين من الحكم، بين فكرين متناقضين، بين نظرتين متعاكستين للعالم.
بني نظام الحكم في روما على القبلية، ثم تحالف القبائل، فتحالف المدن. وعندما تحولت روما إلى جمهورية حافظت على النمط التحالفي للمجموعات القبلية. ولا بد أنكم لاحظتم أن روما بمجرد أن اندثر النظام الديمقراطي من العالم مع اندثار قرطاج، تحولت إلى إمبراطورية، وتحول نمط الحكم فيها إلى ملكية كسائر دول العالم في تلك الفترة من تاريخ البشرية.
في حين كان نظام الحكم في قرطاج مبنيا منذ بدايته على الفرد. كانت قرطاج مدينة تجمع أفرادا تآلفوا، ورحلوا هربا من قمع ملك، ثم أسسوا مدينة يحكمها كبار القوم، والحكماء، ورجال الدين. لم تعرف قرطاج منذ تأسيسها النظام القبلي، وإن حكمتها في بعض الفترات عائلات فاعلة. ولم يعرف نظام الحكم في قرطاج الملكية، ولا حكم طاغية ولا حتى النظام العسكري. وتعرفون أن دواليب دولة قرطاج، رغم كل الثغرات التي كانت تعوق تطورها، كانت ديمقراطية، وكان المشرفون على الحكم ممثلين لجل فيئات المجتمع، ويقع تعيينهم من طرف الهيئات الشعبية الممثلة للفئات الاجتماعية.
كان نظام الحكم في روما مبنيا على التوسع الإقليمي، والهيمنة العسكرية. بينما كانت قرطاج تسعى إلى بسط نفوذها عبر مستوطنات يحكمها التوسع التجاري والاقتصادي. وكانت روما قوة عسكرية وطنية، بينما لم يكن لقرطاج سوى جيش مرتزق يؤمّن مناعة الأسطول التجاري وحماية المستوطنات الاقتصادية. وكان هذا النمط الدفاعي القرطاجي رغم هشاشته يعزى إلى نفور القرطاجيين من الحروب، والغزوات، ورغبتهم في التنمية والرخاء، فلجؤوا إلى صيغة الجيش المحترف، وأوكلوا حمايتهم إلى النواة الوطنية لهذا الجيش، فجل قادة الجيش البوني وضباطه كانوا قرطاجيين، وعادة ما كانوا يمارسون السياسة والشؤون العامة، متشبعين بالروح الوطنية.
كانت العقلية السائدة عند البونيين هي عقلية التاجر الذي يبحث عن توسيع تجارته، في حين كانت عقلية الروماني عقلية الإقطاعي الذي يسعى لبسط نفوذه من خلال التوسع والهيمنة. كان البوني يطلب معرفة الآخر ليصل إلى التبادل معه، بينما كان الروماني يسعى إلى فرض وجوده على الآخر ليهيمن عليه. كانت قرطاج تسعى إلى جعل العالم سوقا كبيرة تضمن لها التنمية المستديمة. وفي المقابل كانت روما ترى في العالم إمبراطورية عظمى تحت هيمنتها.
هذا الاختلاف الجوهري بين عقليتين في تناقض تام جعل صراعهما حتمية تاريخية. وقد حسم الصراع في آخير الأمر لصالح من اختار الهيمنة العسكرية للتعبير عن وجوده. لكن هل تكمن إنسانية الإنسان في الهيمنة أم في التسامح؟
انطلق التصفيق حارا في القاعة عندما توقف حنبعل عن إلقاء محاضرته. وعندما عاد الهدوء للقاعة، التفت إليه رئيس الجلسة وسأله مبتسما:
-وما هو جواب أستاذنا حنبعل عن سؤاله الخطير؟
بعد فترة من الصمت، كانت فيه أعين كل الحاضرين متجهة إلى حنبعل أجاب:
-إنه لمن البديهي أن يكون التسامح أقرب إلى الإنسانية. لكن واقع الإنسان سواء كان في الماضي أو حتى في الحاضر يغلّب نزعة الهيمنة على التسامح. تصوروا أيها السيدات والسادة أن حنبعل انتصر في حربه على روما دون أن يحرقها كما فعلت هي بقرطاج. هل كانت قرطاج تفرض هيمنتها على حوض البحر المتوسط كما فعلت روما؟ هل كانت قرطاج تعمم نمط الحكم الإقطاعي كما فعلت روما؟ هل يصبح حنبعل الإسكندر الثاني ويجتاح الشرق والغرب كما فعل الإسكندر العظيم؟
إنه لمن العبث الجواب على مثل هذه الأسئلة، فالعوامل التاريخية تستجيب إلى قوانين نظرية الخواء. فعندما يتغير جزء ولو تافه في مسار التاريخ، ينجر عنه مسار مغاير تماما للمسار الذي اتجه إليه الخط الدائري للزمان. لكن لو أردنا أن ندخل عالم الافتراض ونتصور كيف يمكن أن يكون التاريخ إذا انحرف ولو قليلا عن مساره، فلا بد لنا من معطيات لنبني عليها تصورنا.
لم يكن حنبعل ملكا، ولا حتى حاكما. كان قائدا للحملة البونية على روما. وهذا الاختلاف جوهري لقارنته بالإسكندر العظيم. كان البونيون يراقبون جيدا تصرف قادة جيوشهم، ويحاسبونهم على كل أفعالهم، تحاشيا للانقلابات العسكرية، وخوفا من تطور الحكم نحو النزعة الفردية الملكية. وربما لهذه العوامل لم يكن ممكنا لحنبعل أن يكون الإسكندر المقدوني الثاني.
كانت تسوس قرطاج قوانين وهيئات ديمقراطية، وذلك بشهادة الفيلسوف أرسطو، فهي لا تسمح لأي كان بأن ينفرد بالحكم، أو أن يفرض نوعا من الحكم على الشعوب التي تتعامل معها قرطاج مباشرة مثل شعوب شمال إفريقيا أو الشعوب الإسبانية. لم يكن يخطر ببال القرطاجيين تصدير نمط حكمهم للآخرين، ولذلك لم يكن من مصلحة قرطاج أن تهيمن سياسيا أو عسكريا على الشعوب التي كان لها عليها نفوذ، فأنتم تعلمون أن البونيين لم يشكلوا جيشا وطنيا يمكنهم من احتلال الآخرين وإخضاعهم لحكمهم. ولهذا كله لو انتصر حنبعل لساد العالم نوع جديد من العلاقات الدولية التي كان بإمكانها توجيه التطور البشري إلى وجهة غير التي عرفها.
كان النمط الاقتصادي لدولة قرطاج مبنيا على التبادل التجاري بين كل الشعوب التي يصلها الأسطول التجاري البوني، وقد سمح ذلك النمط بالرخاء للبونيين ولكافة الشعوب التي كانت تدور في فلكهم. لأن التبادل التجاري يدفع بتلك الشعوب إلى توفير المزيد من السلع لاقتناء المزيد من الخيرات الوافدة مع البونيين، وهو نوع من الحركية الاقتصادية تنمي باستمرار تطور المجتمعات، وتسمح لها بالانفتاح على العالم الخارجي. وهذا المنهج الاقتصادي البوني لا يمكنه أن يعيش في ظل الهيمنة الإقطاعية، وفرض الاحتلال، وقهر الشعوب. لو نجحت قرطاج في نشر ثقافتها لكان تاريخ الإنسانية مغايرا تماما لما هو عليه اليوم. أليس كذلك أيتها السيدات والسادة؟
كان حنبعل بنظرته الثاقبة البراقة، وبنبرات صوته الهادئة، وبحركاته المتزنة المعبرة قد بهر القاعة، فصفّق له الحضور طويلا، قبل أن يعلن رئيس الجلسة توقف الحصة الصباحية للندوة.
عندما رجع حنبعل في المساء إلى النزل ووجد أسماء في انتظاره، كان منتشيا وكأنه عائد من معركة كانة. لقد شعر أنه حقق إنجازا كبيرا عندما اقنع الجميع أنه كان لقرطاج حضارة راقية، تفوق بكثير حضارة الرومان. كانت ذاكرته قد استرجعت كل مقوماتها، وكان يستشهد بواقع عاشه، أو سمع عنه ممن عاصروه، فكانت حججه مقنعة. ولقد ساور بعضهم الشك في شخصية هذا الرجل الذي كانوا يرون فيه العربي المتخلف الذي لا يحذق العلوم الدقيقة، ويغلّب المبالغة على الموضوعية العلمية.
ولمّا سألته أسماء عن نتائج مشاركته في الندوة قال لها:
-لقد أصبحت بين عشية وضحاها دكتورا في التاريخ القرطاجي. لقد كان الجميع يناديني الدكتور حنبعل.
سألته أسماء بسذاجة:
-وهل منحوك شهادة الدكتوراه؟
ضحك ضحكة عالية وقال لها:
-وما حاجتي إليها؟ لقد تحصلت على نسخة صوتية من محاضرتي.
أمدّها بالقرص، فأسرعت إلى الحاسوب تشغله، وجلسا يصغيان إلى المحاضرة. وعندما انتهت، قال حنبعل متحمسا:
-سأطلب من تانيت أن تنشر هذه المحاضرة في كل أنحاء العالم لكي يقتنع الجميع أن روما أبادت حضارة عظيمة، وأن جريمتها لا يمكن أن تغفرها لها الإنسانية قاطبة.
سألت أسماء مرتابة:
-وكيف؟
-ستنشرها عبر الإنترنت إلى كل من له بريد إلكتروني. قالت لي إن الأمر في منتهى البساطة.
-وما الداعي لكل هذه الضوضاء؟
-حبيبتي! إن حربي على روما لم تنته، ولن تنتهي إلا بانتصار السلام في العالم الإنساني. ألم تري أن أمريكا اليوم تسير في نفس الخطى التي سارت عليها روما من قبل؟ وستقع في نفس الهفوات، وربما تؤدي بالإنسانية إلى كوارث أكبر.
-دع عنك هذه الأفكار! تمتع بالحياة، فلن تغير من مسار التاريخ مهما فعلت تانيتك!
قال حالما وكأنه لم يسمع ما كانت تدعوه إليه:
-سأستغل الوسائل الحديثة للاتصال لأعبئ العالم ضد الحرب، وضد الهيمنة، وضد عنجهية الحكام!
-وهل تتصور أنهم سيتركونك تفعل دون أن يتصدوا لك؟
نهض ورفع يده وكأنه يحمل السيف وقال:
-فليتصدوا!
قالت ضاحكة:
-ستكون دنكشوط العصر الحديث!
لم يفهم حنبعل التشبيه، فسألها:
-أليست أمريكا دولة ديمقراطية؟
قالت له هازئة:
-أو تتصور أنك ستؤثر على الرأي العام الأمريكي الذي تستحوذ عليه اللوبيات المختلفة؟!
عاد يسأل:
-من يصنع القرار في دولة أمريكا؟
أجابت بفتور:
-نفس الهيئات التي كانت تصنع القرار في دولة قرطاج.
قال مستنكرا:
-أي أصحاب المصالح المالية الكبار، والمتمعشون من نفوذ الدولة، وسماسرة السياسة.
ارتمى على السرير وأغمض عينيه يفكّر. جلست قربه تنظر إلى وجهه المشرق، ثم انحنت عليه تمسح على جبينه حتى فتح عينيه. أخذت رأسه بين يديها واقتربت منه تقبله بتروّ حتى أحست أنه لم يعد يشغله عن الحب شيئ.
وبعد أن خلصا من متعة الحب وارتويا من شرابه العذب، غادرا الجناح، وغطسا في أنوار المدينة ناشدين الهروب من عالم التفكير وشجونه




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„