ظ‚ظ… ط¨طھط³ط¬ظٹظ„ ط§ظ„ط¯ط®ظˆظ„ ظˆطھظ…طھط¹ ط¨ظ…ط²ط§ظٹط§ ط§ظ„ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طھط¹ط¯ط¯ط© . ط¯ط®ظˆظ„ | طھط³ط¬ظٹظ„ ط¬ط¯ظٹط¯




ط¯ظ„ظٹظ„ ط¹ظ‚ط§ط±ط§طھ ظ…طµط± ط´ظ‚ظ‚ ظپظٹظ„ط§طھ ظ…ط­ظ„ط§طھ ط§ط±ط§ط¶ظٹ ظ…ظƒط§طھط¨


لو عاد حنبعل ... 11


طھظپط§طµظٹظ„ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„

طھط§ط±ظٹط® ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„2009-11-20
ظ…ط±ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط،ط©( 1068 )
ظ‚ظ… ط¨ط§ظ„طھط³ط¬ظٹظ„ ظ…ط¬ط§ظ†ط§ ظˆط§ط¶ظپ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„ ظپظٹ ط§ظ„ظ…ظپط¶ظ„ط© ظ„ظ„ط±ط¬ظˆط¹ ط§ظ„ظٹظ‡ ط¨ط³ظ‡ظˆظ„ط©

ظ…ط­طھظˆظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„



لمّا خرجا من بيتهما قبل طلوع الفجر ، بعد أن أعلمتهما تانيت بأن الطبق في انتظارهما خلف البيت تحت شجرة الدلب العظيمة، لاحظا وجود السيارة البيضاء التي تراقب بيتهما. لم يتفطن لخروجهما العونان اللذان كانا نائمين داخلها، فاندفعا بسرعة إلى الطبق الطائر. صعدا داخله، وانغلقت عليهما قبته البلورية، ثم انطلق في الفضاء بسرعة مذهلة دون صوت و لا غبار.
واصل الطبق ارتفاعه بهما إلى الطبقات العليا للسماء، ثم هوى حتى علوّ مكنهما من ملاحظة الأرض مكسوة بثوب من الثلوج، بياض في بياض، صحراء من الثلج تنتشر على امتداد البصر. ورغم ذلك الجمود الجليدي فقد همس حنبعل لأسماء:
-انظري ما أجمل أرضنا!

قالت له هازئة:
-وهل أصبح الجنرال حنبعل رمنطيقيا؟
لم يجبها، ظل يتبع تنقل المركبة في فضاء القطب الشمالي مبهورا بكل تلك الروعة. وفجأة خاطب تانيت وطلب منها هل بإمكان المركبة التقاط صور للصحراء الجليدية. فأعلمته أن كل ما يحط عليه بصره يصوّر تلقائيا. ثم سألته:
-في أي مدينة ترغب أن تحط بكما المركبة؟
التفت إلى أسماء يطرح عليها نفس السؤال، فقالت له مستبشرة:
-في ستكهولم!
وقبل أن يتحدث إلى تانيت قالت له:
-إذن ستنزلان في إحدى الحدائق العمومية بستكهولم، وكالعادة تتوجهان بالتاكسي إلى نزل الشيراطون حيث تجدان جناحا محجوزا.
وقام صحبة زوجته برحلته حول الأرض من أروع ما شاهدت عيناه. كانت كل الدنيا تحت طلبه. ولم يكن يسعى إلا إلى المعرفة والاطلاع، رغم محاولات أسماء المتعددة والملحة لجرّه إلى التسوق، وشراء المجوهرات والتحف الثمينة. كان يطلق لها العنان للقيام بتلك الأمور التي لم تكن تروقه كثيرا. فهو يفضل اصطياد المشاهد الجميلة، والبنايات النادرة، والمواقف المعبّرة، عوض التسكع بين الأسواق والدكاكين التي تعمر الدنيا في عالم طغت عليه السوق والبضاعة.
اقتنى آلة تصوير رقمية، وشغف بالتقاط الصور. كانت لديه فكرة يريد أن يجسمها من خلال ألبوم الصور الذي يجمعه من كل الأماكن التي يمر بها. حتى عندما تطلب أسماء أن يخلّد مرورهما أمام معلم كبير معروف، لم يكن يحلو له أخذ مثل تلك الصور السياحية، بل كان يسعى إلى تصوير طفل قذر يجوب شوارع بنكوك، أو طنجة، أو برازيليا، أو قمامة ضخمة في إحدى العواصم الكبيرة، أو شجرة محاصرة بالإسمنت تستغيث. كان حنبعل سائحا من نوع آخر. فقد كان يترصد كل ما من شأنه أن يوحي له بالتناقض الصارخ بين حضارات هذا العالم الذي لم تعد التباينات فيها جلية. فنسق العيش بين البشر صار واحدا سواء كنت في الشرق أو في الغرب، في بلاد تؤمن بهذا الدين أو تتمسك بتلك العقيدة. خليط جارف كفيضان واد بعد أمطار غزيرة.
وقضيا شهرا كاملا يجوبان الدنيا، كل الدنيا. ولم يكن يرهقهما السفر فتنقلهما من مكان إلى آخر يقع في بضع دقائق، دون المرور بتدابير الجمارك والبوليس الشاقة والمملة. وأحسا حقيقة أن الأرض أصبحت قرية، الحمامات في تنوعها! لكنها قرية تفتقر إلى التناسق والجمال. قرية تعمّها التناقضات والخوف، وتحكمها هيمنة رأس المال، وأصحاب المال والأعمال، ويسيطر عليها الأقوياء، يستعبدون شعوبا بأكملها دون حاجة إلى الطرق القديمة للاستعباد، ولا إلى تجارة العبيد.
وعندما عادا إلى بيتهما في ليلة شتوية حالكة الظلام، وبينما كانا يتخطيان العتبة، جذبت أسماء حنبعل وهمست له:
-ما زالت السيارة البيضاء في مكانها، ويظهر أن الرجلين ظلا داخلها طيلة أيام غيابنا.
لم يقل حنبعل شيئا. وضع البطاقة المغناطيسية في الباب فانفتح له، وبعد أن دخلت أسماء وأشعلت النور، رمى بالحقيبتين في الممر، ونظر من النافذة إلى السيارة البيضاء الراسية غير بعيد من البيت، ثم أعلن:
-لن يجرأ أحد على اقتحام بيتنا! نحن في حماية تانيت!
كان البيت دافئا رغم غيابهما عنه منذ شهر، فقد كان يسهر على العناية به وحراسته روبوات صغيرة، سخرتها تانيت خصيصا لذلك الغرض، روبوات مستترة لم يتفطنا لوجودها أبدا. وكانا منشغلين بالعودة، فلم يلاحظا شئا. وبعد الحمام اندسا في الفراش، وناما نوما عميقا حتى الصباح.
عندما نهض حنبعل كانت تحوم في ذهنه أفكار كثيرة. كانت مشاهد العالم المختلفة التي بقيت عالقة في مخيلته تتزاحم. كان يقول في نفسه: “ما أجمل الأرض وأثراها وأكثر تنوعها! ظلّ كامل اليوم يستعرض تلك الصور المتنوعة والجميلة، حتى أتاه عند المساء صوت تانيت تهنّؤه بالعودة. سألها بعد أن شكرها على كل ما قدّمت لهما من تسهيلات أثناء الرحلة الطويلة حول العالم:
-متى أراك لنتباحث في مشروعي؟
قالت مستغربة:
-أي مشروع؟
-لقد قلت لك إني سأشن حملة إعلامية على ملوثي الأرض، وعلى الأسلحة الفتاكة التي ربما تعصف بالحياة على وجه البسيطة!
-حسنا. سأكون عندك بعد غروب الشمس.
انزوى في مكتبه يستعرض الصور التي خزنها في جهاز التصوير الرقمي. ثمّ دفع بالشريط في الحاسوب المحمول، وانبرى يمتع نظره بالمشاهد المتنوعة التي اقتنصها في رحلته الطويلة عبر مدن الأرض، وشوارعها، وأزقتها. كانت بعض الصور تحتوي على وجوه لرجال ونساء وأطفال من أجناس مختلفة، تعبّر عن قسوة العيش وضنكه، لكنها توحي بالتشبث بالحياة رغم كل متاعبها. وكان البعض الآخر يصوّر معاناة فئات من سكان الأرض من الفقر، والتشرد، ورق الأطفال، والتجارة بالجنس. قال في نفسه بعد مشاهدة كل تلك الصور التي خلدتها عدسته عن سكان الأرض المحرومين من خيراتها:
“أي تقدم حققه الإنسان ما دام ثلثا البشرية يرزح تحت وطأة المعاناة؟! لم تتقدم هذه البشرية، ما زالت كما عرفتها منذ أكثر من عشرين قرنا! لا يتمتع بالحياة الرغدة على الأرض سوى الأقوياء والأغنياء. هذا الواقع الذي يحلم الفلاسفة والشعراء بتغييره، هو راسخ في البشر، وهو سمة من سمات وجوده على الأرض!”
ترك الصورة ثابتة على شاشة الحاسوب، وظلّ يفكّر. “لكن تانيت تقول إن أهل كوكبها قد تخلصوا من ذلك الوضع نتيجة تقدم العلم والأبحاث عندهم. وهل يكفي التقدم العلمي ليرقى الإنسان؟” ظلّ محتارا لا يجد الجواب المقنع على سؤاله. كان يعتقد أن التقدم العلمي يمكّن من الوفرة التي بدورها سوف تقضي على الجشع والاحتكار وحب الهيمنة. وقد رأى ما يتوفر من خيرات لعالم اليوم، لكن الجوع، والحرمان، والأوبئة لم تقلّ، بل أصبحت أكثر تفشيا مما كانت عليه في عالمه القديم الخالي من كل تقدم علمي. كاد يصل إلى الاقتناع أن الإنسان جبل على الصراع من أجل الهيمنة والاستبداد، لكنه سرعان ما نفض هذه الحتمية من ذهنه وقال في نفسه:
“لم يخلق حنبعل ليستسلم للأقدار!”
غادر مكتبه متوجها إلى الحديقة. كانت الشمس تنشر أشعتها على العشب الأخضر وقد تبخر منه الندى فأصبح أكثر لمعانا. لم يلتفت إلى الجهة التي كانت تعسكر فيها السيارة البيضاء، لأنه كان يعرف جيدا أن البيت مراقب ليلا نهارا. كان وحيدا بالبيت فقد خرجت زوجته في الصباح الباكر، تحت جناح الظلام لتتسلل إلى الطريق، وتبحث عن تاكسي توصلها إلى بيت أهلها، إذ أعلمته أنها ستقضي هناك كامل اليوم. ولم يكن يخاف عليها، فهو مطمئن للحماية التي توفرها لها تانيت. جلس على كرسي الحديقة المرمري، وعاد يفكّر.
“حتى النظم السياسية الحالية ليست أكثر ديمقراطية من النظم التي كانت سائدة في البلدان المتقدمة مثل قرطاج وأثينا وروما! اليوم كالأمس: الأقليات المتمكنة من الثروة تتداول على الحكم مستعينة بجهاز الدولة لقمع الأغلبية المحتاجة… غريب هذا العالم الذي يراوح في نفس المكان! لا بد أن تشرح لي تانيت نظريتها في تطور العقل البشري! لأفهم!”
كان يريد أن يقوم بدور ما يجعل هذه الإنسانية تتقدم. أن يوقف الحروب مثلا وبذلك يكفّر عن ذنوبه في الحروب التي قادها. أن يخلص الأرض من الخطر الجاثم على صدرها والذي سيقضي عليها وعلى الحياة. وبذلك يتخلّص من عقدة الذنب التي تحاصره منذ أن علم بالمصير المأساوي الذي آلت إليه حضارة قرطاج. أن يساعد على تغيير عقلية البشر ليتطوروا إلى ما هو أرقى وأسمى من التطاحن والضغينة. لأن عقله لم يقبل أن تموت الآلهة الحامية للقيم النبيلة، وتحل محلها عقيدة مائعة تتغير مع ظروف التطور. لكنه شعر بعجزه عن فعل الكثير لأنه أدرك أنه ليس إلها حتى يغير ما صنعته الآلهة.
إنّ طبيعة حنبعل لا تقبل بالحتمية ولا بالرضوخ إلى الأقدار، والدماء التي تجري في عروقه لا بدّ لها من الاندفاع نحو البناء، كما أنّ عقله لا يستسلم إلى الخمول والراحة، فهو يريد أن يستنبط، وأن يتغلب على الصعاب، وأن ينتصر على إرادة الطبيعة. هكذا خلق حنبعل، وهكذا عاش طيلة حياته، وهكذا يريد أن يبقى بعد استنساخه، فاعلا فعالا. وصل إلى هذا الاستنتاج، فرضي عن نفسه، ونفض من ذهنه البلبلة التي أصابته عندما شعر بعجزه عن التأثير في الأحداث. قال في نفسه متحمسا:
“سأخاطب، بالصوت أو بالكتابة أو بالصورة، كل المتمكنين من الوسائل الحديثة للاتصال. وبمساعدة تانيت سوف يعرف العالم من هو حنبعل!”
رجع إلى مكتبه وعاد إلى الحاسوب يتصفح بريده الإلكتروني حتى ساعة متأخرة من المساء، وإذا بتانيت تقتحم البيت من النافذة على بساطها الطائر. فخرج لها مرحبا، وجلس قبالتها ينظر إليها بإعجاب. كان يجلها كالآلهة. سألته بودّ:
-ما هي انطباعاتك عن رحلتك حول الأرض؟
أجابها:
-رائعة هي الأرض!
-هل ترغب في مشاهدة بعض الصور التي تأثر لها دماغك وأنت تشاهدها على متن الطبق الطائر؟
-أكون ممنونا!
تمتمت بعض الكلام بلغتها، فانتصبت الشاشة الافتراضية وتدفقت عليها صور لمناطق مختلفة من الأرض، كانت كلها رائعة الجمال. صحار من الثلوج ناصعة البياض، وصحار من الرمال فاقعة الاصفرار، ومحيطات لازوردية لا تنتهي، وغابات سوداء لكثافتها، وحقول شاسعة في زخرفة من المربعات المختلفة الألوان، ومدن ملفوفة في غيوم الأدخنة، وأخرى تظهر بمظهر قرى من القرون الوسطى. بعد أن متع ناظريه بكل تلك المشاهد الفاتنة، التفت إلى تانيت وقال لها:
-سأبث هذه الصور في كل وسائل الاتصال للأرضيين. هل هذا ممكن؟
-وماذا ترجو من بثها؟
-سأصحبها بتعليق أطلب فيه من متلقيها أن يعوا مدى جمال الطبيعة على أرضنا.
عادت تتحدث بلغتها، ثم قالت لحنبعل مشجعة:
-يمكنك صياغة النص الذي سيصحب هذه الصور، بل تستطيع أن تسجله بصوتك، وسنبثه في الإنترنت، وفي كل العناوين الإلكترونية، وحتى على شاشات التلفزيون وبجميع اللغات المعروفة في العالم.
قال لها مازحا:
-وهل يمكنني أن أقول لهم من أنا وكيف تحصلت على هذه الصور؟
-ستكون العملية خطيرة لأننا سنبث الصور والخطاب على الأمواج الضوئية للتلفزيونات، مما سيضطرنا للدخول إلى السواتل الباثة لتلك البرامج. ليس هناك صعوبة تذكر خاصة أن الأرضيين يستعملون تقنيات للبث بدائية يسهل اختراقها والتلاعب بها. وتعرف جيدا مدى خطورة وسائل الإعلام بالنسبة إلى الحكام عند الأرضيين.
توجه إلى النافذة، وبعد أن نظر من خلالها إلى السيارة البيضاء التي كان يقبع داخلها أعوان الأمن المكلفون بمراقبته ، التفت إلى تانيت وقال:
-إنهم يراقبونني ليل نهار.
-إذا ما تدخلت في شؤون يعتبرونها استراتيجية فردّ فعلهم ضدك سيكون عنيفا.
-من لا يجازف لا يربح.
-لكني أحذرك أننا لا ندخل معك في صراع عنيف مع أي كان.
-فليكن. لقد عاش حنبعل طيلة حياته مغامرا، فليواصل المغامرة.
-عندما يكون النص جاهزا ضعه في الآلة التي أمددتك بها لتتعلم، وسوف نهيؤه ونبثه في أقرب وقت. سوف أعلمك متى يمكنك مشاهدته في معظم تلفزيونات العالم.
وما إن غادرته تانيت حتى عكف على تحرير نصه. كان يريده قصيرا ومعبرا بلغة سهلة يفهمها الجميع. ولمّا أتمّ التحرير ظلّ يقرأه على نفسه بصوت عال. عندما عادت أسماء أعلمها بما اتفق عليه مع تانيت.
سألته مرتبكة:
-وهل ستظهر على شاشات التلفزيون؟
-ما زلت أدرس المسألة.
ارتمت في أحضانه وناشدته ألاّ يفعل، لكنه هدّأ من روعها وقال لها:
-لن يمسنا سوء، فنحن في حماية تانيت.
لم تكن مقتنعة بكلامه، لكنها أدركت أنها غير قادرة على تغيير عن قراره. سألته بعد صمت ثقيل:
-ومتى ستقوم بتصوير تدخلك؟
-كنت أترقب وصولك لكي أعرف رأيك.
ثم سرد عليها النص:
“يا أبناء الأرض انتبهوا. أنا حنبعل بركا القرطاجي، جئتكم من أصقاع التاريخ بمشيئة إلهتي تانيت لأحذركم من الأخطار التي تحدق بأرضكم. تلك الصور الجميلة التي شاهدتموها، والتي لا شك أنها فتنتكم، ربما لن تبقى فاتنة كما هي الآن. سوف يأتي عليها التلوث، ويمسخها، وربما تتحول الأرض بكل ما فيها إلى قذارة لا تطاق. تقول لكم تانيت إنه لم يفت الأوان لتنقذوا أرضكم. ومن أنذر فقد أعذر.”
سألها منشرحا:
-ما رأيك؟
قالت غير مكترثة:
-أهل العقول في راحة.
لم يتأثر بكلامها، بل قال لها بهدوء:
-جنون الرجال صنع التاريخ.
أجابته منفعلة:
-وقد أدى بهم جنونهم إلى غياهب السجون والمشانق والانتحار.
-فليكن. لن أتراجع عن المهمة التي استنسختني من أجلها تانيت.
-فهمت الآن سبب ولوعك بها. فهي تريد أن تستغلك لزرع البلبلة على الأرض.
صمتت قليلا ثم أضافت:
-ألا يكفينا بن لادن وصدام حسين…
قاطعها بعنف:
-توقفي عن زرع الأشواك في طريقي. هذا النص سيصحب الصور الجميلة التي التقطها الطبق الطائر، وسيبث في كل أنحاء العالم. وسيرى كل الأرضيين حنبعل وهو يدعوهم إلى القيام بواجبهم المقدس في تخليص الأرض من شرور التلوث.
صمت لحظة ثم عاد يقول:
-لن أتوقف عند هذه المداخلة سأفضح كل الجرائم التي تقترفها الدول ضد الأرض.
قالت له متهكمة:
-ومن سيتركك تفعل؟ ستراهم يحاصرونك، ويقبضون عليك وعليّ حالما تبث صورك…
نظرت في عينيه وسألته مستفسرة:
-قل لي كيف ستبث صورك في تلفزيونات العالم؟
-تقول تانيت إن تقنياتهم تسمح لهم بولوج كل الأقمار الاصطناعية التي تدور حول الأرض، وبذلك يمكن تعطيل بث أي محطة تلفزيونية، وبث أي برنامج آخر.
قالت له راجية:
-يا حنبعل. إنك تناسيت حقيقة هامة تخص عصرنا وهي الإعلام. فهو سلاح خطير بين أيدي الحكام لا يسمحون لأي كان أن يتحكم فيه. فإن استوليت عليه ولو للحظات فإنك تكون قد أعلنت الحرب على كل حكام الدنيا. سوف يمحقونك يا حنبعل.
-أليس أفضل أن ينتبه سكان الأرض للخطر المحدق بهم ولو لفترة وجيزة على أن أبقى ألوك حيرتي بمفردي؟
-وهل تتصور أنك ستنجح في تحريك سواكن الناس؟ لا تحلم يا حنبعل، ليس الناس هم الذين يحكمون الأرض بل المال والأعمال، ورجال المافيا بأنواعها، والشركات المتعددة الجنسيات. كل هذه القوى لا تسمح لأي كان أن يغير المسار الذي سطرته للإنسانية.
لم يقل حنبعل شيئا، بل نهض ووقف أمام النافذة ينظر إلى سيارة الشرطة رابضة في مكانها. بعد فترة من الصمت سمعته يطلب تانيت ويعلمها أنه يرغب في بث الصور في أقرب الأوقات. ثم أعلن:
-لا داعي من أن أظهر على الشاشة ولا أن أرسل خطابا. سأرى مدى تأثير العملية، ثم أقرر المرحلة القادمة.
لحقت به أسماء وعانقته قائلة:
-أرجو أن تعود إلى رشدك وتترك عنا دنكشوطياتك.
قال لها وهو يمسح على شعرها المنساب على كتفيها:
-لقد اختمرت الخطة في ذهني ولن يثنيني أحد عن تنفيذها.
عند المساء جلس حنبعل أمام الشاشة ينتظر نشرة أخبار الثامنة. وما إن أعلن المذيع على عناوين النشرة، حتى اجتاحت الشاشة الصور الجميلة التي التقطها الطبق الطائر لمناطق مختلفة من الأرض. دام الشريط خمس دقائق فقط كان خلالها حنبعل وزوجته مشدودين إليه بكل جوارحهما. ولمّا عاد المذيع لنشرة الأخبار مرتبكا، قفل حنبعل جهاز التلفزيون والتفت إلى أسماء منشرحا، ثم أعلن:
-غدا نبث مجموعة أخرى من الصور!
سألته أسماء مشككة:
-وما الداعي لبث مثل هذه الصور؟
-عندما أنتهي من بث المجموعة الأخيرة سأعلن للمشاهدين قيمة تلك الصور ومدلولاتها، وأطلب منهم أن يتحمّلوا مسؤولياتهم!
-عدت تفكر بجنون!
-لن يتغير حنبعل!
قالت له مستسلمة:
-افعل ما تشاء، فقد سلمت أمري للأقدار ما دمت قد ربطت حياتي بك.
احتضنها وهمس لها:
-لا تحزني فلن يقع لنا أي سوء!
قالت له بصوت حزين:
-سوف ترى آلة القمع عند ما تتحرك، ستكون رهيبة لو وقعنا في قبضتها.
-وهل نسيت تانيت؟
قالت غاضبة:
-هي السبب، فقد زرعت فيك البلبلة بحديثها عن الأخطار التي تهدد الأرض.
عاد يهمس لها:
-الخطر الداهم على الأرض حقيقة، اقتنعت بها…
صمت يفكّر ثم أعلن:
-سأطلب من تانيت أن تبعث لي صور بؤر التلوث على كوكب الأرض.
طلب تانيت وحدثها في الموضوع، وبعد بضع دقائق كان حنبعل وأسماء يشاهدان الصور على الشاشة الافتراضية. كانت حقا فظيعة تلك الأدخنة المنتشرة في أرجاء المعمورة، وتلك المياه القذرة التي تمتلئ بها الأنهر، وبقع الزيوت العفنة السابحة على صفحات البحار، وبراميل المواد السامة المتروكة في العراء تنزف لتلوث باطن الأرض. وكانت أفظع الصور تلك التي تظهر باطن الأرض المشحون ببقايا النفايات النووية. كانت كل مناطق اليابسة تحتوي على تلك السموم الخطيرة التي تعمر آلاف السنين.
عندما انتهى الشريط طلب حنبعل من تانيت أن تبثه كما فعلت بالأمس. ومن الغد وعند الساعة الثامنة مساء جلس حنبعل يترقب رؤية تلك الصور من جديد على شاشة جهاز تلفزيونه. وقضى خمس دقائق من النشوة وهو يتصور جمهور المتفرجين ورجال الإعلام ينظرون لهذه الصور بريبة وتعجب. ولم تسأله أسماء عندما انتهى شريط الصور عما سيفعله في المرحلة القادمة، فقد أخذت تستعد لمصيرها.
وفي اليوم الثالث كانت مجموعة الصور التي طلب حنبعل من تانيت بثها أخطر عمل قام به رجل في هذا العصر. فقد أمدته تانيت بصور للأسلحة النووية المنتشرة في أماكن عديدة على الكوكب. كانت مخبأة داخل القواعد العسكرية، في المستودعات، أو تحت الأنفاق، على متن الغواصات، أو في أعماق البحار، في أعالي الجبال، أو مغمورة في رمال الصحاري، وحتى على ثلوج القطبين وفوق السماء تتجول على متن الأقمار الاصطناعية. كل الأرض كانت ترزح تحت ذلك الرعب النووي، الذي كان على أهبة الاستعداد ليفجر الأرض ومن عليها في دقائق معدودات. ولم يكفه بث الصور بل طلب من تانيت أن يكتب تحت كل صورة مكانها، وقربها من التجمعات السكنية، وقوة انفجار القنابل التي تحتويها، ونوع الدمار الذي يمكن أن تحدثه.
وكانت القطرة التي أفاضت الكأس. فقد خلق بث المجموعة الأخيرة من الصور حالة هيجان كبرى في جل بلدان العالم المتحضر. كان الجميع يتساءل عمن يقف وراء بث هذه الصور، وانبرى الحكام يتحدثون إلى المحكومين بلغة التهدئة، والوعيد لمن يقف وراء هذا النوع من الإرهاب الخطير. لكن الحيرة عمت جل بلدان العالم. وانطلقت مصالح الاستعلامات تترصد المعلومات في كل بقاع الدنيا، وتدخل العلماء والساهرون على تكنولوجيا الاتصال لدرس هذه الظاهرة الغريبة التي لم يجدوا لها تفسيرا مقنعا. وأعلن المشعوذون أنها علامات قيام الساعة. وتزعزعت البورصات المالية، وانهارت العملات، ودبّت الحيرة في عقول الناس.
ظلّ حنبعل يتتبع الأخبار عبر شاشات تلفزيونات العالم، واكتشف مدى التظليل الذي تمارسه وسائل الإعلام الجماهيرية على الرأي العام، وكيف تقلب الحقائق، وتوحي للناس بما تريد أن يكون قناعة لدى الجميع. وتستعين لذلك الغرض بمن تدّعي أنهم علماء واختصاصيون في الميدان. وأصبح ما فعله حنبعل من بث لمجموعة من الصور الواقعية التي تشهد على مدى الخطر الذي يترصد بالعالم، عملا إرهابيا يستهدف الحرية والتقدم والديمقراطية. وعوض أن تطرح تلك الوسائل المشكلة بكل أبعادها، انبرت تكيل التهم والشتائم لعدو خيالي يريد قلب توازنات العالم الحر المتحرر من عبودية التسلط والدكتاتورية والتخلف والتعصب الأعمى.
ظلّ حنبعل يفكّر في جدوى تدخله شخصيا، فلن يقوى أمام آلة القمع الإعلامية التي تستعملها الأنظمة لتخدير جماهير الشعوب الراضخة لنوع جديد من العبودية. “هل في مقدور العبد أن يتخلص من عبوديته لو حدثته عن وضعه؟” تساءل حنبعل. “وهل يتراجع حنبعل عن مشروعه قبل أن يستنفذ كل قواه؟” كانت أسماء في تلك اللحظة تنظر من النافذة إلى سيارة الشرطة البيضاء تتبع الحركة التي أخذت تتفاقم حولها. ولمّا لاحظت عربة كبيرة زرقاء داكنة تحل بالمكان، نادت حنبعل ليتابع معها ما يحدث بالقرب من بيتهما.
نهض حنبعل متباطئا، لم يكن يكترث بالرقابة المنصوبة حول بيته، فقد اقتنع أن حماية تانيت له ولزوجته أقوى من أن يخترقها رجال الشرطة ولو كانوا مدججين بالسلاح. لكنه عندما لاحظ عربة الشرطة وقد اصطف أمامها عدد من الرجال بخوذاتهم وبرشاشاتهم، قال لأسماء التي تمكّن منها الرعب:
-سأطلب تانيت وأحيطها علما بما يقع. ابتعدي عن النافذة، ربما يطلقون النار.
عندما خاطب تانيت، هدأت من روعه وطلبت منه أن لا يكترث بما يحصل خارج البيت، فهم يراقبون الوضع بكل عناية. ثم سألته غير مبالية:
-ماذا ستبث الليلة؟
صمت لحظة ثم قال لها:
-سأبث نصا.
همزته أسماء، ثم قالت له متوسلة:
-أرجوك لا تفعل. فسوف يهدمون على رؤوسنا البيت لو عرفوا أنه مصدر كل هذه البلبلة التي تهز العالم.
قال لها بكل برودة:
-إننا في حماية تانيت.
تشبثت به، ورجته أن يطلب من تانيت أن تساعدهما على مغادرة البيت حالا، فلم تعد قادرة على البقاء داخله ولو ساعة. كانت ترتعد من الخوف، والدموع تملأ عينيها. عاد حنبعل لمخاطبة تانيت لكنه سمع أزيز طائرة مروحية تحوم في سماء البيت، وجرى إلى النافذة غير أنه لم يشاهدها. خاطب تانيت، فعادت تطمئنه، ولما لم يقتنع قالت له بجد:
-يمكنك أن تخرج إلى الحديقة وترى بأم عينيك كيف سنبعدهم عن بيتك دون عنف كبير.
ورغم توسلات أسماء فتح حنبعل باب بيته، ورغم الظلام المهيمن، فقد رأى ما لم يصدقه عقله. على بعد بضع أمتار من سياج الحديقة قامت زوبعة هوجاء، ريح عاتية، ومطر غزير يحجب الرؤية، ثم حط فجأة على عربات وسيارات رجال الشرطة إعصار هائل جعلها تتدحرج حتى الطريق الكبيرة المؤدية إلى المدينة. ظلّ حنبعل مندهشا، لا يدري إن كان ما تراه عيناه حقيقة أم خيالا، لكن عندما التحقت به زوجته تريد إرجاعه داخل البيت، صرخت قائلة:
-ادخل يا حنبعل قبل أن يصعقك الجن، فهذه تانيتك أتت بهم من العالم الآخر لتحارب بهم رجال الأمن. لا بد لنا أن نغادر هذا البيت.
جذبته بقوة ثم أغلقت الباب. وما إن دخلا الصالون حتى وجدا تانيت تتربع على بساطها الطائر وكأنها تترقب رجوعهما. احتمت أسماء بحنبعل وتمتمت:
-بسم الله الرحمان الرحيم. 
قالت لهما تانيت غير مبالية بحالة الاضطراب البادية على وجهيهما:
-استعدا للرحيل، لن يمكنكما العيش في هذا العالم العنيف الذي يجند كل تلك القوة لمحاربة رجل واحد.
فسألتها أسماء:
-وإلى أين ستأخذيننا؟
-إلى مكان تكونان فيه آمنين حتى تبتّ السلطة في قانماد في مصيركما.
سألها حنبعل غير مكترث بما آلت إليه الأوضاع:
-وهل ستبثين الخطاب الذي أحضرته؟
قالت له أسماء بحنق:
-أنت حقا مجنون.
مسح على خدها مهدئا وهمس لها:
-هكذا كان حنبعل وهكذا سيبقى.


صدر للمؤلف:
-”غار الجن” رواية في الخيال العلمي دار سراس 1999
-”جبل علّيين” رواية في الخيال العلمي دار سراس 2001
-”القرنفل لا يعيش في الصحراء” رواية 2003 حازت جائزة كومار الذهبي لسنة 2004

ظهر الغلاف
بكل اختصار وجدت تاريخك من أغرب تواريخ عظماء الأرض. فقد ظهرت لي رجلا غريب الأطوار تجمع كل متناقضات الإنسان. العنف والرقة، الحرب والسلم، البساطة والرفعة، والواقعية والحلم. كانت كل حياتك تناقض، حتى موتك لا يخلو من ذلك التناقض. وجدتك شخصية غريبة، ولذلك أحببت أن أراك تعيش في هذا العصر الذي تفاقمت فيه تناقضات الإنسان إلى درجة لم يعد يسهل فيها رؤية مستقبله…
-لماذا اخترتني أنا بالذات؟
-لأن تاريخك وتاريخ قرطاج يدعم النظرية المتشائمة لمستقبل البشرية على الأرض. قد لا تعرف أنك انتحرت هربا من جبروت القوة التي سيكون على يديها نهاية حضارة من أرقى حضارات المتوسط. لقد محت روما، القوة التي تزعمت العالم، كل معالم الحضارة القرطاجية، أحرقت كل شيء: البشر والمباني والكتب، والمعابد، وحوّلت كيانا بني على مدى ستمائة وخمسين عاما إلى رماد، وحرمت البشرية من جهد أجيال حاولوا التقدم بالإنسان في كل ميادين الحياة. اليوم يا حنبعل تقود الإنسانية قوّة في مثل جبروت روما، وهي تملك من الأسلحة الفتاكة ما يمكنها أن تقضي على الكوكب الأزرق في غضون ساعات. والغريب أن هذه القوة العظمى يحكمها أناس جشعون لا يرون من الأرض إلا ما توفره لهم من أرباح وخيرات…




طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§طھ ط§ظ„ظ‚ط±ط§ط، ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„


ط§ط¶ظپ طھط¹ظ„ظٹظ‚ظƒ ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„ظ…ظ‚ط§ظ„