ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل ... 10


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 999 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



عاد حنبعل مع زوجته إلى عشهما بالحمامات بعد أن قضيا شهرا يتجولان بين مدن أمريكا المختلفة. لقد أخذت نظرة حنبعل للعصر تتضح بعد تلك الزيارة. فرغم غرابة هذا العالم بالنسبة إليه، وكثرة آلاته، وتقدمه التكنولوجي والعلمي، اقتنع حنبعل أن الإنسان المعاصر لم يتفوق كثيرا على إنسان العالم القديم. بقي كما كان يعرفه: يهوى استعراض القوة ويميل إلى حب الهيمنة، والاستحواذ على مصادر الثروة، والتباهى بالعظمة، والتلذذ بإهانة أخيه الإنسان. كل هذه العيوب عرفها عصره، ووجدها مستفحلة في القرن الحادي والعشرين.
ولما كانت درايته باللغة الإنجليزية في تحسن مستمر، فقد انغمس في مطالعة الصحف العالمية من خلال الإنترنت، خاصة أنه لم يكن يستعمل خطوط الهاتف الوطنية ولا شركات الإنترنت المحلية، فخرج تماما عن رقابة كل السلطات المحلية منها والعالمية. وكانت تانيت قد وفرت له خطا مباشرا مع محطتها، مما زاد في حيرة مصالح الاستعلامات التي أخذت تضيق عليه رقابتها.
شغف كثيرا بتحسين موقعه، وقد تمرس على تقنيات العرض والإرسال، فصار موقعه قبلة الباحثين في ميدان التاريخ القديم. وكان بريده الإلكتروني الهائل الذي يصله من أنحاء العالم يأخذ حيزا كبيرا من أوقاته، خاصة بعد أن نشرت تانيت محاضرته في كل صناديق البريد الإلكترونية التي استخرجتها الأجهزة المتطورة لمحطة الأبحاث القانمادية. وصلت تلك المحاضرة إلى كل رؤساء دول العالم مترجمة بلغاتهم المختلفة، وانتقلت عبر البريد الإلكتروني إلى كل سفارات بلدان الأرض، ووصلت المكتبات العمومية، والصحف، والمجلات المختصة، وكل وسائل الاتصال التي لم تعد تستغني عن الإنترنت ولا عن البريد الإلكتروني. فعاد نتيجة لذلك اسم حنبعل يملأ المعمورة كما كان عند حملته على روما. وأخذت مصالح الاستعلامات تهتم بهذه الشخصية الغامضة التي تمتلك كل هذه القدرة على الاتصال.
في يوم من الأيام نهض حنبعل باكرا، وجلس في الصالون يفكّر. وعندما استيقظت أسماء وقدمت له فطور الصباح، وهو ما زال في شروده، سألته مستغربة:
-ما لك شارد؟
لم يجبها، بل ظل شاخصا كأنه لا يحس بما يدور حوله. لما اقتربت منه واحتضنته مداعبة، وهمست له:
-ما لحبيبي مشغول إلى هذا الحد؟
بعد صمت طويل قال لها بصوت خافت:
-لقد اكتشفت سلاحا فعالا يمكنني من شن الحرب على الجبروت والهيمنة.
نظرت في عينيه متمعنة ثم سألته معاتبة:
-أنسيت أنك لم تعد الجنرال حنبعل قائد جيوش قرطاج؟
أجاب دون أن ينظر إليها:
-لا، لم أنس، ولكنني خلقت من أجل محاربة الطغيان، واستنسختني تانيت من أجل أن أحمي الأرض من الكارثة التي تنتظرها لو واصل الإنسان تسيير العالم بعقلية الطغيان.
سألته هازئة:
-وهل ستجند المرتزقة لمحاربة الطغيان؟
أسرع يجيب:
-سوف أجند التقدم العلمي لأهل قانماد، سأستغل كل إمكانيات تانيت العلمية لفضح هذا العقل المتغطرس الهدام الذي يحكم العالم اليوم، والذي حكمه منذ آلاف السنين.
قالت له غاضبة:
-لقد قتلوا شي جيفارا لأنه كان يحلم مثلك!
نظر إليها وفي عينيه شرارة أرهبتها، ثم قال لها بهدوء:
-لن أقتل أحدا، ولن أخوض معركة تسفك فيها الدماء، ولن أهدم ولو بيتا حقيرا…
قاطعته مستهزئة:
-ستفعل مثل دنكشوط وسوف تحارب طاحونة الرياح!
لم يفهم تشبيهها، فقال لها مهدئا:
-أردت أن أشرح لك خطتي قبل أن أعرضها على تانيت، لكنك لم تتركي لي المجال. أصغي إلي، ثم ناقشيني قبل أن تحكمي علي.
ظلّ صامتا فترة من الزمن ثم أخذ يشرح بهدوء خطته:
-لقد اكتشفت أن العالم المعاصر يعيش متأرجحا بين الماضي والمستقبل. فتفكيره ما زال متشبثا بعقلية ضاربة في القدم متأتية من قلّة الخيرات، واحتكارها خوفا من مفاجآت المستقبل، وبحثا عن توفير فرص لحياة أفضل للأجيال القادمة من ناحية، وتطلعا لمستقبل كوني يجعل من الإنسان مركز الكون، متمكنا من الخيرات العظيمة التي يزخر بها هذا الكون الشاسع من ناحية أخرى. واكتشفت أيضا أن النزعة الماضوية هي المتغلبة على تفكير الإنسان المعاصر، فهو، مع امتلاكه لأسلحة فتاكة، يمكنه أن يقضي على الحياة على هذه الأرض.
هذه الجدلية جعلتني أقول إن الإنسان المعاصر لو وصل إلى وعي شامل لمتطلبات الحياة الكونية، لتغيرت عقليته، ولتغلبت الرؤية المستقبلية عنده، ولترك الماضي للمتاحف، واندفع يبني مستقبلا على أسس الكونية، بعيدا عن النزعات الفكرية الضيقة، والخرافات الذهنية المتحجرة، والغرائز الحيوانية الهدامة…
قاطعته أسماء في ضجر:
-هذه فلسفة يصعب أن تقنع بها الناس في أنحاء العالم…
واصل حنبعل غير مكترث بتدخل أسماء:
-اكتشفت أيضا أن مفتاح الكونية يكمن في تطور وسائل الاتصال، فهي الوحيدة التي جعلت إنسان اليوم يكتشف الكون بكل أبعاده الشاسعة. كما أدركت أن الإعلامية سلاح خطير لو طوره الإنسان لتقدم أشواطا في معرفة الكون وأسراره. ومن هذا الإدراك الأخير فهمت أن إنسان اليوم لم يصل من التطور المعرفي يمكنه من السيطرة التامة على وسائل الاتصال المتطورة، والتعامل الذكي مع المعطيات الهامة للإعلامية كطريقة للخزن والتوفير والتحكم في المعلومات التي تمثل سر الكون.
تانيت آلهة لأنها تمتلك القدرة على التحكم في وسائل الاتصال، ولها الدراية القصوى لتطويع المعلومات لأي هدف تصبو إلى تحقيقه…
قاطعته من جديد منزعجة:
-عدت إلى عبادة تانيتك!
-لا، لم أعد أعبدها، بل صرت أفهمها. لم تكن تانيت ساحرة ولا آلهة تقول كن فيكون. إنها بكل بساطة تمتلك من المعرفة ما يسمح لها باستيعاب الكون، وبالتحكم في قواه الخفية، وبمحاكاة الطبيعة في ميادين عديدة. فهي تتنقل بسرعة البرق، وتستقي المعلومات من الأمواج، وتختفي مثل السراب، وتعلم ما في الصدور بقراءة اللغة الكهربائية، وتستبطن الخفايا عن طريق كاشفات مغناطيسية، وضوئية، وإشعاعية…
قاطعته غاضبة:
-وتتعرى لك لتسلبك عقلك!
ضحك حنبعل، وضمها إليه هامسا لها:
-لا أريدك أن تغاري من تانيت، فحتى إن أغوتني فلن أكون قادرا على عشقها، إنها تخيفني مثل الجن، رغم إدراكي لسذاجة هذا التفكير.
-إذن ما الداعي لكل هذه القعقعة في الوقت الذي وفرت لك تانيتك كل مستلزمات الحياة الكريمة الهادئة؟
سألها مداعبا:
-هل نسيت أني حنبعل؟
-وهل نسيت ما آل إليه حنبعل؟
-ولماذا لا أجرّب ثانية ما دام المجال مفتوحا؟
قالت له غاضبة:
-ستحاصرك قوى الشر، وتغلق كل منافذ قصر الزجاج الذي تريد بناءه، وستضطرك للاستسلام إلى قدرك المحتوم يا حنبعل كما فعلت سنة 183 قبل الميلاد!
-ولن أندم حتى ولو كانت نهايتي المأساة!
لاذا بالصمت وخيم عليهما جو من الحزن. لكن عندما سألها حنبعل بصوت خافت:
-وهل ستواصلين معي إلى آخر المطاف؟
قالت بعد فترة من الصمت الثقيل:
-ألم أكن ذاكرتك في البداية؟ إذن سأبقى لحفظ تاريخك حتى النهاية!
عانقها وقبّلها قبلة طويلة، ثم قال لها:
-فلنخرج إلى المدينة، إني أعشق الحمامات، وأرغب في الطواف بخليجها الساحر.
غيرا ثيابهما واستقلا المرسيدس إلى المدينة. وأثناء الطريق لاحظت أسماء أن سيارة كانت تتعقبهما، فهمست لحنبعل:
-عادت الرقابة تلاحقنا!
لم يرتبك حنبعل، بل قال بكل ثقة في النفس:
-ما دمنا في حماية تانيت فلن يقدر علينا أولئك الصعاليك!
كانت أسماء تخاف رجال أمن الدولة، فقد سمعت من أحد أقاربها، جرّب السياسة خارج إطارها المفروض، ما فعله به ذلك الرهط من الجلادين. لكن لم ترغب في إزعاج حنبعل بمخاوفها. دخلا الحصن الأغلبي القديم، وطافا في معالمه، ولما نظرا من أعالي الحصن إلى خليج الحمامات يمتد حتى مشارف مدينة سوسة، همس حنبعل لأسماء:
-أليست هذه هي الجنة؟
همست له:
-لكنك تريد تعكير صفو حياتنا فيها!
-وما قيمة الحياة بدون طموح؟
عندما نظرت إلى تحت السور العالي للحصن، خفق قلبها بشدة. كان رجلا الشرطة يتبعان تنقلهما أمام سيارتهما البيضاء. جذبت حنبعل من سترته وهمست له:
-هل رأيت الرجلين الواقفين قرب السيارة البيضاء؟ إنهما يتبعاننا منذ خروجنا من البيت.
-وهل يخاف حنبعل من الصعاليك؟
عادت تهمس له:
-لكن وراءهما جهاز قمع قوي.
أجابها ضاحكا:
-ووراءنا تانيت!
ظلّ ينظر في الأفق غير مكترث بمخاوف زوجته، ثم التفت إليها وقال:
-سأطلبها حالا لتعدّ لي دروسا في الإعلامية حتى تكون صورة خطتي واضحة.
ودون أن يترقب ردها، أعلن وهو ينظر إلى الأفق البعيد:
-حنبعل يطلب تانيت.
ولما ربط الاتصال بها أعلمها رغبته في معرفة علم العصر الحديث، الإعلامية. طمأنته أنها سوف ترسل له درسا معدا له خصيصا في أقرب وقت. وعندما التفت إلى أسماء التي كانت تراقب الشرطيين من أعالي الحصن، قالت له:
-سأخاطب شركة كراء السيارات لأعلمها أن السيارة معطلة، وأطلب منهم تهيئة سيارة أخرى حتى استريح من تتبعات أولئك الصعاليك كما تقول.
-ما لنا وإياهم! سنتغدى في أحد المطاعم الفاخرة ونستريح من وجودهما فترة من الزمن.
-لا، لن أطمئن وعيونهم تراقبني!
وبعد أن خاطبت شركة كراء السيارات، غادرا الحصن من بابه الخلفي المؤدي إلى المدينة العتيقة، وانسابا بين الأزقة الضيقة الملتوية حتى وصلا إلى شاطئ البحر. استقلا تاكسي أوصلتهما إلى بيتهما، فقد رفضت أسماء الغداء في المطعم، إذ كانت خائفة من مراقبة الشرطة لها، فلاذت ببيتها علّها تسترجع راحة البال. لكن حنبعل طمأنها أنه سيتصل بتانيت لتساعدهما على رفع هذه الرقابة المزعجة.
عند المساء حلّت تانيت بينهما دون سابق إنذار. أتت كالعادة عند غروب الشمس، على بساطها الطائر، في زيها الآدمي. وبعد أن حطت في الصالون، على الزربية الكبيرة، ألقت لهما بابتسامتها اللطيفة، ثم ظلّت تترقب حديثهما. رحب بها حنبعل ترحابا كبيرا، لكن زوجته أسرعت إلى المطبخ متعللة بإحضار الشاي، حتى لا تظهر انزعاجها من هذه الفتاة الوقحة التي لم تتعود على عريها الفاضح.
جلست غير بعيد من حنبعل، ومدّت له جهازا صغيرا، ثم قالت له:
-هذا معلمك، تحدث إليه واطلب ما شئت من الدروس، فسيلبي رغبتك. تجد به كل ما تحتاجه للاطلاع على علوم العصر الحديث.
صمتت قليلا ثم أضافت:
-أقول لك بصراحة إني لم أكن أتصورك تتأقلم بهذه السهولة مع هذا العصر. لقد أرسلت شريطا يشرح كل مراحل حياتك الحالية إلى أكاديمية العلوم في قانماد، وقد جاءني ردهم.
ثم تمتمت بلغتها كلاما لم يفهمه حنبعل، وبعد لحظات انتصبت الشاشة الافتراضية وظهر عليها نص قصير باللغة العربية. بعد لحظة من التردد طفق جنبعل يقرأ:
“تجربة ناجحة، تهانينا الخالصة! إذا رغب مستنسخك في لعب دور ما يؤثر على مجرى تاريخ الأرضيين نحو الأحسن، فإننا لا نمانع بشرط أن لا يلتجئ إلى العنف، أو الاعتداء على حرية الأفراد أو المجموعات، أو الاستحواذ على الممتلكات، أو استعمال النفوذ لأغراض خاصة أو حتى عامة. حذار من هذا الرجل، ربما تستهويه ميولاته القديمة للحرب.”
لما رجعت أسماء وجدت الشاشة الافتراضية معلقة في فضاء الصالون يتصدرها النص. وضعت طبق الشاي على المنضدة، ثم جلست قرب حنبعل وقرأت النص بإمعان. جذبته من ذراعه وهمست له:
-حدثها عن رجال الشرطة الذين يلاحقوننا.
قبل أن يقول لها حنبعل شيئا، وصلتها الترجمة، فنظرت إلى أسماء مبتسمة، ثم قالت لها:
-لا تخافي، سنحميكما من أي خطر يعترض حياتكما، لكن عليكما أن تتعاملا بفطنة مع المراقبة. لا داعي للهرب في كل مرة تشعران فيها بالمراقبة. وحتى إن ألقوا القبض عليكما، فلن نترككما في السجن، تأكدا من ذلك. لماذا تخفيان حقيقتكما على الناس؟
أجابتها أسماء متشنجة:
-لأن الناس لا يمكنهم تصديق حقيقة حنبعل. لو قلنا لهم إنه رجل مستنسخ، لضحكوا منا، وربما بعثوا بنا إلى مستشفى المجانين.
قالت لها ضاحكة بعد أن وصلتها الترجمة:
-فليكن! سنخلصكما من أي ورطة تقعان فيها. ما نريده هو أن نرى حنبعل يعيش حياة عادية ككل الناس.
لم تقتنع أسماء بردها، لكنها ظلّت صامتة تفكر في رجال الشرطة وهم يستنطقونها، وربما يعذبونها لمعرفة ما يتصورونه الحقيقة. فقد قال لها قريبها الذي عذبه جهاز القمع أنهم يواصلون تعذيب السجناء حتى يقروا بأفعال لم يقترفوها للخلاص من التعذيب.
ساد الصمت بينهم فترة من الزمن حتى سأل حنبعل:
-هل يمكنني أن أعرف ما هي هذه الأسلحة الخطيرة على الحياة فوق سطح الأرض؟
أجابته تانيت:
-أطلب من هذا الجهاز فهو أعرف العارفين.
صمتت هنيهة ثم سألته ضاحكة:
-هل تريد استعمالها؟
-لا، أبدا. أريد فقط معرفتها لأتمكن من وضع خطتي لإقناع الناس بخطورتها.
قالت له ضاحكة:
-لقد جرب غيرك ولم يفلح!
-ربما لم تكن عندهم الوسائل التي سأسخرها لتعبئة الناس حول العالم.
-وهل عدت تخطط للحرب؟
-ألم تحدثيني مرة عن أخطار أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها أهل الأرض، والتي يمكن أن تقضي على الحياة على الكوكب؟
-وهل في إمكانك القضاء على تلك الأسلحة؟
-يمكنني القيام بحملة ضدها حتى يعي أهل الأرض بالأخطار التي تترصد مصيرهم.
-سنساعدك على ذلك بشرط أن لا تكون السبب في اندلاع الحرب.
-سأدرس خطتي وأعلمك بها.
تدخلت أسماء سائلة:
-ولماذا هذا العناء يا حنبعل؟
قال بصوت حزين:
-لأن حنبعل يريد أن يكفّر عن ذنوبه التي اقترفها في الحروب السابقة. لم لا يفلح في نزع غريزة الحرب من العقل البشري؟
قالت له تانيت:
-ربما يتطلب ذلك أكثر من حملات توعية. إن الجنس البشري جبل على الحرب منذ أن تحول الإنسان من حيوان غير عاقل إلى حيوان عاقل.
ساد الصمت بينهم حتى اندفعت تانيت خارج البيت على بساطها الطائر، وظلّ حنبعل يفكّر في خطته الجديدة رغم الشكوك التي أظهرتها المرأتان.

9

قال حنبعل لزوجته: “هذه بداية جديدة لعالم جديد!” كانت أسماء تشعر أن حنبعل يستوعب بسرعة قضايا عصرها، وعلوم عصرها، وذكاء عصرها، فتحسّ به يبتعد عنها كلما ازدادت معارفه. لم يعد ذلك الرجل التائه بين فترات التاريخ، المتخوف من الآلات التي تعمر دنياها، اللاهث وراء ذاكرته المفقودة. فقد أصبح رجلا يعي جيدا ما يدور في العالم، وما يمكن أن يقع لهذا العالم.
صار مدمنا على الإنترنت، يشارك كثيرا من المبحرين مثله في عوالم الافتراضي هموم العصر ومشاكله الشائكة. وكانت له مع عدد كبير من الرجال والنساء المنضوين تحت لواء الجمعيات الديمقراطية المختلفة التي تنتشر هنا وهناك نقاشات واتصالات مفيدة. وقد استغلّ أحسن استغلال الإمكانيات التي توفرها له تانيت ليسافر متى شاء نحو أنحاء العالم متحديا كل الحواجز القائمة ضد تنقل الأشخاص.
كانت زوجته رغم شغفها به تشعر أنها لا تستطيع مسايرة نموه الذهني، ولا تشاطره اهتماماته السياسية والفكرية. كانت تنشد حياة رغدة هانئة، تخشى المغامرات، ولا تؤمن بالنضال من أجل رقي الإنسان. عندما أعلن تلك الجملة وهو ينهي آخر درس في الإعلامية، سألته رغم ضجرها من الحديث في شؤون الفكر والسياسة:
-وأين وجدت هذه البداية؟
أجاب متحمسا:
-في علم الإعلامية.
لم تكن درايتها بالإعلامية تتعدى معالجة النصوص، أو الإبحار عبر الإنترنت، أو تطبيق بعض البرامج الخاصة بالمعاملات التجارية، فعادت تسأله:
-الإعلامية حسب معرفتي لا تتعدى أن تكون وسيلة تطبيقية لخزن المعلومات، أو الاتصال عبر الحواسيب أو وسائل الاتصال، فكيف أصبحت عندك علما يبشر ببداية جديدة لعالم جديد؟
قال لها شارحا:
-الإعلامية حبيبتي هي لغة رياضية كونية من خلالها أصبح الكون واقعا متجددا يسير من تلقاء نفسه. والإعلامية نشأت قبل الكون وإلا لما تحول هذا الكون إلى كائن حي ينمو، وتتجدد عناصره، وتفنى بتلقائية غريبة. كل كائنات الكون تخضع للإعلامية. لا أقول إنها تسيّر بحواسيب ضخمة، لكنها تخضع لقوانين التسيير الذاتي المبرمج، مستجيبة لقواعد رياضية متشعبة.
سألته مستغربة:
-أهذا كلام تانيت؟
-أبدا. لقد استنتجته من خلال دروس الإعلامية.
-ولماذا لم تشركني في هذه الدروس؟
ضحك حنبعل ضحكة عريضة وقال لها:
-أنت تقضين جل أوقاتك تتفرجين على المسلسلات، أو تتنقلين بين الدكاكين، وترفضين المعرفة العميقة التي تمكنك من استيعاب الدنيا والتفاعل معها.
غضبت وقالت له بحنق:
-قل إنك تجدني ساذجة لم أعد أصلح لك!
احتضنها مقبلا، ثم همس لها:
-كم أنت جميلة عندما تغضبين!
ظلا يتعانقان حتى همس لها:
-هل ترغبين في قضاء بعض الأيام في باريس؟
قالت له متحمسة:
-ومن هو الغبي الذي يرفض زيارة باريس ولو لساعات؟
صمتت تفكر ثم قالت مترددة:
-حتى لو حصلنا بسهولة على التأشيرة، فلا بد أن رجال الأمن الساهرين على رقابتنا سيتفطنون إلى غيابنا، وربما كان لهم رقباء في باريس، خاصة أن أصدقاءك صاروا يعدون بالآلاف!
-لقد تكفلت تانيت بأمننا، فما الداعي للانشغال به؟
-ولماذا تريد زيارة باريس بالذات؟
-لقد اتصلت عبر الإنترنت بعالم في الاجتماع يبحث في شؤون المستقبل، إني أرغب في لقائه.
-أسافر معك إلى باريس لكنك لن تفرض علي التنقل معك من جامعة إلى أخرى، فأشد ما يضجرني هو حديث أولئك العلماء بلغتهم المتصنعة.
-تعرفين أنني لا أحذق اللغة الفرنسية، فمساعدتك لي ستكون ضرورية.
-كل العالم صار يفهم الإنجليزية، لن تجد صعوبة في التواصل معهم.
وفي الحال خاطب تانيت ليطلب منها تهيئة الظروف لإقامتهما أسبوعا في مدينة النور. ظلّت أسماء تنظر إليه متعجبة من كل هذه الحيوية والنشاط، تفكّر في حديثه عن الإعلامية الذي لم تستوعب منه الشيء الكثير. فسألته:
-كيف كانت الإعلامية قبل وجود الكون؟
-حسب المعارف التي اطلعت عليها يتألف الكون أساسا من مواد كيميائية تسبح متكتلة في فضاء شاسع مظلم. والسؤال المطروح بإلحاح لفهم هذا الكون هو كيف تكتلت تلك المواد الكيميائية، وانصهرت، وكونت كتلا ضخمة مثل النجوم والكواكب؟ يقول العلماء إنها تلك التفاعلات الكيميائية بين المواد التي قربت بينها للتكتل، مثل الأكسجين والهدروجين اللذين انصهرا وكوّنا الماء، والأزوط والأكسجين ومواد أخرى تجمعت لتكوّن الهواء، وغيرها من المواد الضرورية لتكوين الكتل المتعددة للمواد الكيمائية التي تدخل في التركيبة الأساسية للكون.
ولا يمكن أن تتجمع تلك المواد الكيميائية وتنصهر بدون برمجة إعلامية تسمح لها بالتكتل تلقائيا، وتلك الإعلامية تعتمد لغة خاصة هي اللغة الكيميائية التي يعرفها جيدا علماء هذا العصر. هل أدركت ما أعني بعلم الإعلامية؟
قالت له حالمة:
-أقول لك بصراحة إني لم أدرك جيدا هذه التشعبات، فأنا أفضل الأيمان بالله الذي يقول للأشياء كوني فتكون.
ظل صامتا لحظة ثم قال لها:
-المعرفة لا تتعارض مع الأيمان. هل تعرفين كيف تنشأ الحياة على الأرض؟
-ذلك أعرفه جيدا ولا أعتقد أن للإعلامية دورا فيه.
-غلط! فلولا الإعلامية لما كانت الحياة. لكي يلد كائن حي لا بد له من حل تشفير الموروث الطبيعي الموجود في الخلية الأولى. والتشفير يستعمل لغة كيميائية بيولوجية تسمح بنشأة الكائن الحي.
-تقول إن الكون تتحكم فيه إعلامية تستعمل اللغة الكيميائية، وأن الحياة لها إعلامية تستعمل اللغة الكيميائية البيولوجية، وما هي اللغة التي سوف يستعملها العالم الجديد الذي تبشر به؟
-أظن أنك بدأت تفهمينني. الإعلامية التي بدأ يستعملها الإنسان في هذا العصر تعتمد اللغة الرياضية الإلكترونية. وهو ما زال في بداية الطريق. وأعتقد أنه سيهتدي إلى لغة أكثر تطورا، ربما تكون لغة كيمائية بيولوجية إلكترونية. وعندما تصبح تلك اللغة في مستوى الإنتاج التلقائي كما هو الشأن بالنسبة للغة البيولوجيت التي تنتج الكائنات الحية، سينتقل الإنسان إلى مرحلة جديدة في تطوره. هذا هو العالم الجديد الذي أتصوره قادما لا محالة.
-وهل سنصل إلى معايشته؟
-تانيت وأهل كوكبها يعيشون في ذلك العالم.
-ولهذا السبب أنت مولع بها!
قال حالما:
-عالمها يمثل مستقبل عالم اليوم بشرط ألاّ يأتي سياسي أحمق ويقضي على الحياة برمتها على الأرض.
قالت له مترددة:
-كما فعل الرومان بقرطاج.
-تماما. ولهذا صرت أناضل من أجل مزيد من الديمقراطية للشعوب، ومزيد من الحرية للأفراد، ومزيد من الشفافية في تسيير الشؤون العامة. فهي الضمان الوحيد لوقاية المجتمعات والدول من جبروت القوة والتسلط.
-أنت حقيقة حيوان سياسي يا حنبعل! دعنا من السياسة وقل لي متى سنسافر إلى باريس؟
-سأبعث برسالة إلكترونية إلى صديقي عالم الاجتماع أسترشد حول تاريخ ندوته، ثم نبرمج سفرنا.
وفي بداية شهر ديسمبر سافرا إلى باريس. أوصلهما طبق طائر سريع إلى حديقة فانسان، ومنها استقلا تاكسي حتى قلب باريس حيث نزلا في نزل فخم، كانت تانيت قد حجزت لهما فيه جناحا راقيا.
كان الطقس رديئا، وظلّ المطر يهطل كامل اليوم، والشوارع، رغم ذلك، مكتظة بالمارة في ازدحام مستمر، والدكاكين منارة في رابعة النهار لكثرة تلبد السحب. ظهرت باريس لحنبعل مدينة يعمها الرماد، يرى الناس فيها كالأشباح ملتفين بالمعاطف الداكنة، يسيرون كالقطيع، تكسو وجوههم مسحة من الحزن. لكنه عندما زار متاحفها بهر بثرائها وبتنوع الثقافات التي تعرضها. وظهر له من خلال تلك المتاحف تطور تاريخ الجنس البشري. فهذا متحف الإنسان يعرض نماذج من بقايا متحجرة لنشاط الإنسان من العهد الحجري حتى الحضارة الفرعونية. وهذا متحف اللوفر يروي تطور الإبداعات الفنية لحضارات البشر من العصور القديمة حتى يومنا هذا. وهذا متحف مخصص لتطور الحياة على كوكب الأرض يعرض أنواعا من الحيوانات والنباتات أنقرض بعضها وما زال البعض يدافع عن وجوده على هذه الأرض المهددة بالانقراض. وكانت زياراته لهذه المتاحف تؤكد له اقتناعه بوجوب الدفاع عن الحياة على الأرض، وحث البشر على مراعاة هشاشتها.
كان كل يوم يمر من حياته يزيده إيمانا بوجوب النضال من أجل حياة أفضل لكل البشر. كان في شبابه متشبعا بالإنسانية الإغريقية التي لم تكن بعيدة عن ثقافته الفينيقية، فهما مثل وعاءين متصلين ولو كانا متنافسين. وكان شغوفا بمعرفة اللغات التي تقربه من الشعوب المختلفة التي كان يتعامل معها. وقد تعلّم الفلسفة الإغريقية وتوصل إلى معرفة طرح الأسئلة الأساسية حول الوجود والكون والإنسان. ومع اقتحامه للعصر الحديث، واطلاعه على أهم علومه وإنجازاته، أصبح يؤمن بأن البشرية واحدة مهما كانت الحواجز التي تقف أمام توحدها، وآمن كذلك أن تنوع الثقافات ثروة لا بد من المحافظة عليها، وأن الهيمنة الإمبريالية سواء كانت قديمة عندما استولى الإغريق على جزء كبير من العالم، وتلاهم الرومان عندما قضوا على قرطاج قد أضرت بالمسيرة البشرية نحو نمو يرتكز على السلام والمعرفة والتبادل. كان هذا اعتقاده منذ بلوغه سن الرشد. وصار اليوم أكثر جلاءا من الماضي، وها هوذا يرى بداية عهد جديد من الإمبريالية الأمريكية التي ستدفع بالإنسان نحو مستقبل باهت، أحادي اللون ، مسطح كثقافة وسائل الإعلام ذات الرواج الهائل.
وكانت زيارته لباريس فرصة للاطلاع على تاريخ الإنسانية من خلال متاحف مدينة النور المتنوعة. كانت أسماء ترافقه في تلك الزيارات رغم انزعاجها من الازدحام، والإرهاق، والضجر. ولم يبخل عليها بتعليقاته، وشروحه، ومعرفته القديمة والحديثة بتاريخ الإنسانية من خلال ما تعرضه تلك المتاحف. لكنه لم يتوصل إلى إقناعها بأن البشرية اليوم تعاني أزمة حضارية حادة ربما تؤدي بها إلى الفناء.
كان يردد لها في كل مناسبة:
“إن لم يع الإنسان الخطر الداهم عليه فستفنى هذه البشرية ولن يبقى لها أثر.”
وكانت تقول له مهدئة:
“للبشرية ربّ يحميها، وهو القادر القدير، ويوم القيامة قدر لا مناص منه. فلا تتعب نفسك كثيرا، واترك الأقدار تسير بما قدر لها.”
فيثور ويقول لها:
“هذا موقف سلبي ينزع من الإنسان كل مسؤولية!”
وتسأله هازئة:
“أليس أقلّ إرهاقا من المعارك الدنكيشوطية التي تعدّ لها؟”
وينتهي بهما النقاش إلى الصمت. لم يكن حنبعل يرغب في الشجار مع زوجته من أجل قضايا لم تقتنع بها. فيقترح عليها أن تتركه يتجول بين المتاحف فريدا، وتعود هي لهوايتها المفضّلة، تتجول بين المغازات الكبرى ودكاكين الموضة. وعند نهاية الأسبوع عادا بنفس السرعة إلى عشهما بالحمامات. وعندما دخلا البيت، وأشعلا النور، لاحظا بانزعاج كبير وجود العسس حول البيت.
ولم يمض بعض الوقت على دخولهما البيت حتى كانت تانيت تتسرب إليه على بساطها الطائر. قالت لهما بعد الاعتذار على دخولها المفاجئ إنها أتت لتعلمهما أن مراقبتهما ستشتدّ، فقد تأكدت مصالح المحطة المختصة في رصد الاتصالات السلكية واللاسلكية، أن حنبعل أصبح موضوع بحث وتقصّ من أطراف عدة لمصالح الشرطة المختلفة في العالم التي أصبحت تتعاون لرصد كل التحركات المشبوهة.
سألتها أسماء مرتبكة:
-إذن سيلقون القبض علينا؟
-ربما، لكننا بالمرصاد لكل تحركاتهم، وحالما يصدر الأمر بالقبض عليكما سنتحرك لمنعهم من ذلك. كل ما أطلبه منكما أن تلازما البيت حتى إشعار آخر.
بعد صمت طويل وثقيل قال لها حنبعل بكل هدوء:
-عندي خطة عاجلة لا بد أن تساعديني على تنفيذها قبل أن ينتهي دوري…
قاطعته أسماء سائلة بصوت مرتعش:
-وما معنى ينتهي دورك؟
أجابها بهدوء:
-إن ألقوا القبض علي، ولم أعد قادرا على القيام بالعمل الذي حددته لنفسي، فقد ينتهى دوري. لست أدري ما خططت لي تانيت في المستقبل، لكني سأحاول كما فعلت في الماضي أن أقاوم حتى النهاية.
قالت تانيت مبتسمة:
-جميل هذا الذي تقوله يا حنبعل! لقد حافظت على كل مقومات شخصيتك التي عرفتها عنك في كتب التاريخ. في الحقيقة لم أسطر لك حياتك، كل ما أستطيع فعله هو أن أنقذ حياتك إذا تعرضت إلى الخطر…
قاطعها حنبعل قائلا:
-طيب. هل بإمكانك مدي بصور واضحة عن النشاط الإنساني الذي يمثل خطرا على حياة الأرض؟
-هذا سهل فقد قمنا به منذ سنوات.
عاد يسألها:
-وهل لديكم صور واضحة عن المواقع التي يخبئ فيها الأرضيون أسلحتهم الماحقة للحياة على الأرض؟
-وهذا أيضا ممكن.
صمت فترة من الزمن ثم قال لها حالما:
-أريد أن أقوم برحلة استكشاف على متن الطبق الطائر في كل أرجاء الكرة الأرضية.
-الطبق على ذمتك يمكنك الإقلاع به متى شئت.
-إذن غدا عند الفجر سأصعد إلى السماء وأبدأ رحلة طالما حلمت بها.
التفت إلى أسماء وسألها:
-هل تأتين معي؟
ظلت لحظة مترددة ثم قالت له:
-لن أفارقك حتى الموت!
قالت لهما تانيت قبل مغادرتهما:
-هيآ حقيبتكما فسوف أحجز لكما في أماكن عديدة من العالم. لا تفكرا في شيء آخر غير معرفة هذا الكوكب الجميل الذي بدأ سكان الأرض يجعلون الحياة عليه صعبة ولعلّها ستصبح مستحيلة.
تركتهما وانطلقت خارج البيت على بساطها الطائر




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„